الشكر عند السرّاء.. حقيقته وواقع الإسلاميين

الرئيسية » بصائر الفكر » الشكر عند السرّاء.. حقيقته وواقع الإسلاميين
533

تمر على الفرد المؤمن -كما الجماعة المؤمنة- أحداث وأحوال تسرّه وتضرّه، تفرحه وتحزنه، تؤمّله وتحبطه، تنشّطه وتقعده، ولكن العجيب في هذه الأحوال؛ أن المؤمن يظفر بالخير فيها كلها.. وذلك ما رواه الإمام مسلم وغيره من حديث صهيب الرومي رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عجباً لأمر المؤمن؛ إن أمره كلَّه خيرٌ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إنْ أصابته سرّاء شكر فكان خيراً له، وإنْ أصابته ضرّاء صبر فكان خيراً له".

والمقصود بالمؤمن هنا؛ هو ذاك الذي يدفعه إيمانه إلى التعامل مع الأحداث بإيجابية، أي بما ينبغي أن يكون عليه المؤمن في أحواله جميعها، وليس هو ضعيف الإيمان الذي يرى الخير في السرّاء التي تصيبه، ويرصد الشرّ في الضرّاء التي تقع عليه.. وقد يُفهم الحديث من جهة أخرى؛ وهو أن أمر المؤمن كله خيرٌ له إنْ أراد هو ذلك، فالخير متعلق بإرادته التي تدفعه للشكر والصبر، فإذا شكر عند السرّاء حظي بالخير، وإذا صبر عند الضرّاء حظي به أيضاً.

فالخير والشر الحقيقيان ليسا كامنين في السرّاء والضرّاء ابتداءً، فإذا وقع للعبد ما يسرّه ويُفرحه؛ فلا يجزمنّ بأن الله تعالى أراد به خيراً، ولا يغترّن بنفسه مفسراً ما أصابه من السرّاء بأنه مكافأة من الله له على بعض أعماله الصالحة ، وإنما الواجب أن يفزع إلى شكر خالقه على ما أصابه، فإذا وُفِّق لهذا الشكر؛ تيقّن أن الله أراد به الخير بسوق ما يسرّه كي يشكره.

وإذا شكر العبد ربه؛ شعر بالطمأنينة والسرور، وبذلك يغدو الشكر سرّاء جديدة تحتاج إلى شكر جديد للمنعم سبحانه.. وهكذا يبقى المؤمن متقلباً في نعمة الله تعالى وتوفيقه على الدوام؛ بين سرور يدفعه للشكر، وشكر يُشعره بالسرور.

ومن وطّن نفسه وأشغلها بالشكر عند السرّاء، والصبر عند الضرّاء؛ فلن يغيّره إقبال الدنيا ولا إدبارها، فغايته إلى الخير متجهة، وفكره بالشكر منشغل، لا يهتم لسواه، ولا يحيد عنه.

من وطّن نفسه وأشغلها بالشكر عند السرّاء، والصبر عند الضرّاء؛ فلن يغيّره إقبال الدنيا ولا إدبارها، فغايته إلى الخير متجهة، وفكره بالشكر منشغل، لا يهتم لسواه، ولا يحيد عنه

وهذا لا ينافي أن يتمنى المرءُ البسط في الرزق، والسعة في المال؛ فضلا عن أن يسعى إلى تحصيلهما، فهذا شيء، وتأثره السلبي بضيق الرزق وتخلف السرّاء شيء آخر، فهذا الأخير هو المذموم الذي يشي بضعف إيمانه وصلته بربه سبحانه وتعالى.

والشكر ليس كلمات يتمتم بها المرء بلسانه وحسب، وإنما هي أفعال تصدق الأقوال، فإذا شكر بلسانه؛ انعكس ذلك على جوارحه.. ألم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، فإذا ما رحمته عائشة رضي الله عنها متسائلة: لمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ أجابها بقوله: "أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً؟".

ولهذا فإن الشاكرين قليلون بالنسبة إلى مجموع الخلق.. اقرأ ذلك في قوله تعالى: {اعملوا آل داود شكراً وقليلٌ من عبادي الشكور} [سبأ: 13].

قال ابن كثير في تفسيره: "أي: وقلنا لهم اعملوا شكرا على ما أنعم به عليكم في الدنيا والدين.

و(شكراً): مصدر من غير الفعل، أو أنه مفعول له، وعلى التقديرين فيه دلالة على أن الشكر يكون بالفعل، كما يكون بالقول وبالنية، كما قال:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا

قال أبو عبدالرحمن الحبلي: الصلاة شكر، والصيام شكر، وكل خير تعمله لله شكر، وأفضل الشكر الحمد. رواه ابن جرير.

وروى هو وابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب القرظي قال: الشكر تقوى الله والعمل الصالح.

وهذا يقال لمن هو متلبس بالفعل، وقد كان آل داود عليه السلام كذلك قائمين بشكر الله قولاً وعملاً"...

وقوله: (وقليلٌ من عبادي الشكور) إخبار عن الواقع".

قلت: وهذا الواقع ما رأينا غيره مذ أدركنا مسالك الخلق في زماننا وحتى اليوم!

وهنا تنبيه مهم جداً، وهو أن كثيراً من الناس يحصرون "العمل الصالح" الذي يشكر به الإنسان ربه؛ بالصلاة والصيام والصدقة وغيرها من العبادات الاعتيادية، ويغفلون عن أن كل عمل مباح يتحول بالنية الصالحة إلى عمل صالح، ويهملون الأعمال المتعلقة بسياسة الأمة، وإصلاح أحوالها، وكشف مخططات أعدائها، وتحضيرها للمعارك الحتمية بين جند الحق وجموع الباطل.

كثير من الناس يحصرون "العمل الصالح" بالصلاة والصيام والصدقة وغيرها من العبادات الاعتيادية، ويهملون الأعمال المتعلقة بسياسة الأمة، وإصلاح أحوالها، وكشف مخططات أعدائها، وتحضيرها للمعارك الحتمية بين جند الحق وجموع الباطل

خذ مثلاً ما جرى في مصر إبان ثورات الربيع العربي، حيث هيأ الله تعالى للجماعات الإسلامية فرصة التغيير والتمكين، وما إنْ خلعت الجماهير الرئيس الجاثم على صدرها منذ 30 سنة؛ واتجهت البلاد إلى اختيار رئيسها بحرية، حتى بدأت خلافات الإسلاميين تطفو على السطح، فانقسموا بين مؤيد لمحمد مرسي وعبدالمنعم أبو الفتوح، وكلاهما إسلاميان، ثم ساقهم القدر إلى الاجتماع على مرسي في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، فإذا ما فاز مرسي وهدأت الأجواء؛ عادت الخلافات تطفو من جديد، واستغلتها الأذرع الإعلامية لعملاء الخارج أيما استغلال.. كل ذلك في غفلة من أكثرية الإسلاميين عن مخططات الدولة العميقة المتمثلة بالعسكر ورجال أعماله، حتى وصلنا إلى الانقلاب وما تبعه من ضربة قاسية للمشروع الإسلامي برمته.

والسؤال المهم هو: هل ما فعله الإسلاميون عملٌ صالح؟ لماذا يتفرقون والأعداء عليهم متفقون؟ ولماذا يغفلون عن مخططات أعدائهم الذين يكيدون لهم ولإسلامهم؟ وما الذي يحول بينهم وبين ممارسة العمل السياسي بوعي ومعرفة وفراسة؟.. لماذا في كل مرة يُخدعون من أرذل الخلق وأخسهم طبعاً وانتماءً؟ ولماذا يفشلون في استغلال الأحداث لصالحهم، في الوقت الذي يُحسن أعداؤهم معرفة من أين تؤكل الكتف؟

إن أعظم سرّاء أنعم الله تعالى بها على المؤمن هي هذا الإيمان الذي امتزج بقلبه، وظهر على جوارحه في سجوده وركوعه.. وهذه السرّاء تستوجب الشكر، والشكر يستوجب القيام بالأعمال الصالحة، التي من أعلاها شأناً أن نحافظ على دين الأمة وإيمانها سليماً من مكائد الأعداء ، وهذا يستوجب أن تكون الجماعات الإسلامية التي حملت على عاتقها أمانة الإصلاح والتغيير على قدر المسؤولية؛ التي تقرر أن الاعتصام عمل صالح، والوعي عمل صالح، والدراسات الاستراتيجية عمل صالح، والسياسة العليمة الحكيمة عمل صالح، والجهاد الراشد عمل صالح.. وهكذا كل عمل يحافظ على الدعوة الإسلامية ورسالتها وثبات أتباعها، ويسير بها إلى النصر والتمكين.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب وصحفي في جريدة "السبيل" الأردنية، باحث في شؤون الحركات الإسلامية.

شاهد أيضاً

الاستقرار والحَضَر واشتراطات التحقُّق الحضاري في التصوُّر الإسلامي

من بين أهم الأمور التي ينبغي لنا أن ندركها كمسلمين، هي أن الإسلام دينٌ شامل، …