لا تجعل حاضرك مرآة لماضيك

الرئيسية » خواطر تربوية » لا تجعل حاضرك مرآة لماضيك
muslim66
4.80 / 5 (5 votes)

اقتضت المشيئة الإلهية أن يكون هذا الإنسان -المعروف بقوته وجبروته والذي غير معالم الأرض وتضاريسها- هشاً ضعيفاً، تتجاذبه شهواته، فيقع أسيراً لها على اختلافها وتنوعها، فتجده تارة يتحرر من واحدة ليقع بأخرى، وكيف لا يكون كذلك ومادة نشأته من تراب، فتجده يحن إلى أصله، وتجذبه العوالق الطينية لتنتفض في وجهها نفخة الروح القدسية فيه محاولة أن تحلق به بعيداً عن لوثات الأرض.

وسيظل الإنسان ما شاء الله له البقاء في هذه الحياة في حلبة الصراع بين أشواق روحه وشهوات جسده، فيخطئ حيناً ويتوب أحياناً يتمثل به قول الصادق المعصوم: "كل بن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون" [سنن الترمذي] فالحديث يوضح فلسفة الطبيعة البشرية التي تتخللها فترات وهن وضعف، وإذا عرف الإنسان فلسفة تكوينه وطبيعته قطع نصف الطريق، ليتابع نصفها الآخر بالذي يجب أن يكون عليه بعد هذا الضعف الذي عرقل خطواته وتأخر به عن الوصول.

ويحدث أن يُعلن العاصي توبته، فيعزم على التوبة والإقلاع عن الذنوب، لكن سرعان ما تزل قدمه ويضعف، أمام عنفوان غرائزه وشهواته، فتزل قدمه مرة أخرى، وتهوي إرادته أمام المغريات، فلا يقوى على الصمود، ليجد الشيطان بذلك كوة أو سبيلاً ينفذ منه لهذا التائب العاصي ويتسرب لنفسه وقلبه، فيبدأ ينصب له شركه وشباكه ويوقعه في مكائده، ويصور له أن توبته ما كانت إلا ضرباً من الزيف أو النفاق، ويبدأ بتيئيسه من صلاح حاله بعدم قبول توبته، فيزين له الاستسلام لضعفه والإقرار به وتلبية غرائزه خير من أن يعيش الصراع بين التوبة والمعصية.

وكثير ممن يجهل طبيعة نفسه كبشر يكون صيداً سهلاً بل ثميناً يقع في مكائد الشيطان إذ يتسلل لنفسه القنوط والإحباط، بل إن من أخطر العثرات التي تواجه المسلم، تيئيسه من رحمة الله وإيهامه بنفاقه، وخروجه من الإيمان، كلما نقض عهده مع الله بعد العودة للمعاصي أو كلما نكص بعد توبته وبالتالي يظن انغلاق باب التوبة في وجهه ، فما العاصم من هذه الحيل الشيطانية؟

العاصم والحصن المنيع من هذه الحيل والمكائد الشيطانية أن يعلم المسلم أنه لا علاج لمعصيته -أياً كانت- غير التوبة الصادقة؛ إذ لا حائل يقف بين العبد ورحمة ربه، وهذه حقيقة لا مراء فيها صدحت بها نصوص الشريعة من قرآن وسنة.
ومن الآيات على سبيل المثال لا الحصر، منادي الحق يخاطب الذين أسرفوا على أنفسهم: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر:53] فإسرافهم على أنفسهم لم يخرجهم من عبودية الله، وما أعذبه من خطاب "يا عبادي" أي أمل يفتحه أمام العاصي ليعود فيتطهر من ذنوبه ويتجاوز عن آثامه ويتخطاها بتجاوز الله عنه، وانظر لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران:135].

ومن الأحاديث الدالة على حقيقة أنّ علاج المعصية الأنجع هو التوبة، قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيما يحكيه عن ربه: "أذنب عبد ذنباً فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك" [صحيح مسلم] ومن أوضحها أيضاً على هذه الحقيقة: "إن الله -عز وجل- يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها" [صحيح مسلم].

فهذه النصوص قاطعة الدلالة على أن العبد ما دام يُتبع كل معصية توبة صادقة كان ذلك سبباً في عفو الله ومغفرته لذنوبه، فلا يأس، وباب الرجاء مشرع على مصراعيه ما دام العبد يتحرى الصدق في توبته فلا يجعلها غطاء يتجرأ بها على محارم الله.

باب الرجاء مشرع على مصراعيه ما دام العبد يتحرى الصدق في توبته فلا يجعلها غطاء يتجرأ بها على محارم الله

والذي يجب على المسلم أن يعرفه، بل يرسخ في صميم نفسه ويضعه نصب عينيه في تربية نفسه ومنازعته لشهواته وغرائزه وكمائن الشيطان:

1. أنه لم يُخلق معصوماً وإنما خُلقت به قابلية الخطأ والزلل، بدلالة قوله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم" [صحيح مسلم].

2. أن المعصية مرض عارض، والاستمرار فيه يؤدي إلى تفاقمه وتحوله من عارض إلى مزمن، فلا بد من الاغتسال والتطهر بالتوبة بعد كل ذنب ومعصية دون التهاون بقدر #التوبة وعظيم أثرها، فرُبّ ذنب تتبعه توبة صادقة فيدخل صاحبها الجنة، وفي حديث ابن القيم عن الذنب وآثاره: "أن الذنب قد يكون أنفع للعبد إذا اقترنت به التوبة من كثير من الطاعات" وهذا معنى قول بعض السلف: "قد يعمل العبد الذنب فيدخل به الجنة ويعمل الطاعة فيدخل بها النار، قالوا: وكيف ذلك؟ قال: يعمل الذنب فلا يزال نصبَ عينيه إن قام وإن قعد وإن مشى، ذكر ذنبه فيحدث له انكسارا وتوبة واستغفاراً وندماً فيكون ذلك سبب نجاته، ويعمل الحسنة فلا تزال نصب عينيه إن قام وإن قعد وإن مشى، كلما ذكرها أورثته عجبا وكبراً ومنة، فتكون سبب هلاكه، فيكون الذنب موجبا لترتب طاعات وحسنات ومعاملات قلبية من خوف الله والحياء منه" [مدارج السالكين].

3. أن لا يفسح المجال لمعاصيه وأخطائه من عرقلة مسيره وتثبيطه عن التوبة، بل عليه أن يعلم بأن التوبة من أفضل العبادات، إذ يقول في ذلك ابن القيم: "عبودية التوبة من أحب العبوديات إلى الله وأكرمها عليه، فإنه سبحانه يحب التوابين ولو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه، فلمحبته لتوبة عبده ابتلاه بالذنب الذي يوجب وقوع محبوبه من التوبة وزيادة محبته لعبده فإن للتائبين عنده محبة خاصة" [مدارج السالكين] بل إن الله -عز وجل- ليفرح بتوبة عبده، كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لله أفرح بتوبة العبد من رجل نزل منزلاً وبه مهلكة ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه فوضع رأسه فنام نومة فاستيقظ وقد ذهبت راحلته حتى اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله قال أرجع إلى مكاني فرجع فنام نومة ثم رفع رأسه فإذا راحلته عنده" [صحيح البخاري].

4. أن يتبع سيئاته -وإن عظمت- بحسنات، ويعمل على أن يكون يومه أفضل من أمسه وغده أفضل من حاضره، فلا يجعل حاضره صورة مكررة عن ماضيه أو مرآة تعكس ماضيه، وبالتالي تعكس حركة الماضي على حركته في الحاضر، فيجتهد في الطاعات ويتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة متحريا بذلك شرف الأوقات والأزمان .

ومن أكبر العوامل المساعدة على الرقي بالإنسان والنهوض به من مستنقع المعاصي إلى رحاب الطاعة: وقوفه على النصوص الشرعية فهماً وتدبراً وتفكراً، فيفهم مراد الله منه والحكمة من خلقه بهذه الهيئة وهذا التكوين، فصدور المعاصي منه ولزومه لباب التوبة إنما يحقق فيه صفة العبودية لله، فلا يغتر ويتيقن ضعفه وعجزه من دون معية الله ويخشى هلاكه من دون أن يشمله سيده بالرحمة والمغفرة، وعز جل شأنه إذ يقول: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الحجر:49]

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة حاصلة على الدكتوراة في العقيدة والفلسفة الإسلامية من جامعة العلوم الإسلامية العالمية في الأردن. و محاضرة في جامعة القدس المفتوحة في فلسطين. كتبت عدة مقالات في مجلة دواوين الإلكترونية، وفلسطين نت، وشاركت في المؤتمر الدولي السادس في جامعة النجاح الوطنية حول تعاطي المخدرات. مهتمة بالقضايا التربوية والفكرية، وتكتب في مجال الروحانيات والخواطر والقصة القصيرة.

شاهد أيضاً

عيد الأضحية وركن التضحية

في عيد الأضحى نتذكر التضحية في أسمى معانيها، إذ يُضحّي الناس بذبائحهم ليتذكروا بذلك قصة …