عشرة أدعية قرآنية لصلاح الذرية (2-2)

الرئيسية » بصائر تربوية » عشرة أدعية قرآنية لصلاح الذرية (2-2)
doaa

دار حديثنا في الحلقة السابقة من هذا الموضوع عن معاني ودروس وعبر من خمسة من الأدعية القرآنية التي وردت بشأن صلاح الذرية، وفي حلقتنا هذه نستكمل الحديث عما تبقى من الأدعية بإذن الله تعالى.

6. قال تعالى: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ} [إبراهيم: 40].

يتوجه نبي الله إبراهيم بالدعاء لله تعالى لنفسه ولذريته أن يجعلهم جميعاً من مُقيمي الصلاة؛ ليقينه -عليه السلام- أن الصلاة هي الصلة بين العبد وربه، وأنها معراج المؤمن، فمن أقامها -كما أمر الله تعالى وكما يُحب ويرضى- فإنها تحفظ صاحبها، وتنهاه عن الفحشاء والمنكر، وأي فضل يناله المرء وتناله ذريته أسمى وأعظم من ذلك! وقوله: {رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء} فهو كقولنا (آمين) أو كقولنا (اللهم استجب).

7. قال تعالى: {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً} [مريم: 5-6]

جاء هذا الدعاء على لسان نبي الله زكريا -عليه السلام- ومن يتدبر الدعاء يلاحظ أنه مع قصر الدعاء إلا أن نبي الله زكريا -عليه السلام- لم يترك من المحامد شيئاً إلا ذكرها.
• حين طلب نبي الله زكريا -عليه السلام- من ربه أن يرزقه الولد طلبه ذكراً.
• وطلب له الصلاح "ولياً"
• وطلب له الاصطفاء وطول العمر؛ ليرث عنه العلم والحبرة والنبوة "يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ"
• وطلب أن يكون "رَضِيّاً" أي: مرضياً عند الله وعند خلقه.
• كل ذلك لعلمه - عليه السلام - أن مراده على الله هيِّن.

8. قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} [الفرقان: 74].

إن عباد الرحمن يكون شغلهم الشاغل هو أن يُصلح الله تعالى لهم أزواجهم وذرياتهم؛ لكي تقر أعينهم ويستغنون بهم عن سواهم من الأزواج والذرية ، وذلك في الإيمان والتقوى والخلق والجمال والأدب وكل الصفات الحميدة التي يرجوها العبد.

• إن المؤمن لا يجب عليه أن يستغرق في الدعاء وينسى حظ نفسه منه، لذلك جاء في نهاية الآية "وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً" أي اجعلنا وإياهم هُداة مهديين وهذا من حُسْن ظن المسلم بربه كما قال النبي ﷺ: "وإذا سَأَلتُم اللهَ فاسأَلوه الفِردَوسَ".

إن المؤمن لا يجب عليه أن يستغرق في الدعاء وينسى حظ نفسه منه

• إن المسلم الذي يواظب على هذا الدعاء ويرجو القبول عليه أن يوفر في نفسه عوامل الاستجابة من أعمال صالحات، وبُعد عن الذنوب والسيئات، بل ويحرص على أن يغرس ذلك كله في كل من يشملهم الدعاء.

• قال الأزهري: "معنى قرة الأعين: أن يُصادف قلبه من يرضاه، فتقر عينه به عن النظر إلى غيره".

• يقول الإمام القرطبي رحمه الله: "وذلك أن الإنسان إذا بورك له في ماله وولده قرت عينه بأهله وعياله، حتى إذا كانت عنده زوجة اجتمعت له فيها أمانيه من جمال وعفة ونظر وحوطة، أو كانت عنده ذرية محافظون على الطاعة، معاونون له على وظائف الدين والدنيا، لم يلتفت إلى زوج أحد ولا إلى ولده، فتسكن عينه عن الملاحظة، ولا تمتد عينه إلى ما ترى؛ فذلك حين قرة العين وسكون النفس".

• إن من يتدبر الآية يجد أن لفظة "لنا" يعود على الداعين وهم (عباد الرحمن) مما يفيد أن صلاح الأزواج والذرية يعود على عباد الرحمن بانشراح الصدر وراحة البال وهدوء الحال وقرة العين، فترى الجميع يُقبلون على الطاعة إقبالاً وينهلون من العبادة نهلاً، فتتحقق لهم بذلك الإمامة التي يتوقون إليها، وكل ذلك يعود نفعه عليهم وعلى المجتمع بأكمله.

• ومن يتدبر الآية كذلك يجد أن عباد الرحمن لم يطلبوا لأنفسهم ولا لأهليهم شيئاً من حطام الدنيا وزينتها، ولكنهم طلبوا الصلاح والتقوى وهما خير وأبقى.

صلاح الأزواج والذرية يعود على عباد الرحمن بانشراح الصدر وراحة البال وهدوء الحال وقرة العين، فترى الجميع يُقبلون على الطاعة إقبالاً وينهلون من العبادة نهلاً، فتتحقق لهم بذلك الإمامة التي يتوقون إليها، وكل ذلك يعود نفعه عليهم وعلى المجتمع بأكمله

9. قال تعالى: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ} [الصافات: 99-101].

عندما رأى نبي الله إبراهيم ما رأى من قومه ولم ير فيهم خيراً، دعا ربه أن يهبه غلاماً صالحاً يعوضه خيراً في حياته ويكون امتداداً لرسالته بعد مماته.

• من يتدبر الآية يجد أن دعاء نبي الله إبراهيم تبعته (فاء السرعة) أو (فاء الاستجابة) وذلك في قوله تعالى: "فَبَشَّرْنَاهُ" وترد (فاء السرعة) أكثر ما ترد في مواضع الدعاء، ومواضع إنزال العقاب بالظالمين والكافرين والمكذبين.

10. قال تعالى: {قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الأحقاف: 15]

• عندما يصل المسلم سن الأربعين -الذي هو سن كمال النضج العقلي والبدني- تتضح له الأمور وتتكشف له الرؤى ويعلم أنه لم يتبق له في الدنيا قدر ما مضى منها، فيتوجه إلى ربه أن يٌتم عليه النعمة بصلاح الذرية وحسن الخاتمة؛ ليقينه أن صلاح الذرية سيعود عليه بالنفع في دنياه وآخرته ولذلك جاء الدعاء بلفظ "وَأَصْلِحْ لِي".

• قال مالك بن مغول: "اشتكى أبو معشر ابنه إلى طلحة بن مصرف، فقال: استعن عليه بهذه الآية".

الدروس والعبر التي نستخلصها من الأدعية السابقة

1. الحرص على تعليم الأبناء الصلاة من الصغر، وأن يكون الوالد قدوة لأبنائه في ذلك؛ لكي تتأصل الصلاة فيهم، بل ويُعرفوا أنهم من مقيمي الصلاة، كما يحب ربنا ويرضى، وذلك لقول نبي الله إبراهيم - عليه السلام: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي}.

2. في دعاء نبي الله زكريا الذي ورد في (سورة آل عمران) طلب من ربه "ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً" وفي دعائه الذي ورد في (سورة مريم) نجده يطلب "وَلِيّاً" ويطلب من ربه أن يجعله "رَضِيّاً" وكأنه يبين لنا مراده بقوله "ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً".

3. الانشغال بصلاح الأهل والذرية من أصل الدين، ومن شيم الصالحين، كي لا يبقى في حياة المسلم ما يُعكر صفو حياته، وليجد لنفسه على الخير أعواناً ، فيتفرغ لعبادة ربه، وليكون هو وأهله وذريته للحق دُعاة وهُداة، وذلك لقوله تعالى: "رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً".

4. إن من يطرق باب الله تعالى مُخلصاً مُوقناً مُحسناً به الظن، حاشاه - سبحانه - أن يخذله.

وإن نبي الله إبراهيم - عليه السلام - حين قال: "إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي" ألحق بها قوله: "سَيَهْدِينِ" لذلك بعد أن طلب من ربه الذرية الصالحة بشره ربه باستجابة الدعاء بقوله تعالى: "فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ"، والحِلم من الصفات التي تحمل في طياتها كل الخصال الطيبة مثل الصبر، وسعة الصدر، والحكمة، والتؤدة، والعفو، إلى غير ذلك من شيم الكرام الصالحين.

5. إن صلاح الذرية من أكبر النعم التي تستوجب شكر المنعم - سبحانه وتعالى - وعندما تتحقق هذه النعمة للعبد يشعر وكأنه قد حيزت له الدنيا بحذافيرها، فيجد نفسه مُقبلاً على التوبة ليجدد إيمانه ليحفظ الله عليه النعمة.

إن من يطرق باب الله تعالى مُخلصاً مُوقناً مُحسناً به الظن، حاشاه - سبحانه - أن يخذله

همسة في أذن الآباء

إن من يتدبر كل ما سبق من أدعية قرآنية، يجد أنها قد دارت حول طلب حفظ الأهل والذرية وصلاحهم وهدايتهم وثباتهم على ذلك، بل وتوريث كل ذلك لمن بعدهم، فلم نجد في أي من هذه الأدعية طلباً واحداً لجاه ولا سلطان؛ لأن من أوتي الصلاح والتقوى فقد أوتي خيراً كثيراً، ورفعه صلاحه وتقواه فوق أهل الجاه والسلطان .

همستي في أذن الآباء - بعد كل ما سبق - تتلخص في أمرين مهمين:

الأول/ احرص على أن تٌسمع ولدك جزءا من دعائك له؛ فإن ذلك أحرى أن يشرح صدره، ويعلم بذلك مدى حبك له، ويشجعه على أن يكون أهلا لدعائك له .

الثاني/ احذر - كل الحذر - من أن يستذلك الشيطان، ويجعلك تدعو على ولدك مهما بلغ الأمر.

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي ﷺ قال: "ثلاثُ دعواتٍ مستجاباتٍ لا شكَّ فيهنَّ: دعوةُ المظلومِ ودعوةُ المسافرِ ودعوةُ الوالدِ على ولدِه" [صحيح ابن حبان]، وجاء رجل إلى عبد الله بن المبارك يشكو عقوق ولده، فقال له ابن المبارك: أكنت تدعو عليه؟ قال: نعم، قال: أنت أفسدته، وقد روي أن الفضيل بن عياض كان يدعو الله لولده، ويقول: "اللهم إني اجتهدت في تربية ابني علي فلم أقدر، فربه أنت لي" فكان ابنه من أفضل الناس، وأعبدهم، وأخوفهم من ربه سبحانه.

وختاماً أقول:

إن العلاقة وثيقة بين صلاح الآباء وصلاح الذرية، والاستثناء في ذلك بسيط - يكاد لا يُذكر - لحكمة يريدها الله تعالى، لذلك فعلى كل من يريدون لذريتهم الصلاح فليبدؤوا بأنفسهم أولاً.

قال تعالى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً} [النساء: 9] وجاء في "الحلية" لأبي نعيم أن سعيد بن جبير - رحمه الله - قال: "إني لأزيد في صلاتي لولدي"، ويقول الشاعر اليمني عبد الرحيم البرعي:

مَتى يَستَقيم الظل وَالعود أَعوج * وَهَل ذهبٌ صِرف يساويه بهرجُ
ومن رام إخراج الزَكاة وَلَم يجد * نِصاباً يزكِّيه فمن أَينَ يُخرِجُ

رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاما

 

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

شاهد أيضاً

كيف تدير شؤون حياتك… مفاهيم ونصائح استراتيجية!

حياة الإنسان معادلات صعبة، وقد يستحيل في بعض الأحيان التوفيق فيما بينها، إلا أنه من …