منظور المسلم لابتلاءات الإعاقات البدنيّة والعيوب الخَلقيّة

الرئيسية » بصائر تربوية » منظور المسلم لابتلاءات الإعاقات البدنيّة والعيوب الخَلقيّة
a093db0b-6d28-4310-a3d5-c50da1bec6f6
إن العلم بمعنى اسم الله المالك ومقتضى الإيمان به، مما يحل إشكاليات مثل استشعار الظلم في حق خلقة من يولدون "ناقصين" عن البشر الطبيعيين في بعض الأعضاء أو الحواس .

- بداية: الملك ملك الله، والله قضى في ملكه أنه تعالى يخلق ما يشاء، ويختار لخلقه ما يشاء من خِلقة أو رزق أو اصطفاء أو تقريب أو إبعاد. والله تعالى شاء أن يخلق بشرا، وشاء أن يجعل من البشر مختلفين. فليس ثمة إلزام من جهة الله تعالى بالخلق في صورة معينة، ولا تحجير يمنع من صور أخرى.

- ثانيا: من أين تشكل مفهوم النقص في أذهاننا من جهتنا؟ من أين جئنا بمعيارية الكمال التي نقيس عليها النقص ونحدد على أساسها الضحية؟! إن تكرار تعودنا على نمط غالب في هيئة الخلق البشري لا يجعله هو الأصل الوجودي. قد يصلح هذا التصور في معاملاتنا البشرية ليترتب عليه مراعاة أكبر لذوي الظروف المغايرة للسائد، لكن في معاملتنا مع ربنا نفرق بين "السائد" و "الأصل". فالأصل أن الله يخلق ما يشاء ويختار.

وكمثال تقريبي، فالنار لا تحرق بذاتها وإنما لأن الله تعالى يجعل فيها طاقة الحرق. لكن الربط بين النار والإحراق نشأ في أذهاننا بحكم اعتيادنا للصلة السببية بين السبب (النار) والمسَبَّب (الحرق)، ومن اعتيادنا لذلك الارتباط اتخذناه القاعدة الأًولية. لذلك نستدعي قصة سيدنا إبراهيم بوصفها (معجزة) خارقة لذلك الأصل. والحق أنها خارقة لمعتاد لا أصل، وهي معجزة من جهة القياس البشري فحسب، أما من جهة الله تعالى فكله في نطاق مشيئته وأمر قدرته. فالله تعالى هو خالق العادة، وهو تعالى خارقها . المشكلة أننا مع الوقت ننسى الأصل الحقيقي، ونؤصّل الفروع الظاهرة، فيقع اللبس حين نتحاكم لتلك الفروع.

نستدعي قصة سيدنا إبراهيم بوصفها (معجزة) خارقة لذلك الأصل. والحق أنها خارقة لمُعتاد لا أصل، وهي معجزة من جهة القياس البشري فحسب، أما من جهة الله تعالى فكله في نطاق مشيئته وأمر قدرته

- من جهة ثالثة: الله يخلق الخلق لما يريد منهم، فالمخلوق يُخلَق مهيأً ومتوافقا مع ما خُلق له، لا منفصما عنه. فهو سبحانه أعلم بمن خلق وما خلق ولما خلق، سبحانه {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14]. سبحانه، {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ} [طه: 50]، أي أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به، فكل مَهْدِيٌ على شاكلته، "مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له" كما في الحديث، ومكلّف بحسبه ويحاسب وفق حاله. لا تعارض ولا تضارب، إذ كله من مِشكاة واحدة، وبأمر رب واحد.

- لكن التعارض يظهر لنا لأننا نضع من عندنا تصورات مخترعة لغاية الوجود، وصور تعبّد معيّنة على أنها صور "التعبّد" الوحيدة (تتضمن في الغالب النشاط الحركي والشعبية الجماهيرية)، فنَشْعُر ونُشعِر أولئك الخلق بأنهم لا يعبدون ربهم "كما ينبغي"، وأن وجودهم لا فائدة "حقيقية" فيه، وأنه وجود ناقص عن "الطبيعي"، أو ما كان "يجب" أن يكون. والحق أنهم جميعا كاملون على هيئتهم، حين نقيس بمعيار مشيئة الخالق في خلقه، الذي أراد ممن يخلق ومما يخلق أن يكون على ما خلقه عليه، لا أكثر ولا أقل.

- رابعا: الظلم والسوء يوصف بهما أفعال من الأصل فيه النقص والضعف (وهم البشر)، ويتنزه عنهما وما شاكلهما فعل من له الكمال والسيادة المطلقة (وهو الله تعالى). فلا يجوز بحال نسبتهما لفعل الله تعالى ولا ظنهما به.

الظلم والسوء يوصف بهما أفعال من الأصل فيه النقص والضعف (وهم البشر)، ويتنزه عنهما وما شاكلهما فعل من له الكمال والسيادة المطلقة (وهو الله تعالى)

- خامسا: لن نكون أرحم بالعباد من ربهم، ولا أملك لأمرهم منه. ونهج التعاطف الدرامي مع أولئك الخلق، فوق ما يستوجب تقرير الحالة ومراعاة الاختلاف، بل وبرثائية خاوية دون أي معونة أو فائدة حقيقية لهم في الغالب، هو الذي يُشعرهم –أو بالأحرى ينقل لهم شعورنا نحن– بـ: السخط على خِلقتهم، والفارق المجحف في خَلقهم، والمظلومية تجاه خالقهم! فتأمل وتفكر من الذي خلق المأساة وتسبب في الإساءة!

- سادسا: الله تعالى {خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 2]، ولم يخلق شيئا أو أحد إلا بالحق، لا عبث ولا لهو في المسألة: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ* مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الدخان: 38-39]. ولسنا –معشر المملوكين– مطالبين بالتنقيب عن وجه الحكمة في مختلف صور الخلق، لنفهم أو نقتنع. بل مطالبون أن نكف عن محاولات الإدارة والإشراف والتشارك مع جهة الرب تبارك وتعالى، ثم باليقين في حقيقة الخلق بالحق يقينا تاما، ثم الاشتغال بما يُصلِحُنا ويصلُحُ لنا على الوجه الذي شرَعَه الله بالطاقات التي أمكننا منها.

وعلى ذلك، فالحكمة العامة من تفاوت أحوال الخلق بين صحة وسقم، وغنى وفقر، وقوة وضعف، إلى غير ذلك، هي الحكمة نفسها من أصل الخلق، وهي الابتلاء والامتحان، كما قال سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} [الأنعام: 165]. وهذا التفاوت بين الخلق في الدرجات ليس عجزا أو بخلا أو تعسيفا، فإن الله سبحانه وتعالى منزه عن صفات النقص، وإنما هو [لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ] يعني: ليختبركم وهو أعلم بأحوال عباده. والاختبار يشمل كل أحد كما سيلي توضيحه.

الحكمة العامة من تفاوت أحوال الخلق بين صحة وسقم، وغنى وفقر، وقوة وضعف، إلى غير ذلك، هي الحكمة نفسها من أصل الخلق، وهي الابتلاء والامتحان

- سابعا: لا معنى لكثير من قوالب الأعراف السائدة في التعامل مع أهل الأسقام والمِحَن، كاستعمال المصطلحات والألفاظ الأجنبية في وصف حالتهم تحرجا من مرادفها العربي المباشر، أو الإصرار على تسويتهم وسواسيتهم بالأصحاء. ذلك أن الإقرار بخلقة الله على هيئتها ووصفها بصفاتها ليس فيها انتقاص من المخلوق الذي لا يملك من أمر الخِلقة شيئاً، ومن يقصد الانتقاص أو التعيير فهو واقع في فاحشة معابة خلق الخالق جل وعلا. وثانيا، لا خلاف على أن ثمة خِلقة وخَلقا صحيحا أي معافى، وثمة غير ذلك، وإذا كانت أحكام الشرع ورُخَصه لا تسوّي بين القسمين وتخص كلا وفق وسعه الذي قَدَره الله له، ففيم يعاند المخلوقون خالقهم، فيكلِّفون غير الصحيح فوق طاقته كأنه صحيح، ويتدنون بالصحيح دون طاقته كأنه سقيم؟

وأما النهي عن التنابز بالألقاب والأمر بمناداة الناس بأحب الأسماء إليهم، ومناداة ذي العيب بعيبه من باب التعريف لا الانتقاص... وغير ذلك من مختلف آداب المعاملة والمناداة فسياق آخر وله أحكامه المعلومة في مواطنها من متون الفقه وغيرها.

- ثامنا: كل البشر بمختلف هيئات خلقهم وطاقاتها، في ابتلاء وامتحان على الحقيقة. فصاحب العافية يختبر أيشكر الله على العافية عندما يروى أهل السقم أم يتكبر عليهم ويطغى بما آتاه الله من عافية، إلى غير ذلك من أوجه الابتلاء؛ وصاحب السقم يبتلى أيصبر على أمر الله فيه فيُعان ويؤجر، أم يسخط فيُخذل ويُؤزَر ؛ وكل يوفّى جزاؤه.

بل كلما بُسِط لعبد في الخِلقة والصحة ورخاء الحال، ووُسِّعَ عليك في الطاقات والمدارك، زاد ابتلاؤه ودَقَّ حسابه. فإذا كان ثمة مستحق للشفقة من ثِقَل حِمْلِه، فهو الصنف (الكامل) المشفق على (الناقص)!   هذا ولن يقع في قلب مخلوق رضا بخلقه على حاله، رضا سَوِيًّا لا يدفعه لأن يجمح في طموحاته أو يتخاذل في استثمار طاقاته، حتى يعقِل هذه الحقائق فيسلّم بها ويسلّم لربها، فيوفقه الله تعالى لما يحب منه ويرضى، ولعله يكون خيرا مما تصوّر لنفسه لو كان على حال أخرى. ولمّا قُبِض لزينب الكبرى رضي الله عنها وَليدٌ لها، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لها مُعزيا: "للهِ ما أعطى، وللهِ ما أَخَذ، وكلُّ شيءٍ عِندَهُ بِمِقدار". وفي هذه العبارات المحكمة من السلوى والعزاء ما فيها.. لذي لُبّ!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

شاهد أيضاً

للراغبين في إسعاد الناس على الدوام، 7 نصائح لوضع الحدود

قد كَثُر الكلام في الآونة الأخيرة عن المرضى النفسيين والعصبيين، وشرح الطرق المساعدة على التعامل …