إتقان العمل.. صور ومخالفات

الرئيسية » خواطر تربوية » إتقان العمل.. صور ومخالفات
work21

العمل في اللغة مأخوذ من لفظ عمل يعمل عملاً، فهو عامل، فنقول عمل نجاراً / طبيباً / مهندساً وما إلى ذلك. كما أنه يعني أيضاً مارس نشاطا وقام بجهد للوصول إلى نتيجة نافعة. والعمل اصطلاحاً هو كل ما يصدر من أيّ جسم من حركة أو فعل.

أما العمل في الاصطلاح الشرعيّ: فهو بمعنى الكسب، ويُعرَف بأنّه طلب تحصيل الشخص للمال بالوسائل والأسباب المُباحة شرعاً.

أما كلمة إتقان أتقنَ يُتقن، إتقانًا، فهو مُتقِن، وأتقنَ العملَ: أحكمه، أجاده، ضبطه {صُنْع اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ}.

إذن فإتقان العمل هو القيام بالعمل المطلوب كما يطلب من قبل صاحب العمل على الوجه الأكمل مقابل أجر معين والتقصير أو التهرب منه يعني أن العامل لا يستحق الأجر الكامل المتفق عليه لأنه يعتبر قد أخل في عمله.
إتقان العمل هو من الأمور التي أوصانا بها ديننا الحنيف فلقد قال رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه) (رواه أبو يعلى والطبراني).

فعليك مهما كنت تعمل وأينما كان مكانك أن تتقي الله في عملك، سواء أكنت طبيباً أو معلماً أو مهندساً أو عاملاً أو غيره. عليك أن تستشعر تقوى الله عز وجل وتتذكر دائماً أن الله يراقبك في كل أحوالك فتتقن عملك وتعطيه حقه لتتذوق حلاوة شعور الكسب الحلال وتستشعر جمال الحياة برضاك عن نفسك وعن عملك.

العمل عبادة تؤجر عليها خاصة إذا أديتها بالشكل الصحيح المتقن فالمعلم مثلاً مؤتمن على جيل يعلمه ويؤثر به التأثير السليم، ليؤجر عن كل طالب وطالبة يعلمهم العلوم المختلفة والأخلاق الحميدة ويؤثر تأثيراً إيجابيا في شخصياتهم وسلوكهم. والطبيب كذلك مؤتمن على مرضاه والمهندس مؤتمن على عمله وكلُ إنسان مؤتمن بحسب طبيعة عمله، قال الله تبارك وتعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}.

لكنني أعجب من أولئك الذين يتهربون من عملهم بكافة الطرق والأساليب ويختلقون الحجة تلو الحجة لمدرائهم لمغادرة مكان العمل كلما سنحت لهم الفرصة، كيف ينامون وينعمون بالراحة والطمأنينة وهم يعلمون أنهم يغشون أنفسهم قبل أن يغشوا أصحاب العمل. كيف يهدأ لهم بال وترتاح نفوسهم وهم يعلمون يقيناً أن ما يأكلونه ويشربونه أو حتى ما يطعموا أبناءهم وبناتهم حراماً في حرام.

لا بد لك من أن تسأل نفسك دائماً هل أقوم بواجبي خير قيام؟ إن كان جوابك بنعم فهنيئاً لك فلقد قمت بعملك بإتقان كما أراده الله تعالى وسيبارك الله لك في كل ما تجني من عملك، وإن كان جوابك بلا فاشفق على نفسك وردها إلى صوابها واستجمع قواك وعاهد الله على بداية صادقة وجد واجتهاد في العمل فالحياة قصيرة وكلنا محاسبون على أعمالنا فلنتقنها ولنعطيها حقها حتى ننال رضى الله ومحبة الناس ونحصل على البركة التي تعم مختلف نواحي حياتنا.
قال رسول -عليه الصّلاة والسّلام-: (كُلُّكُم راعٍ وكُلُّكُم مسؤولٌ عن رعيتهِ) (رواه البخاري). فلا تستهين ولا تحقر أو تقلل من أهمية أي عمل مهما كان متواضعاً، فكل إنسان مؤتمن بحسب طبيعة عمله وسيأتي يوم ويسأل عن كل صغيرة وكبيرة.

هناك قضية أخرى أحب أن أتطرق اليها وهي استغلال العمل للمصلحة الشخصية خاصة إن كان من يعمل صاحب نفوذ أو سيطرة فقد يعتبر الاستغلال نوعاً من الذكاء والحداقة فمثلاً يترك مكان العمل متى أراد ويغيب عن العمل متى أراد أو أن يستغل أموراً في عمله لمصلحته الشخصية مهما كانت صغيرة فليس هناك من يحاسبه. ولكني في هذه الحالة أقول دعونا نرفع لواء مخافة الله أمام أعيننا فلا المناصب تحمينا ولا الاموال تغفر لنا إن أخطأنا. دعونا أن نكون ممن يتعظ بغيره لا بنفسه فحتى أموال قاروون لم تغن عنه من الله شيئاً.

هناك من يقول متقاعساً عن عمله متذرعاً أن الاخرين من حوله لا يعملون بإخلاص : "أنا لن أستطيع إصلاح الدنيا بنفسي فلم اتعب وأرهق جسمي وعقلي بلا داع فلا شيء يستحق العناء" ولذا يرفع عنوان الكسل والتباطؤ في العمل عالياً. ولمثل هذا الانسان نقول: ما يهمنا هو أن كل إنسان يقوم بعمله بإتقان بغض النظر إن كان هناك من يقصر بعمله من حوله أم لا، فالمهم أن يبدأ الإنسان بنفسه ويكون مثالاً يحتذى به بالأخلاق والعمل الدؤوب المتقن فلا ينظر إلى أولئك المقصرين بل ينظر إلى من هم من المتقنين لأعمالهم الذين يصل عملهم إلى درجة الإحسان.

أما عن فوائد إتقان العمل فهي كثيرة ولكني سأذكر البعض منها:

• الأجر والثواب العظيم من الله عز وجل يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

• النجاح في الدنيا، فلكل مجتهد نصيب لأن من ثابر وجد واجتهد في عمله فلا بد له من النجاح والتميز والارتقاء وتسلق سلم النجاح والوصول إلى القمة باجتهاده وإتقانه لعمله.

• صلاح الفرد هو صلاح المجتمع كاملاً فكل فرد في المجتمع هو لبنة تؤدي إلى بنيان مجتمع قوي متماسك. فلو أتقن كل منا عمله يرتقي المجتمع إلى أعلى الدرجات بصلاح أفراده.

• ولا ننسى محبة الناس التي ينالها الإنسان بصلاحه وصلاح عمله.

وأخيراً قال الله تعالى :{َيا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ} [الانشقاق:6] فأصل الحياة هو أن يسعى الانسان في طلب رزقه ويتعب ويتقن عمله حتى يحصل على الكسب الحلال ويجد أثر هذا السعي الحلال في حياته ومماته.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحثة وأديبة ومحاضرة في الأدب والفكر، لها العديد من البحوث والمؤلفات باللغتين العربية والإنجليزية. حاصلة على شهادة الدكتوراة في التعليم (القيادة التربوية والإدارية). تقوم بتقديم العديد من الدورات التدريبية وورش العمل في مجالات عديدة. درست الأدب الانجليزي والشريعة الإسلامية. وقدمت مساهمات في العديد من المؤتمرات العالمية والمحلية فيما يختص بتطوير التعليم وطرائقه. لها اهتمامات عديدة في مجالات الأسرة وكذلك تنمية وتطوير الذات.

شاهد أيضاً

الزواج بين الغاية والوسيلة

نعم الله علينا أجلّ من أن تحصى ونحن كبشر فينا ما فينا من ضعف وقصور …