لماذا تغيظهم حركة حماس؟

الرئيسية » بصائر الفكر » لماذا تغيظهم حركة حماس؟
hamas32

في مثل هذا اليوم انطلقت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) كحركة مقاومة فلسطينية ضد الاحتلال الصهيوني الجاثم على أرضنا سنين عديدة، وسطرّت خلال ما يزيد عن ثلاثة عقود العديد من الصور البطولية والإنجازات التي ستظل خالدة في تاريخ أمتنا حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

لم يخطر على بال أحد عند انطلاقة الحركة، أنها ستكون مرعبة للكيان الصهيوني، وصخرة تتحطم عليها مؤامراته وعملياته العسكرية التي كان يتباهى بها سابقاً، كان آخرها ما كشف عنه في عملية حد السيف، وكيف أفشلت الجهود الصهيونية في اختراق شبكة الاتصالات الداخلية للحركة وجناحها العسكري.

ونظراً لكل ما قدمته الحركة من صور مشرقة وتضحيات مشرّفة، كان على رأسها استشهاد مؤسسها الشيخ أحمد ياسين رحمه الله والعديد من قادة الحركة وأبطالها، فإن هذا أكسب الحركة رصيداً شعبياً كبيراً ومنحهم الأمل بإعادة ولو جزء من عزة الأمة وهيبتها، وتحرير الأرض المباركة من دنس الصهاينة الغاصبين.

إلا أن النظام الرسمي الغربي والعربي -في عديد من الدول العربية- لا يتماشى مع إرادة الشعب -كحال العديد من القضايا- بل وسمحت بعض هذه الأنظمة لثلة من الانهزاميين والمرضى النفسيين بمهاجمة الحركة والانتقاص منها، والتنكر لتاريخها المشرّف خصوصاً في الأعوام الأخيرة، وما صاحبها من تغيرات على المشهد السياسي الإقليمي والدولي.

بداية لا أستغرب من معاداة النظام الرسمي الغربي للحركة، فهو وبحسب الكثير من مواطنيه يدور في فلك مصالحه، لا تحكمه مبادئ ولا قيم، فموقفه مرهون بالمكاسب التي سينالها، ولهذا طالما أن الكيان الصهيوني يجلب له العديد من المصالح الاقتصادية فإنه معه، ليس حباً به، وإنما حباً بتلك المنافع التي تبقيه في السلطة، وتنال ثقة الناخب المحلي. ولو كان هناك نظاماً إسلامياً قوياً يستخدم النفط على سبيل المثال كسلاح فعّال للضغط على مصالح تلك الدول والتأثير على مكتسباتها لتغير الموقف بالكلية!

لا أستغرب من معاداة النظام الرسمي الغربي للحركة، فهو وبحسب الكثير من مواطنيه يدور في فلك مصالحه، لا تحكمه مبادئ ولا قيم، فموقفه مرهون بالمكاسب التي سينالها

ولهذا لا أرى العداء الرسمي الغربي للحركة هو عداء ديني أو أيديولوجي، بقدر ما هو عداء مصالح ومكتسبات لا أكثر ، خصوصاً أن النظام الغربي هو ليس نظام ديني، بل هو نظام علماني ديمقراطي بعيد عن الأيدلوجيات والعقائد.

أما النظام العربي، فعداء الكثير منه للحركة يقوم على أسس وقواعد، يمكن أن نشير إلى بعضها والمتمثلة بالآتي:

1- استقلالية القرار: فالحركة أثبتت منذ انطلاقتها أنها لا تتبع لأحد، وليست في جيب أحد ، فهي تتخذ قراراتها وفق ما تقره اللوائح الداخلية فيها وليس بما يريده أصدقاؤها أو حلفاؤها -إن صح التعبير- وهو ما جعلها تحتفظ بعلاقات متوازنة مع جميع الأطراف العربية والإسلامية، فلم تعاد هذا البلد أو ذاك بسبب خلاف بين بلدين، وما زالت أيديها مفتوحة لكل من يريد العمل على دعم قضية شعبنا، واسترجاع حقوقه المسلوبة. وهذا يعني أن الحركة لا تمثل ورقة بيد أي أحد، كحال بعض التيارات الإسلامية أو غيرها في بعض البلدان، التي أنشئت لأجل هدف ما فإن تحقق الهدف اندثرت وباتت من التاريخ.

الحركة لا تمثل ورقة بيد أي أحد، كحال بعض التيارات الإسلامية أو غيرها في بعض البلدان، التي أنشئت لأجل هدف ما فإن تحقق الهدف اندثرت وباتت من التاريخ

2- الشورى وعدم الاستبداد: كشفت الحركة على مدار أكثر من ثلاثين عاماً أن قرارها ليس مرهوناً بيد أفراد معينين، يسهل الضغط عليهم، أو حرفهم عن جادة الصواب فتنحرف عن مسارها وتتغير بوصلتها، فالحركة تتميز بأن القرار فيها شوري، وأن قرارها لا يتخذه فرد واحد، ولديها العديد من الأطر الداخلية التي تتصدى للقضايا المختلفة بالمناقشة وإبداء الرأي والنقد .

3- تداول السلطة: خلافاً للنظام الرسمي العربي، فإن الحركة لا تعرف التخليد والعصمة للأفراد والقادة، فهناك تداول حقيقي للسلطة، والمسؤول عن ملف له فترة معينة، وبعدها يجب تغييره لانتهاء مدته الزمنية، ولك أن تنظر إلى مكتبها السياسي الآن ومكتبها السياسي قبل عشر سنوات للتأكد من حجم التغيير، وإفساح المجال لأبناء الحركة الآخرين، حتى أن قائدها السابق الأستاذ خالد مشعل لم يعد الآن رئيس مكتبها السياسي!

4- وحدة الصف: فالحركة كما هو معلوم تضم أفراداً في فلسطين وفي أقطار عربية وغربية مختلفة، بل وفي السجون الصهيونية، ومع ذلك ما زالت -رغم كل التحديات التي واجهتها وتنوع البيئات لأفرادها- عصية على الاختراق، وتحافظ على خطابها الموحد، وما زالت مستمرة في مسيرتها على خطى السابقين دون انحراف أو تغيير.

5- أسلمة المجتمع: كما يعلم الجميع فإن حماس هي حركة إسلامية، تؤمن بأن النصر والتمكين لا يتحقق للأمة إلا بالعودة إلى ما صلح عليه أولها، وهو الكتاب والسنة، وهذا يعني أن الحركة تؤمن بضرورة إصلاح الأفراد كخطوة أولى لصلاح المجتمعات ومن ثم صلاح الدول، ولهذا فإنها تولي الجانب الاجتماعي والطلابي والعمل المسجدي والدعوي مزيداً من الاهتمام، فهي ليست حركة سياسية مجردة، بل هي تحمل في أجندتها منهجاً إصلاحياً للمجتمع والدولة.

تؤمن حماس بضرورة إصلاح الأفراد كخطوة أولى لصلاح المجتمعات ومن ثم صلاح الدول، ولهذا فإنها تولي الجانب الاجتماعي والطلابي والعمل المسجدي والدعوي مزيداً من الاهتمام، فهي ليست حركة سياسية مجردة، بل هي تحمل في أجندتها منهجاً إصلاحياً للمجتمع والدولة

6- البعد عن القضايا الهامشية: ترفّعت الحركة طيلة مسيرتها عن القضايا الجدلية والهامشية، والتدخل في الشؤون الداخلية للدول؛ لأنها حركة فلسطينية مقاومة تعنى بالشأن الفلسطيني، ولم ترض أن توقع نفسها في أتون الخلافات الفقهية والسياسية والفكرية، وأما ما جرى من خلاف داخلي مع حركة فتح، فهو وإن كان خلافاً سياسياً حصل نتيجة فوزها في الانتخابات التشريعية عام 2006، إلا أن هذا لم يؤثر على أولويات الحركة في محاربة العدو، والاستعداد الدائم لمواجهته، وإفشال مؤامراته، والعمل على رأب الصدع الداخلي بكل السبل، والتي كان آخرها القبول بإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية.

7- المرونة وعدم الجمود: لم تحصر الحركة وسائلها بقائمة معينة، بل هي دائماً ما تسعى للتقدم خطوة للأمام، وتقييم عملها وتطويره ليكون أكثر فاعلية، صحيح أن كثيراً من مخططاتها تجابه بأزمة مالية خانقة تتعرض لها، إلا أنها دائماً ما تسعى لإيجاد الحل والتفكير بما هو غير مألوف، وهو ما يصعّب من خنقها أو إنهائها. فعلى المستوى العسكري يكفي أن تتحدث عن الأنفاق والصواريخ والطائرات وغيرها التي طالما فاجأت العدو عند مواجهته، وعلى المستوى الشعبي فيكفي أن نشير إلى مسيرة العودة وما مثّلته من تطور في استخدام المقاومة الشعبية وترسيخ الثوابت الفلسطينية.

8- عدم التعلق بالدنيا: فالحركة تحرص على تربية أفرادها على قيم الفداء والتضحية، وتحرير الأرض وعدم الرضوخ للعدو ، ولهذا فإن مسيرتها لا تتوقف عند استشهاد قائد من قادتها، وأفرادها مشاريع شهادة، لا يهابون الموت عند المواجهة، ولا يخافون من العدو، بل يثبتون عند اللقاء، ويذيقونه صور الذل والهزيمة.

9- عدم القبول بأنصاف الحلول: فالحركة ما زالت ثابتة على مواقفها، لم تغيرها السنون، وما زالت متمسكة بحقها في كامل فلسطين، وعودة اللاجئين، وخيار المقاومة، وتعتبر هذه أموراً لا تقبل التفاوض والمساومة، وهي تعلم أنها لو قبلت بالتفاوض حولها لفتحت لها العواصم العالمية، ولأغدقت عليها الأموال تباعاً، لكنها لا يمكن أن تتخلى عنها لحفنة من الدنيا، مما يعتبر تنكباً للطريق وانحرافاً عن المنهج.

حماس ما زالت ثابتة على مواقفها، لم تغيرها السنون، وما زالت متمسكة بحقها في كامل فلسطين، وعودة اللاجئين، وخيار المقاومة، وتعتبر هذه أموراً لا تقبل التفاوض والمساومة

هذه أبرز الأسباب التي جعلت الحركة في موضع العداء من قبل بعض الأنظمة العربية والعملاء ممن تتقاطع مصالحهم مع مصالح الاحتلال، لكن أشير إلى أن الحركة ليست معصومة عن الخطأ في الممارسة والقرار، فأفرادها في النهاية بشر يصيبون ويخطئون، إلا أنهم يسعون في كل موقف لتقييم قراراتهم ومراجعتها وتجاوز أي خلل او خطأ وقعوا به.

في الذكرى الثانية والثلاثين لانطلاقة الحركة ما زال أعداؤها يتربّصون بها الدوائر، وينتظرون منها أن تحيد عما تؤمن به ، إلا أن هذا لن يتحقق طالما ظلت الحركة متمسكة بثوابتها ورسالتها وما أسست عليه، فمشروع الحركة لا يتمثل بامتلاك سلطة أو الحصول على النفوذ بل تحرير فلسطين، وتطهير المقدسات، وهو ما يجعلها عصية على كل المؤامرات بإذن الله.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب فلسطيني، متخصص في الشريعة الإسلامية والسياسة، مهتم بالإعلام والتربية والتعليم.

شاهد أيضاً

على هامش كورونا… أزمة الوعي وحصاد صناعة منظوماتنا السياسية والاجتماعية

من بين أهم الظواهر التي فجَّرتها جائحة كوفيد-19، قضية وعي الشعوب، الذي لم يكن في …