هل كل العرب المسلمين إخوان؟!

الرئيسية » حصاد الفكر » هل كل العرب المسلمين إخوان؟!
533

من البديهي أن الرسالة الإسلامية بُعث بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم في القرن السابع للميلاد وأن هذه الرسالة أَحدثت ثورة كبرى في المنظومة السياسية والاجتماعية للعرب في عصر النبوة وحولتهم من قبائل مشتتة ومتصارعة إلى أمة بنت حضارة من أهم الحضارات الإنسانية وكان لها مساهمة مهمة في تقدم المعرفة العلمية والرياضية في التاريخ البشري، إن هذا الدين الذي أُسست عليه تلك الحضارة العظيمة لا يزال هناك قرابة المليار ونصف المليار إنسان في هذا العالم - بما فيهم العرب - يؤمنون به ويمارسون أركانه ويلتزمون بأخلاقه ويحتفلون بأعياده مثلما يؤمن غيرهم بعقيدته ويمارسها في حياته اليومية دون أن يكون في ذلك تعارض مع الحياة المعاصرة التي تنفرد بهيمنة التكنولوجيا على كل مظاهر الحياة.

لحد هنا يبدو الأمر عاديّا في سياق الحياة اليومية للبشر عموما مسلمين وغيرهم. ولكن الناظر فيما يعيشه المسلمون العرب واقعيّا داخل مجتمعاتهم وفي بيئتهم من حصار سلطويّا عجيب وتدخل سافر من أهل السلطان في الممارسات اليومية للحياة الدينية والتضييق المفرط حتى على القيام بالطقوس العادية التي تمارس في كل العقائد من صلاة وصوم وفعل خير والتشهير بها والتنكيل بمن يمارسها، وذلك في إطار حرب معلنة بين السلطة السياسية في العديد من الدول العربية وحركة الإخوان المسلمين كحركة سياسية معارضة، حتى أصبح لدى بعض تلك السلط ونخبها تماه تام في أذهانهم بين الإسلام كعقيدة وحركة الإخوان المسلمين. إن هذا التماه يدفعنا لطرح السؤال التالي: هل كل العرب المسلمين إخوان؟ وحين نشاهد ما تقوم به تلك الدول من حملة ضد مسلمي العالم نكاية في خصم سياسي يصبح السؤال: هل كل المسلمين إخوان؟

حركة الإخوان المسلمين حركة سياسية واجتماعية لها تأويلها الخاص للقرآن والسنة وعلى أساس ذلك التأويل بنت شعارها: الإسلام هو الحل

لقد أمعنت الكثير من الأنظمة العربية في الإساءة للإسلام ودفعت الأموال الطائلة للمنظمات الغربية المعادية له والتي تتميز بعنصرية مفرطة تجاه كل ما هو عربي ومسلم. عنصرية يستهجنها حتى الغرب نفسه. ولكنها وجدت في بعض خزائن العرب من يغدق عليها بسخاء نكاية في حركة سياسية معارضة حولتها تلك الأنظمة لدى الكثير من الرأي العام العربي المسلم إلي الحامية الوحيدة للحقوق الدينية في المجتمعات العربية. لذلك كلما انتصرت الديمقراطية في أي مجتمع عربي إلا وانتصرت معها حركة الإخوان المسلمين والحركات الإسلامية المعتدلة عموما لأن الشعوب ترفض المغالاة العلمانية والإسلامية فتركن للوسط.

لم تفهم تلك الأنظمة لليوم أنه وكلما اشتد الطغاة في محاربة عقائد شعوبهم كلما تمسكوا بها ولو أظهروا عكس ذلك للعلن خشية التنكيل والتعذيب والسجن والقتل. فالشعوب لها وسائلها وأدواتها الخاصة للحفاظ على تلك العقائد والمعتقدات. فمن يقرأ التاريخ يعلم جيدا أن الكثير من مسلمي العالم تعرضوا للتنكيل في عقائدهم ولكن حين زالت تلك الأنظمة خرجت تلك العقائد من نارها زاهية مزهرة كأن لم يمسسها شيء. إن العقيدة كطائر الفينيق كلما أحرقتها ولدت من جديد.

إن حركة الإخوان المسلمين حركة سياسية واجتماعية لها تأويلها الخاص للقرآن والسنة وعلى أساس ذلك التأويل بنت شعارها: الإسلام هو الحل. وهو شعار قد نقترب منه أو نبتعد عنه في مستوى التأويل الذي تشكل على أساسه ولكن في النهاية لا يمكن أن نماهي بينها وبين الإسلام كعقيدة وحياة. فالإسلام يتجاوز الحركات الإسلامية والعلمانية معا. إن الإسلام روح الشعب. ولقد خضعت الأسس النصية للإسلام في القرآن والسنة لتأويلات متعددة ومتفرقة ومختلفة منذ ظهور الإسلام مع بداية نزول الوحي وإلى اليوم. وما تعدد الفرق والمذاهب إلا نتيجة تلك التأويلات المتنوعة والمتعددة. فالقرآن الكريم نص مقدس مفتوح قابل لتعدد التأويلات والقراءات إذا ما ابتعدنا عن الآيات المحكمات القطعيات التي لا تقبل تأويل وتتعلق بالأركان الثابتة والأحكام القطعية والأصول الواضحة البينة التي لا اجتهاد فيها. أما كل ما فيه اجتهاد فمفتوح على كل التأويلات الممكنة. لذلك نجد كل المفكرين العرب علمانيين أو إسلاميين يحاولون تأصيل أفكارهم ورؤاهم من خلاله.

فإن كانت التأويلات متعددة فالإسلام واحد خاصة بالنسبة لعامة الناس. فالعامة لا تعنيهم كثرة تأويلات الخاصة ولا يهمهم إلا فهم كيفيات القيام بالأركان والبحث في سبل مطابقة السلوك للغايات الأخلاقية للعقيدة الإسلامية في التعامل مع الناس في حياتهم اليومية، وفهم التمييز بيم الحلال والحرام في تلك الحياة. فالدين بالنسبة لهم معاملة. والدين بالنسبة لهم نصيحة في طريق الخير وتجنب لطريق الشر. والدين أخيرا بالنسبة لعامة الناس أخلاق أولا وأخيرا، إن الأنظمة التي تماهي بين الإخوان المسلمين والإسلام إنما تضع مسمارا في نعشها هي لا في نعش الحركة. وتضع نفسها وجها لوجه في حرب معلنة وخفية مع شعوبها التي قد تكون مستكينة تحت نيران البطش والقمع ولكن حين تحين الفرصة فلن تتردد في الثورة وفي تحرير نفسها وعقيدتها من الطغيان والظلم.
اعلان

لقد كانت الانتخابات الرئاسية في الأخيرة في تونس رسالة لكل الطغاة أن من يعادي الشعوب ينهزم في النهاية. فالشعب التونسي تعرض خلال السنوات الأخيرة إلى حملة ممنهجة من التشويه لعقيدته وأخلاقه ومحاولة إفساد شامل عبر القنوات التلفزية والنخب الفاسدة التي لا هم لها إلا استفزازه نكاية في حركة النهضة التونسية، حتى أصبحت الصلاة جريمة لدى هؤلاء يشهر بمن يقوم بها من المسؤولين بل وصل بهم الأمر حتى الدعوة لعزل كل مسؤول يمارس أركان الإسلام من صلاة وصوم وكأنها جريمة خيانة عظمى للوطن لدى تلك النخب الفاسدة والمفسدة. لذلك حين ترشح الأستاذ قيس سعيد وجد فيه الشعب رجل يحترم عقيدته وقيمه الأخلاقية والبديل المطلوب لتلك النخب الفاسدة سياسة وفكرا فكان الاكتساح في الفوز رسالة مضمونة الوصول لكل هؤلاء وغيرهم أن الشعوب لا تكون ظهيرا للفاسدين ولا تقبل الإساءة لعقائدها وتريد حاكما منها وإليها.

إن أكبر خطأ للكثير من الأنظمة العربية القمعية هو الممهاة بين الإسلام والحركات الإسلامية وهو نفس خطأ النخب المثقفة حتى أصبحت هي في واد والشعوب في واد وتحول العداء الأيديولوجي لحركة سياسية ذات مرجعية إسلامية لعداء لروح الشعب ذاتها. وهذا العداء لا يزيد تلك الحركات إلا تجذرا داخل تلك المجتمعات.

معلومات الموضوع

مراجع ومصادر

  • مدونات الجزيرة
اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

في معنى الأُسوةِ الحسنة.. هل يكفِي أن نمدح محمّدا؟

"لَقدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآخِرَ وَذكَرَ …