التدافع الحضاري… صراع أم سنن كونية

الرئيسية » بصائر الفكر » التدافع الحضاري… صراع أم سنن كونية
Western-Civilization

هل تبقى الأمم إلى الأبد بقوتها وعنفوانها وجبروتها؟ هل تستمر الممالك كما بدأت فتية في صعود لا يتوقف؟ هل تستقر إرادة الناس على نظام إلى الأبد، فيصوتوا له بنفس توجهه وقوانينه وهويته وأيديولوجيته بدون تغيير؟ هل تظل الهيمنة للبعض، والضعف والهوان للآخر إلى قيام الساعة بدون تبديل أو تغيير؟

لقد جعل الله - عز وجل - للكون سننا وقوانين لا تتبدل، ولا يستطيع تجاوزها كيان -سواء كان مؤمنا بالله عابداً متبتلاً، أو كان كافراً به، أو ملحداً، أو عاصياً- سنن تتجاوز القدرة البشرية على تخطيها فتنظم حركة الحياة بين الناس بالعدل الرباني المطلق، لا بالعدل البشري المحدود، لقد اتفقت إرادة الله أن تكون مع العادل حتى يظلم، ومع العامل حتى يتوقف، ومع القوي حتى يتجبر، ومع المجتهد حتى يكسل، ومع المؤمن المستقيم حتى ينحرف ، اتفقت إرادة الله أن يحكم بين خلقه بقوانين يحددها هو بموجب ربوبيته للجميع، ومن تلك السنن التي وضعها رب العزة، سنة التدافع بين الأمم، سنة الاستبدال، فيقول سبحانه: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40].

مصطلحات المشروع الحضاري الغربي الحديث

الصراع الحضاري، العولمة، الهيمنة، تلك بعض المفردات من التي تتردد في خضم الحديث عن الإدارة الجديدة للعالم، والتي استحوذت عليه منذ خروج الاستعمار الأوروبي مما يسمى ببلاد العالم الثالث حسب تصنيف الهيمنة والقوة المادية، تقزم المارد البريطاني، وتقلصت حدود فرنسا حين اضطرت مرغمة على التخلي عن مستعمراتها سياسياً وعسكرياً في العمق الأفريقي، مع احتفاظها بحق استغلال مقدرات تلك البلاد لعشرات من السنوات لم تنته بعد في جزء كبير منها، لتختزل خيوط القوة في الجبهة الأمريكية، وكي تتحقق سنة التدافع للحفاظ على التوازن العالمي تتقاسمها مع الاتحاد السوفييتي، لتبدأ هيمنة القطب الواحد بعد انهياره.

ولم تعرف الحضارة الغربية -منذ بزوغ فجرها في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين- سوى أن البقاء للأقوى، وأن الحضارات في صراع لا ينتهي إلا بقضاء أحدها على الآخر ، واستطاعت أمريكا أن تنتزع الريادة وتفرض مشروعها الجديد بقوانينه الجائرة من القارة الأوروبية العجوز، بل واستطاعت كذلك أن تسخر العالم المنهك ليخدم مصالحها ومشروعها الوليد، ذلك المشروع الذي عانت منه أوروبا وخاصة فرنسا التي صرحت على استحياء بأن العولمة تمثل خطرا على الهوية الفرنسية ويجب مقاومتها بالعودة إلى الأصول التاريخية للجمهورية التي تعاني أزمة ثقافية تهدد بالتلاشي الحضاري في الحضارة الجديدة، وفي نفس الوقت، كانت هناك حضارة من أكثر الحضارات التي اجتازت حدود القارات لتصل لقلب أوروبا وحدود فرنسا في الطريق لأن يأفل نجمها، سقطت الخلافة، وتفككت ولاياتها، وصارت الأقطار العربية والإسلامية جزراً منزوية أحدها عن الآخر، لينتقل الصراع الحضاري وتدور رحاه على أراضي المسلمين؛ ليحقق كل طرف من أطراف الهيمنة مآربه الشخصية ومصالحه الخاصة من خلال الاقتتال العربي العربي، والإسلامي الإسلامي، بينما المنتج الوحيد للسلاح هو المستفيد، واللص الأكبر للمقدرات هو المستفيد، ويصنع في غفلة من الحضارة الإسلامية عالماً جديداً، يصنع جريمته الكبرى في اغتصاب الأرض، وقتل المواطنين ليكون الأخطر على الإطلاق هو تعيين حكام يقومون بحماية ذلك النظام الجائر على حساب الشعوب التي فقدت بوصلتها.

النموذج الحضاري الغربي ومستقبل الإنسانية

قدم المشروع الغربي للبشرية نقلة حضارية نوعية تتميز بالتقدم المادي على كل المستويات، فقد شهد العلم طفرة غير مسبوقة من ناحية الانتقال من مرحلة علمية لمرحلة أخرى، واستطاعت الإنسانية أن تخطو خطوات واسعة في سنوات مكثفة، وبينما كان الانتقال العلمي يستغرق حقباً تاريخية، فقد أصبحت القفزات العلمية تعد بالدقائق، بل بالفيمتو ثانية؛ فكل لحظة هناك جديد، والتنافس بين الدول على أشده، يشمل الطب والهندسة والجينات والسلاح واكتشاف الكون ليس في حيز الكوكب، وإنما خارج حدود المجرة، وما زال الطموح الإنساني يرنو لما هو أبعد من ذلك، وبهذا فإن فضل الحضارة الغربية في هذا المضمار لا يمكن إنكاره، ولكن وعلى الصعيد الآخر، وفي الناحية الأخرى من الكرة الأرضية نجد العالم الثالث، يحمل كل معاني التخلف والرجعية والجهل، لا يعرف سوى الفقر والتناحر، تهاجر عقوله المبدعة إلى ذلك العالم المهيمن حيث المال والعلم والإمكانات والحريات والتعامل الإنساني، وحرص النظام العالمي الجديد أن يظل العالم الثالث على حاله، فلا حريات إلا في حدود ما يستطيع مواطنوه شراء منتجات الآخرين، ولا صحة إلا في حدود ما تسمح به أن يعمل لدى الآخرين، ولا تعليم إلا بما يسمح باستمرار التبعية والاحتياج والانبهار بالآخرين.

قدم الغرب نموذجاً حضارياً يسير بقدم واحدة، ويرى بعين واحدة، عين تحكمها العنصرية للجنس الأبيض وكل ما دونه فهو لديه مستخدم، بحيث يعمل لضمان الرفاهية والحياة الأفضل للحضارة الجديدة

قدم الغرب نموذجاً حضارياً يسير بقدم واحدة، ويرى بعين واحدة، عين تحكمها العنصرية للجنس الأبيض وكل ما دونه فهو لديه مستخدم، يعمل لضمان الرفاهية والحياة الأفضل للحضارة الجديدة، حضارة لا تعرف سوى الصراع والإبادة لكل آخر سواها، وبعد أن كان الغرب الأوروبي يقتسم بلاد العالم الثالث فيما بينما كحق له كاقتسام الكعكة بين الأقوياء، فقد انتهى الدور الأوروبي ولم تقبل أمريكا إلا بالقطبية الوحيدة، فظهر ما يسمى بالعولمة، والتي أخذت الشكل الاقتصادي في البداية، لتمتد للهيمنة الثقافية مما هدد الهوية والقومية في العالم كله بالخطر، لقد استطاعت أمريكا بالقوة الناعمة والخشنة مجتمعتين أن تسيطر على الخليج العربي بشكل كبير بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر؛ فهي تقاتل العرب بجنود عرب، وتدفع بالسلاح في الجانبية كي لا يتوقف سوقه، وأنه طالما بقي الخلاف والنزاع فإن مصالحها باقية في المنطقة، وجعلت من اسرائيل حارساً وضامناً لاستمرار تلك المصالح، فهي تبدع في صنع القلاقل والحروب والنزاعات، بل وحركات الإرهاب التي يأخذونها مبرراً لبقائهم بحجة حماية عروش من أتوا بهم، لقد تحولت العولمة لنظام عالمي جديد، هو نظام استعماري دموي يأخذ من القوانين الدولية ستاراً له، ويحتمي بتلك المنظمات التي صنعها على يديه لتخدم هيمنته وإرادته وسياساته الوحشية تجاه المستضعفين في الأرض، لقد تضافر الكتاب والمفكرون الأمريكيون لترسيخ مبدأ البقاء لأمريكا وحدها، وأن نهاية التاريخ والأحداث ستتوقف عند ذلك المشهد، وأن على العالم أن يقبل الوضع الحالي ويتعامل معه كأمر واقع.

لقد استطاع الغرب أن يصل لذروة العلم، وذروة الهيمنة، لكنه وضع العالم على حافة الهاوية بمنتجاته المخيفة وتنافسه في مجال إنتاجها، في غياب ميزان العدل والرحمة وكافة المعاني الإنسانية المتفق عليها في الأعراف الدولية والأديان السماوية، لقد صار الإنسان في خطر على عقيدته وماله ونفسه ومستقبل أبنائه، لقد عجز الغرب بعنصريته أن يبني منظمة إنسانية مجردة تحمي الإنسان لمجرد كونه إنساناً ، وتحمي حقوقه في الحرية والاعتقاد والتملك والاستفادة من مقدرات بلاده، تحمي العدالة العالمية وتساوي بين البشر، لكنه فشل في ذلك حتى صار هو القاضي والجلاد، فهل تستمر تلك الحضارة بنفس قوتها؟ وبنفس حجم الشر الذي تحمله تجاه الإنسانية؟ إن السنن الربانية التي وضعها الخالق لتسيير ملكه تنفي ذلك الاستمرار، ولقد وجب على تلك الحضارة الغائبة أن تعود.

لقد استطاع الغرب أن يصل لذروة العلم، وذروة الهيمنة، لكنه وضع العالم على حافة الهاوية بمنتجاته المخيفة وتنافسه في مجال إنتاجها، في غياب ميزان العدل والرحمة وكافة المعاني الإنسانية المتفق عليها في الأعراف الدولية والأديان السماوية

النموذج الحضاري الإسلامي وسنة التدافع

بداية... لقد حذر الله -عز وجل- من هيمنة الآخر على المشروع الإسلامي السماوي باعتباره المشروع الحضاري المتكامل والذي يضمن للإنسان السعادة والأمان والعدالة والريادة بموجب جملة التعاليم الشاملة به، فيقول جل وعلا في سورة التوبة: {كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً} [التوبة: 8] فالظهور بمعنى الرفعة والعلو، وحين يتحكم الظالم في رقاب المستضعفين فليس لهم عنده سوى الرق والعبودية والاستبداد والظلم والقتل أيضاً، وقد وضع الله -عز وجل- أسس العلاقات بين البشر، وبين الدول، وبين المسلمين وغيرهم، ويضع إطارا لتلك العلاقة، ويعترف كذلك بطبيعة الاختلاف، فيقول: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} [هود: 118] ويقول: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13] فالحديث للناس -كل الناس- وليس فقط للمؤمنين والتابعين لهذا الدين، والاختلاف طبيعي ومعترف به في شريعة المسلمين، ولا يستدعي العداء، والحضارة الإسلامية في جانبها التطبيقي لم تشهد إلا فتوحات لتحرير الخلق من سلطة الملوك الظالمين، ومنهم من دخلوا في الإسلام أفواجا مختارين، وما كانت توسعات الدولة المسلمة إلا لرفع الظلم وتبليغ كلمة الله ونشر قيم العدالة والرحمة لتشمل كافة البشر طالما لم تمتد يدهم بعدوان على الدولة المؤمنة، ولأن عدالة الله مطلقة فإن البقاء لمن يبذل أسباب التدافع كاملة؛ فالدولة المؤمنة إذا اعوجت عن منهجها فقد استوجبت الاستبدال ولو أقامت الصلاة وصامت الدهر؛ فإقامة الدول لها قوانين للبقاء تتصل بالناس مثل العدل، وليس بالحالة الشخصية للقائم عليها، ولولا تلك السنن لفسدت الأرض، وضاعت القيم وسادت شريعة الغاب؛ فدولة الحق يلزمها القوة لكي تبقي، ودولة العدل تلزمها الرحمة كي تبقي، ودولة العقيدة يلزمها العمل كي تبقي، فنظرة الإسلام إلى الحضارات إذن ليست نظرة صراع وجودي، وإنما نظرة تدافع لنصرة القيم النبيلة، ونصرة الإنسان، ونصرة الحق أينما كان ولو كان في الجهة الأخرى من التدافع.

إننا نستطيع أن نقول الآن إن العالم في حاجة إلى قيمة كبرى تمحو عار الاستبداد والظلم المستشري فيه ، قيمة لا تقل عن الإسلام ليعيد إليه القدرة على البقاء والاستمرار، وترعى المظلومين والمنتهكين فيه، وتعيد الحقوق المغتصبة لأصحابها، وتعيد الأمة إلى سبيل الصواب عبر كلمة "اقرأ" و "قل سيروا في الأرض" و "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة" وليس معنى أنه يحتاج للإسلام أنه سيفرض عليه فرضاً، وإنما يجب ان يقوم عليه أمة من الناس ليدعوا إليه، ويقوموا الناس إليه، ويكشفوا تلك القشرة الهشة المشوهة والتي تسبب فيها أتباعه حين تركوا الاحتكام إليه والعمل وفقه آلياته، إن سنة التدافع في الإسلام لا تعني القضاء على الآخر، وإنما المسؤولية تجاه ذلك الآخر  وفي هذا يقول الله عز وجل: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصّلت: 34]، إنه لا بديل اليوم عن الدفع الحضاري الذي يضمن حماية البشرية، ولا بديل عن نهضة حضارية إسلامية كواجب إنساني تجاه الإنسانية، ولا بديل عن التحرر من قيود الذات، والتقاليد، والموروثات، والخضوع للمصدر الأساسي للتنوير -وهو كتاب الله- وإلا فالبشرية في خطر عظيم.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة مصرية، مهتمة بالشأن الإسلامي العام، حاصلة على بكالوريوس إعلام من جامعة القاهرة، وكاتبة في العديد من الصحف والمواقع الإلكترونية، لها العديد من المؤلفات المنشورة، مثل: المنهاج في الدروس المسجدية للنساء، معالم على طريق التمكين الحضاري، وأبجديات الثورة الحضارية وغيرها.

شاهد أيضاً

الإسلام وفن إدارة الأزمات

لا تخلو حياة الأمم والشعوب من الأزمات والمحن المتوالية التي تتكرر على مدى السنوات، تتوقف …