لكل بداية محرقة نهاية مشرقة

الرئيسية » خواطر تربوية » لكل بداية محرقة نهاية مشرقة
rsz_muslim-man-prays-

الكثير منا يقف على ظواهر النصوص الشرعية من قرآن وسنة كما يقف على ظواهر الأمور دون أن نكلف أنفسنا بقليل من وقت لنقف عليها تعلما وفهما لنضبط سير حياتنا على أثرها وأنوارها، مما يؤدي هذا إلى التيه في السبل أو سلوك طريق معوج بناء على فهمنا المعوج لتلك النصوص.

ومن الأمور التي ما زال البعض يفهمها على غير حقيقتها بل ويمد لنفسه حبل الأماني والآمال ويعلق صلاحه وانضباط تصرفاته ظاهراً وباطناً على مرحلة عمرية معينة مما يدفعه ذلك لتضييع كثير من الفرص من بين يديه وإهدار عمره ووقته اللذين هما رأس ماله حقيقة في هذا الوجود معللا لنفسه أنّ العبرة بالخواتيم، مستندا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذلك ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذلك ثُمَّ يَبْعَثُ الله مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ وَيُقَالُ له اكْتُبْ عَمَلَهُ وَرِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَشَقِيٌّ أو سَعِيدٌ ثُمَّ يُنْفَخُ فيه الرُّوحُ فإن الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حتى ما يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عليه كِتَابُهُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وَيَعْمَلُ حتى ما يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عليه الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ" (رواه البخاري).

فنجد البعض قد غرته أماني نفسه وعلق آماله على هذا فلا بأس من أن يقضي شبابه لاهياً مترفاً عابثاً مادامت العبرة بالخاتمة، ثم إذا فهم الحديث على هذا الوجه فيعني أن الله تعالى من شأنه أن يضّيع سنوات طويلة من الأعمال الصالحة والطاعات بسبب ذنب وقع من أحدهم في آخر عمره.

ويعلق البوطي على من يظن أن العبرة بما يكون عليه الإنسان في آخر حياته: "أن هذا التصور خطأ قتّال، وخدعة شيطانية ماكرة. إن حياة الإنسان لا تكون إلا ثمرة ونتيجة لما قبلها من البدايات والأحوال السابقة، إنها ليست إلا الصدى كما كان عليه حال الإنسان من قبل، معتَقَدا وسلوكا" (شرح الحكم العطائية).

ويرد على من توهم هذا الفهم من الحديث السابق:

1. أن المرء إذا كان حاضره ليس بيده ولا يستطيع أن يجزم ببقائه على قيد الحياة طرفة عين فكيف له أن يضمن بفسحة في آخر عمره يقبل عليها بالطاعات ليكفر عما مضى من عمره ووقته.

2.أن فهمه هذا معارض ومناقض لصريح قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا} [الكهف:30]، وقوله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [البقرة:143]، وقوله: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ} [آل عمران:195].

بل إن البعض منا بلغ به الأمر أن يتأله على الله لينازعه في حكمه وأحكامه ويعترض ويسخط على مجريات الأمور ومآلاتها، فتجده يعترض ويسخط على سوء خاتمة من كانت حياته عامرة في مجالات البر والإحسان وخطواته مرصوفة إلى بيوت الله فما كان ليقف إلا بالصف الأول مما يلي الإمام، فيظن جاهلا بأن ثمة ظلم في الأمر.

والسبيل للخروج من إشكالية هذا الفهم والوهم الذي وقع به البعض أن نعود لكلام النبي لنفهم ما أشكل علينا فقد ورد الحديث بصيغة أخرى في صحيح مسلم جاء في صيغته: "إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة"، وفي شرح الحكمة العطائية: "من علامة النجح في النهايات الرجوع إلى الله في البدايات" يعلق البوطي على هذا الحديث: "في ضوء هذه الرواية التي قيدت عمل الإنسان بكلمة "فيما يبدو للناس" ينبغي فهم الرواية الأخرى المطلقة... لأن القاعدة الأصولية المعروفة تقضي بتفسير اللفظ العام في ضوء الخاص والمطلق في ضوء المقيد، لا العكس. إذن فالانفصال الذي قد تراه بين ختام حياة الإنسان وبداياتها إنما هو فيما يبدو، كما يقول رسول الله، أما الحقيقة التي قد لا تبدو لك، فبينهما من الاتصال والتفاعل ما بين السبب والمسبب، والمقدمة والنتيجة، والأصل والفرع".

ففلان الصائم القائم كثير الصدقات وجب على الله أن يكافئه بحسن الخاتمة هكذا ننظر للأمر وقد غفلنا أن هناك سريرة وعلانية فإن كانت علانية المرء موضع نظر الخلق فإن السريرة هي موضع نظر الخالق  لقوله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إلى أَجْسَادِكُمْ ولا إلى صُوَرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكُمْ" (رواه مسلم).

والذي يزرع يحصد ثمار ما زرع إذ من البديهيات أنه لا حصاد لمن لا زرع له، وهب أن عليك امتحان من تلك الامتحانات الدنيوية هل حمل الكتاب يغني الطالب عن حقيقة المدارسة؟! الناظر من بعيد يحكم بناء على رؤيته لحمل الطالب الكتاب فهو يفترض تسليما بأنه يدرس لكن ما أدراه أن الكتاب بين يدي الطالب محتواه مادة غير مادة الامتحان أو أشغلته الصور المدرجة فيه عن المادة العلمية التي حُدد بها الامتحان فنظره وفكره معلق بغير سطور ومادة الامتحان.

الناظر من بعيد يحكم بناء على رؤيته لحمل الطالب الكتاب فهو يفترض تسليما بأنه يدرس لكن ما أدراه أن الكتاب بين يدي الطالب محتواه مادة غير مادة الامتحان أو أشغلته الصور المدرجة فيه عن المادة العلمية التي حُدد بها الامتحان فنظره وفكره معلق بغير سطور ومادة الامتحان

وتأمل لقوله تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا} [الفرقان:23] وهل يعقل أن الله العدل المقسط يرد أعمالهم دون سبب أم أن اختلاف وتعدد وجهاتهم هي من نسفت أعمالهم، وتفسير ما سبق أن طاعاتهم وعباداتهم ما كان الله أساسا مقصدا أو غاية منها، وهذا يجعلنا نتريث في أحكامنا على الناس وأفعالهم لسببين:

الأول: دع أمر الخلق للخالق فنحن لم نخلق قضاة بل دعاة، أشغل نفسك بنفسك ولا تشتغل بأمر غيرك إلا بما اقتضى عليك من أمر بمعروف أو نهي عن منكر.

الثاني: لا يُحكم على الأمور من ظواهرها فربما كان ظاهره عسلاً سائغاً للشاربين وحقيقته السم الزؤاف، فقد تجد من يعكف على المعاصي ضعيف القلب قليل الحيلة أمام سطوتها ونشوتها ولكنه يخرج منها ذليلاً كسيراً بين يدي الله يشكو إليه حاله وضعفه ويتلمس طرق التوبة والإنابة والمغفرة ويعمل من الطاعات ما يخفى عن أعين البشر، فيرزقه الله بتوبة قبل مماته تجعلك تظن تناقض بدايته مع خاتمته، بالمقابل من ذلك تجد من تعددت سبله في البر والأعمال الصالحة من قيام وحج وزكاة وصدقات لكن أعماله قصد بها كل شيء إلا وجه الله فإن سوء الخاتمة ستكون الثمرة الطبيعية لبداياته تلك.

لا بد أن تأخذ من باكورة عمرك حتى يستقيم لك نهايته فكل بداية محرقة لا بد لنهاية مشرقة لها ، بل إن ما سبق في حد ذاته جرعة تفاؤل وبارقة أمل أن الرجوع إلى الله في بداياتك لم يكن محصورا بشكل دون آخر من الطاعات إذ يوضح هذا المعنى البوطي ففي كتاب شرح الحكم العطائية: "إن من الرجوع إلى الله عز وجل كثرة الالتجاء إليه والتضرع بالدعاء بين يديه، ولا شك أن من أحب الأعمال إلى الله أخفاها وأكثرها خصوصية بين العبد وربه".

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة حاصلة على الدكتوراة في العقيدة والفلسفة الإسلامية من جامعة العلوم الإسلامية العالمية في الأردن. و محاضرة في جامعة القدس المفتوحة في فلسطين. كتبت عدة مقالات في مجلة دواوين الإلكترونية، وفلسطين نت، وشاركت في المؤتمر الدولي السادس في جامعة النجاح الوطنية حول تعاطي المخدرات. مهتمة بالقضايا التربوية والفكرية، وتكتب في مجال الروحانيات والخواطر والقصة القصيرة.

شاهد أيضاً

الحزن بين المقصد الشرعي والإرضاء النفسي

ثمة حالة يمر بها بعض السائرين إلى الله إذ تجد الواحد منهم قاطب الجبين مهموم …