في ذكراه الثانية: ومضات وشذرات من حياة الأستاذ فؤاد الهجرسي رحمه الله

الرئيسية » بأقلامكم » في ذكراه الثانية: ومضات وشذرات من حياة الأستاذ فؤاد الهجرسي رحمه الله
55

ولد الأستاذ فؤاد الهجرسي -رحمه الله- بقرية ميت رومي التابعة لمركز دكرنس بالدقهلية - مصر، وذلك يوم الأحد الموافق الخامس من أكتوبر عام 1930م، وتوفي بمدينة المنصورة يوم الجمعة الموافق 22 ديسمبر عام 2017م، عن عمر 87 عاماً.

رحل الأستاذ فؤاد رحمه الله فبكته السماء والأرض وبكاه الصالحون.

ولما لا تبكيه السماء وعمله الصالح كان يُرفع إليها بفضل الله تعالى وتوفيقه ثم بفضل إخلاصه وورعه وتقواه.

ولما لا تبكيه الأرض وهو رغم سنه وكهولته كان يقطع الأميال والمسافات الطوال ويُغبر قدميه في سبيل الله دون كلل ولا ملل.

ولما لا يبكيه الصالحون وقد تتلمذوا على يديه فكان لهم خير الوالد وخير المعلم وخير الرفيق والصديق.

رحل الرجل الرباني الذي رزقه الله تعالى فصاحة اللسان، وجمال المنطق والبيان، ووقار الهيئة، ورجاحة العقل، وشدة الإنصاف من نفسه والتسامح والبذل لغيره.

رحل من جمع الله حوله القلوب لشدة ورعه، ولهدوء طبعه، ولطول صمته، ولبشاشة وجهه، ولحفظه للأسرار والأمانات، ولكتمانه لحاله مع ربه.

رحل من كان معروفاً بتميزه التربوي، ومعروفاً ببث روح الأمل والتفاؤل في نفوس إخوانه والتأليف بين قلوبهم وتفقد أحوالهم وعدم نسيان حوائجهم.

رحل ولكن عزاؤنا أنه ورَّث العلم النافع والفهم الصحيح والخلق الرفيع.

وعزاؤنا أنه ربى رجالاً كالجبال الشُّم الرواسي لا تفتر لهم عزيمة ولا تلين لهم قناة ولا يخافون في الله لومة لائم.

وعزاؤنا أننا نحسبه من الصالحين ولا نزكي على الله أحداً.

ومضات وشذرات

إن ما سأرويه هنا عبارة عن مواقف اجتماعية وتربوية من الحياة الحافلة للأستاذ رحمه الله والغرض من سردها هو أن نستلهم منها العبر، وننهل من عبقها لتستقيم حياتنا بها كما استقامت حياته رحمه الله.

1- كان للأستاذ فؤاد الهجرسي رحمه الله ابنة وحيدة تعمل بالتدريس ولم يكن لديه غيرها حيث توفي أبناؤه في الصغر فأشار عليه البعض أن يكتب ميراثه كاملاً لابنته الوحيدة هذه حتى لا يقاسمها أحد من الأهل في الميراث فرفض -رحمه الله- رفضاً شديداً وقال : " لئن يُغني الله تعالى ابنتي من فضله أفضل من أن ألقى الله بمعصية وأترك لها معصية" وبالفعل ظل على هذا العهد إلى أن توفاه الله وتم توزيع التركة على الورثة الشرعيين.

2- في يوم من الأيام أخذ أحد المصلين في التطاول على الإخوان بالسب والشتم وخاصة من يتقدمون منهم للإمامة في الصلاة في هذا المسجد فما كان من أحد أقارب الأستاذ إلا أن تصدى لهذا الرجل وبادله السب والشتم وما كان من الأستاذ إلا أن عاتب قريبه هذا وقال له: "ما هكذا يُعالج المريض" وذكَّره بقوله تعالى: "ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ {125}" (النحل: 125)، وبهذا التصرف من الأستاذ رحمه الله علم كل الحضور وأغلق باباً من أبواب الفتنة التي لا تبقي ولا تذر.

3- يروي أحد أفراد عائلة الأستاذ فؤاد رحمه الله فيقول: " قابل الأستاذ أحد فقراء القرية وقام بإعطائه مبلغاً من المال على أنه صدقه وعندما لاحظ الأستاذ أني رأيت الموقف بادرني قائلاً: "هذا المبلغ كان له في ذمتي من فترة وكنت أسدده له" وقريبه هذا يُجزم أن الأستاذ إنما قال ذلك حرصاً منه على أن تكون صدقته سرِّية.

4- يقول أحد تلاميذ الأستاذ: "دارت مناقشة بيني وبين مجموعة من الأخوة تخص أمر دعوي حدث فيه تقصير بالغ من بعض الحضور وغضبت غضباً شديداً وتحدثت بحدة بالغة مع المُقصرين وكان كل ذلك في حضور الأستاذ فؤاد الهجرسي رحمه الله الذي حرص على تقريب وجهات النظر وتطييب خاطر الجميع، وبعد أيام التقيت بالأستاذ في صلاة العشاء فطلب مني أن أصحبه الى منزله، يقول: دار في ذهني أنه رحمه الله سيعاتبني لأنى تحدثت مع إخواني بغضب شديد أثناء اللقاء، وما إن وصلنا الى المنزل حتى قام وخلع جلبابه الأبيض وظل بالبنطلون الأبيض و"فانلة" بيضاء بها بعض الثقوب ودخل الى المطبخ الصغير وصنع لي واجب الضيافة وأحضره أمامي وسكت، ومرت لحظات من الصمت توقعت بعدها أنى سأسمع حكم ومواعظ ودروس ولكنه فاجأني بقوله: (الحياة بسيطة قوى زي ما انت شايف واحنا كلنا شغالين عند ربنا، مش كده؟) ، فلم أرد ومرت لحظات صمت أخرى كنت فيها قد انتهيت من تناول واجب الضيافة، بعدها قال لي (قوم روَّح واشوفك بكره) فألقيت عليه السلام وخرجت ونزلت على السلالم الضيقة في جو من العتمة وصدى كلماته ترن في أذني (كلنا شغالين عند ربنا .. كلنا شغالين عند ربنا)، وبعدها تغير حالي مع إخواني ولم أغضب منهم أبداً.

5- تروي والدة الشهيد عبدالرحمن طه - شهيد فض رابعة الذي استشهد يوم الفض وهو في الصف الثاني الثانوي- فتقول: "كان ابنى الشهيد عبد الرحمن طه مشتركا في مسابقة للإلقاء والشعر على مستوى الجمهورية وكان يحتاج لمن يراجع معه النحو وضبط تشكيل الأبيات الشعرية كي يلقيها بطريقة صحيحة فكان يذهب إلى الحاج فؤاد مرة كل أسبوع ليراجع معه القصائد نحوياً، وبعد أن حصل الشهيد عبد الرحمن على المركز الأول على مستوى الجمهورية في الإلقاء والشعر استأذن جده الحاج فؤاد في أن يذهب إليه مرة كل أسبوع يأخذ كتاباً من مكتبه الحاج فؤاد يقرؤه ويعيده إلى الحاج ويناقشه فيه صفحة صفحة ثم يأخذ كتاباً آخر ... وهكذا حتى قرأ الشهيد عبد الرحمن الكثير من مكتبة الحاج فؤاد وبعدها اشترك الشهيد في مسابقة فرسان القراءة وتم تصعيده من مستوى الإدارة إلى مستوى أول محافظة ثم فاز بالمستوى الأول على مستوى الجمهورية فما كان من الحاج فؤاد رحمه الله إلا أن قام بإهداء الشهيد عبد الرحمن الأجندات التي كتبها بخط يده وكتب فيها دروسه ومحاضراته. رحم الله أستاذنا ومعلمنا الفاضل الحاج فؤاد وجزاه الله عنا خير الجزاء.

6- يروي أحد مُحبي الأستاذ فؤاد فيقول: "كنت من المتبرعين لإحدى المدارس في مرحلة التأسيس ويوماً ما حدث خلاف بيني وبين إدارتها بسبب موقف حدث مع أحد ابنائي الملتحقين بها فخرجت غاضباً لأني شعرت أن هناك تقصيراً في حق ابني وأخذت أشكو للأستاذ ما حدث وهممت أن أذكر فضل تبرعي للمدرسة في مرحلة تأسيسها فضغط علي يدي ضغطة أخرست لساني وهزمت شيطاني وحفظت لي ثواب تبرعي وحسَّنت أخلاقي. ثم يضيف هذا الأخ قائلاً: "حدث ذلك ولم يكن معنا ثالث إلا الله تعالي".

7- ومن المواقف التي حدثت معي شخصياً أني في آخر اتصال لي بالأستاذ رحمه الله سألته عن صحته فقال لي كلمات ما زال صداها يدوي في أذني، قال: "الصحة الموجودة مقارنة بالسن تدل أنني في فضل كبير من الله ونعمة فأنا الآن في سن 87 من عمري وأتوضأ وأذهب للمسجد وأخدم نفسي".

* من أقوال الأستاذ فؤاد التي ورَّثها لتلاميذه ومُحبيه

1- إن الإنسان الذي كرَّمه الله بالعقل وحسن الصورة، لم يُخلق للدنيا وحدها لكن الدنيا خلقت له إنما هو فقد خلق لدار الخلود، وما هذه الدار إلا محطة لتتزود بما يفيد، وما هذه الدار إلا تهيئة واستعداد للقاء الكبير المتعال.

2- العبادة معاناة ومكابدة؛ لأنها قسر النفس على غير ما تهوى، والصلاة عند مرضى النفوس تضييع للوقت فهم لا يُصلّون، والصوم إضعاف للجسد فهم لا يصومون، والزكاة تقليل للمال فهم لا يزّكون وهكذا، لكن أصحاب الهمم القوية والفقه بالدين يقسرون نفوسهم على ما لا تهوى ويلوون عنانها إلى طاعة الله تعالى رجاء المزيد من الخيرات.

3- قيام الليل عمل جليل، مَن قام به وواظب عليه، استشرف أن يقبل الله منه الدعاء: "رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا" (الفرقان : من الآية: 65).

4- فاعل الخير بحاجة إلي تهيئة نفسية، أساسها دوام الصلة بالله تعالي, ويتمكن فاعل الخير من إتقان عمله، لأنه أتقن أداءه في عبادته لربه, ولما استطاع فاعل الخير إحسان التعامل مع ربه، استطاع تقديم الخير لخلق ربه.

5- قل لي بربك لو أن ناسًا من الناس تناسوا مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وظهر في حياتهم فساد يستشري وتوقف تبعًا لذلك قبول الدعاء، ماذا يكون الحال؟ أعتقد أنه يكون انقطاعًا بين أولئك العباد وربهم فلا صلة ولا استجابة ولا عطاء ولا نصرة".

6- وكان من وصايا الأستاذ رحمه الله لإخوانه "اقرأ كثيراً، ودوِّن أحسن ما تقرأ، واحفظ وأدرك كل ما تكتب".

اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده واغفر لنا وله

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

شاهد أيضاً

الإنسان الحضاري …. في سورة القلم

(ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) القلم.. وما يكتب القلم.. بذلك يقسم الله تبارك وتعالى في مطلع …