الإناث بين الهبة الربانية والتشاؤم البشري

الرئيسية » خواطر تربوية » الإناث بين الهبة الربانية والتشاؤم البشري
muslim-woman

فضل الله أعظم من أن يحصيه أو يقدره مخلوق مهما كثرت طاعاته وقلت سيئاته ومعاصيه؛ فكيف يقدر عليه مخلوق بشري معروف بذنوبه وأخطائه، فلو لم يكن لله إلا نعمة خلق عباده لعجزوا عن أداء حقها من الشكر، فكيف ونعمه لا حصر لها، فسخر لهم الكائنات وأحاطهم بعين الرحمة والرعاية واللطف، فأخرجهم من الظلمات إلى النور ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، وحرّم عليهم ما من شأنه أن يمسهم بالضر أو يُلقي بهم إلى التهلكة.

والمرأة أول ما شملتها العناية الإلهية وذلك عندما كفل لها حقها في الوجود؛ فحفظ لها حقها في الحياة، فحرم الوأد ثم شرع ما من شأنه أن يكفل سائر حقوقها، وأي اعتداء على ذلك إنما هو اعتداء على أمر الله قبل كل شيء، فأي شرف ورفعة بلغتها المرأة في ظلال الإسلام في حين بلغت النساء ذروة المعاناة أول ما بلغت في بلاد يُصدر لها على أنها حارسة المرأة وحقوقها.

ولو فقهت المرأة دينها وشرعة ربها من مصادرها الصافية لتوقد قلبها جمراً؛ حياء لفضل الله عليها، ولأيقنت أن الإسلام سيظل بنصوصه الواضحة الجلية حجة لكل داع للحق، والدرع الذي تتكسر عليه سهام المغرضين من هجمات وشبهات في محاولة لزعزعة ثقة المسلمين -تحديدا النساء_ بدينهن ونبيهن، ولفضحت مؤامراتهم وأسقطت القناع عن أفكارهم وأهدافهم التي ما زالت تثبت أنهم تجار أعراض وأجساد وأنهم أبعد ما يكون عن كونهم مهتمين بالمرأة وحقوقها وإن كانت ظاهر دعواهم هذا إلا أنها دعوة حق أريد بها باطل.

ومن جمالية هذا الدين واحترامه للمرأة وإعلاء قدرها أنه اعتبرها هبة لمن رُزق بها لقوله تعالى: {يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ} [الشورى:49]، فمن ظاهر اللفظة القرآنية يدرك السامع أو القارئ -وإن لم يبلغ الدرجات من العلوم- بأن هذه اللفظة إنما تعبر عن أعطية ثمينة وكأنه يصفع الجاهلية الأولى ويرد على موقفها من ولادة الأنثى الذي نقلته لنا الآية الكريمة: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ} [النحل:58]، أليس هذا وحده رداً مفحماً كافياً أن يخرس تلك الأبواق التي تردد ادعاءات وشبهات أطلقها أصحابها إما عن جهل تام بحقائق الإسلام وجماليته أو أنها نتاج قلوب مكفهرة من الخير ونفوس مظلمة زادت من ظلمتها واسودادها ألسنة الحقد والكراهية والحسد لما تشهده المجتمعات المسلمة لبقية باقية فيهم من تماسك وعفة فأرادوا لها الانهيار والتمزق والتشتت على آثار تمزقهم وانهيارهم وذلك بأن يعيثوا فسادا وخرابا بأساس المجتمعات المتمثلة بالمرأة التي إن صلحت صلح ما بعدها وإن فسدت فعلى الدنيا السلام.

ولو تأملت كل الأمم السابقة واللاحقة حتى وهي تبلغ الذروة في رقيّها وتقدّمها لم تجد فيها مثل ما تجده في الإسلام من احترام وإعلاء لقيمة المرأة أي كانت أمّاً أو زوجة أو أختاً أو ابنة والمثل والقدوة بذلك رسول الإسلام وصفحات التاريخ شاهدة له على رقي تعامله ومعاشرته لنسائه وبناته وحتى صويحبات نسائه في الوقت الذي عجز عنه أرباب التقدم وأدعياء التحرر والمدنية من أن يحفظوا المرأة وحقوقها من أي مساس بهما حتى من هؤلاء الأدعياء أنفسهم.

وتأمل قول المصطفى وقد بلغ الذروة في تكريم المرأة منذ نعومة أظافرها بل حتى من قبل أن تكون ويحث على الإحسان لها والقيام على أمورها وهذا غيض من فيض من الأحاديث النبوية التي تبين قدر من يكرمها ويحسن تربيتها فإن دل هذا على شيء إنما يدل على مكانة المرأة في الإسلام منذ تكوينها، إذ يقول صلى الله عليه وسلم: "من ولدت له ابنة فلم يئدها ولم يهنها ولم يؤثر ولده عليها يعني الذكر أدخله الله بها الجنة" (رواه أحمد)، "من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو وضم أصابعه" (رواه مسلم)، "من عال ابنتين أو ثلاث بنات أو أختين أو ثلاث أخوات حتى يمتن أو يموت عنهن كنت أنا وهو كهاتين وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى" (رواه أحمد)، "من ابتلي من هذه البنات بشيء كن له سترا من النار"(رواه البخاري).

انظر عظم الجزاء وهل جزاء الإحسان للهبة الربانية شكرا وتعهدا وتربية إلا إحسانا وإكراما بأن جعل الجنة جزاءه؟!

ثم تأمل حال من فقه قول المصطفى ووعاه كيف له أن يحيد عن شرعة ربه، وكيف شعوره وهو يدرك أهمية تربيته ورعايته للأنثى التي رُزق بها وهي ستغدو في الغد ربة أسرة وظيفتها الأولى صناعة الإنسان السوي، أو شقيقة للرجل تشد من عضده أختا، وسكنا له كزوجة، وبهجة وسرورا كابنة تكون له كما الأم الرحيمة في كبره أو أماً يشتم عبق الجنة تحت أقدامها، وتأمل حديث المصطفى وهو يهذب مشاعرك وينهاك أن تستجيب لشعور الكراهية تجاه البنات في قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تكرهوا البنات فإنهن المؤنسات الغاليات" (رواه أحمد).

فإذا كان هذا في المشاعر والأحاسيس أتراه صلى الله عليه وسلم يقبل منك _ وأنت المسلم المأمور أن تتخذه صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة_ تصرفاتك الظالمة وسلوكياتك العدائية لهذا المخلوق الذي خلقك وإياه من نفس واحدة لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} [النساء:1].

إنّ أي امرأة مهما بلغت وكانت لو تركت وشأنها دون تلك اللوثات الفكرية التي لوثت أفكارها، وعُوملت بمعاملة الشرع التي رسم حدودها وبين معالمها لسكنت آمنة مطمئنة بل لاختارت ما اختاره الشرع لها، لكن الظلم الذي تعانيه المرأة اليوم إنما مرده إلى:

أولا: ظلم لنفسها من نفسها وذلك عندما انشغلت بسفاسف الأمور عن معاليها وجهلت طبيعة وحقيقة رسالتها في الوجود ومن انشغل وجهل رسالته والغاية التي خُلق لها أشغله هوى نفسه في الباطل وحاد به عن جادة الطريق.

ثانيا: ظلم المجتمع لها بعدم تطبيق شرع الله في قضاياه ولا سيما قضايا المرأة.

وللخروج من هذه الدوامة والأزمة المفتعلة إنما يكون بفقه المرأة لدورها ورسالتها في الحياة ولإعادة نظرتها لنفسها نظرة مستمدة من شرع ربها وسنة نبيها نظرة إعزاز وإكرام، ومن ثم فصل انحرافات الناس في قضايا المرأة وظلمهم لها والنظر لهذه الانحرافات على أن منشأها النفس البشرية الأمارة لا نصوص الشرع الواضحة الجلية، والكف عن عزو الظلم والسوء في التصرفات البشرية للنصوص الشرعية بحيث نجعل الدين شماعة نعلق عليها تلك السلوكيات والتصرفات.

اتقوا الله في النساء واخلفوا نبيكم فهنّ خيرا فقد كان من آخر وصاياه صلى الله عليه وسلم: "واستوصوا بالنساء خيرا" (رواه البخاري)، وتيقنوا أنّ ما تأملوه من صلاح لمجتمعاتكم لا يكون إلا بصلاح نسائكم، فإن كانت المرأة نصف المجتمع فإنها هي القائمة على النصف الثاني تربية ورعاية ولن تتربى الأجيال على العزة والكرامة والإباء ما لم يكن القائم على تربيتها يعيش هذه المعاني في نفسه، ارتقوا بنسائكم ترتقي مجتمعاتكم، اغرسوا في نفوس بناتكم الثقة والإيمان بذاتهن ورسالتهن وأنهن ملكات لا إماء في بيوتكم وقتها تنشأ الأجيال على الأنفة والاستقلالية وتأنف التبعية والمذلة، والمرأة التي لا تخضع بقولها وفعلها إلا لله لا شك أنها ستنجب وتربي من لا يجيد الخضوع إلا لله.

معلومات الموضوع

الوسوم

  • المرأة
  • النساء
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
    كاتبة حاصلة على الدكتوراة في العقيدة والفلسفة الإسلامية من جامعة العلوم الإسلامية العالمية في الأردن. و محاضرة في جامعة القدس المفتوحة في فلسطين. كتبت عدة مقالات في مجلة دواوين الإلكترونية، وفلسطين نت، وشاركت في المؤتمر الدولي السادس في جامعة النجاح الوطنية حول تعاطي المخدرات. مهتمة بالقضايا التربوية والفكرية، وتكتب في مجال الروحانيات والخواطر والقصة القصيرة.

    شاهد أيضاً

    العبد المؤمن والجماعة المؤمنة.. بين الصحة والسقم

    على الرغم مما حبا الله تعالى الإنسان به من أسباب القوة التي تجعله ينهض ويتحرك …