هكذا ينتهي الاستعمار ويحترق أعوانُه

الرئيسية » حصاد الفكر » هكذا ينتهي الاستعمار ويحترق أعوانُه
arab-spring

كانت حملة نابليون بونابرت على مصر وبلاد الشام سنة 1798– 1801 الحدث الفاصل بين صيرورتين تاريخيتين؛ صيرورة الصمود التي استمرت منذ سقوط غرناطة في 1492 حتى سقوط القاهرة.. وصيرورة الانهيار المدوي في الأمة أمام جحافل القوى الاستعمارية مرورا بالغزو الفرنسي للجزائر والمغرب العربي الذي بدأ في 1830، لتسقط معظم الجغرافيا العربية تحت هيمنة الفرنسيين في المغرب العربي والانجليز في مصر.. وختموا ذلك بهجومهم لإسقاط الخلافة العثمانية في 1908 والذي تكامل بشكل نهائي في سنة 1924، إذ تم تقسيم بلاد العرب إلى أقاليم بتفاهمات استعمارية بين الإنجليز والفرنسيين بموجب “اتفاقية سايكس بيكو” سنة 1916 والتي كان أحد بنودها الأساسية قد تجلى في وعد بلفور سنة 1917 بإعطاء اليهود وطنا قوميا في فلسطين..

من المهم رصد الحالة العربية خلال القرن ونصف قرن “مرحلة الانهيار” التي تُوِّجت بـ”النكبة” 1948.. ومن الضروري تسليط الضوء على عناصر الضعف والخلل التي رافقتنا خلال الرحلة النكدة والتي أصابت العقل العربي في طبقة الساسة والنخب الاجتماعية بالعطب؛ إذ كان التخلف العلمي والثقافي سمة واضحة في المجتمعات العربية فيما كان الغرب في ثورة ثقافية وصناعية واجتماعية وقانونية تتحرك باندفاع كبير، وتسابق الاتجاهان إلى نقطة سقوط القدس تتويجا لضعف العرب في البنية الفكرية والاجتماعية والمادية وتخلف نظامهم السياسي وتتويجا للتطوّر التكنولوجي والقانوني وبناء الجيوش على أحدث طراز.

أخطر ما أصابنا في تلك المرحلة هو اختراق بنيتنا الفكرية ومفاهيمنا ومحاولات اختراق قيمنا وصياغة مفاهيم لنا في السياسة والثقافة خلخلت بنياننا النفسي في مواجهة واحدة من أخطر عمليات التغيير السياسي والاجتماعي.. وتمكن الغربيون من تكوين نخبٍ تابعة لهم على مدار عقود المعاناة ونحن نواجه العنف الاستعماري الجنوني إلى درجة أن انخرطت حركاتٌ سياسية كبيرة مع الاستعماريين في الحرب ضد العثمانيين “الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين”، وبروز تيار تغريبي لم يحقق سوى توهين الروح والفتّ في عضد المجتمع.

نهضت طلائع الأحرار في أمتنا في أكثر من مكان لمواجهة الحالة الاستعمارية، وسجلنا انتصارات في أماكن عدة وكان انتصار الجزائر أهمها وأكثرها تميزا، لكن انتصاراتنا كانت محاطة بمخاطر عديدة تكمن في أننا غير قادرين ذاتيا أو موضوعيا على الانطلاق نحو إحداث توازن حقيقي مع الآخر لردعه وإيقافه عند حده على الأقل، فرغم انتصارنا الباهر كنا طيلة العقود التالية معرضين لحالات اختراق ثقافي وسياسي وتبعية في أكثر من مجال فحُرمنا كأمة من توظيف إمكاناتنا في معركة النهضة وحماية القدس وفلسطين من السقوط المدوي سنة 1967.

أصبحت ساحاتنا الفكرية والسياسية مرتعا للقوى الأجنبية تعبث في مكوِّناتنا وتوجِّه بالمباشر أو الإيحاء أهدافنا ومشاعرنا حيث تنتهي إلى مصلحة العدو.. وفي المرحلة التي تلت 1967 حتى 1990 أدخلونا في معارك بين أقاليمنا وشعوبنا وأنظمتنا السياسية، فكانت معركة الثورة الفلسطينية مع النظام الأردني، وبعد ذلك المعركة الدامية بين الثورة الفلسطينية والنظام السوري، وبعد ذلك الصراع المجنون بين إيران والعراق، والتوترات الموجودة في دول المغرب العربي والنزيف الذي حدث في الجزائر في سنوات دامية.. وهكذا أغرِق العقل العربي في حقول الألغام المشركة بنعرات عرقية أو جهوية تحرمه من أي محاولة للانتقال بنا إلى ما يمكن أن يكون قاعدة انطلاق حضاري لنا.. أقسى ما في هذه المرحلة هو التدخل الغربي من 31 جيشا للعدوان على العراق سنة 1991 في حملة قلّ نظيرها تاريخيا وتواصلت بالحصار والاستنزاف الذي انتهى بهجوم أمريكي في أبريل 2003 استهدف القضاء على العراق كدولة وتوزيعه عرقيا وطائفيا وإنهاء إمكانية عودته إقليما موحدا وقد اعدّوا العدة لذلك وانتظروا التوقيت المناسب المبرر.. ورغم أنهم حققوا ظاهريا جزءا من الهدف الاستراتيجي في حربهم على العراق، إلا أنهم تكبدوا خسائر مادية فادحة قدرت بأربع تريليون دولار (4 آلاف مليار دولار)، الأمر الذي انعكس على الاقتصاد الأمريكي إلى درجة أصبح معها تحت طائلة الكساد الاقتصادي العظيم في قطاع البنوك والعقارات، وتعزز ذلك بخسارات فادحة لحقت بالأمريكان في حربهم على أفغانستان.

جاءت مرحلة الربيع العربي ولم يكن الاستعماريون في كامل لياقتهم أو قوتهم، لكنهم تحركوا بسرعة لاختراق المطالب الشعبية، وفشلت الشعوب مؤقتا أن تحقق ما تريد في مصر وسورية واليمن وليبيا، وانتهى الأمر إلى خراب ودمار رهيب في اليمن وسورية وليبيا.. فكان الربيع العربي جسرا للمخطط الاستعماري لإشعال المنطقة ذاتيا ورسم خريطة تصارعها احترابها.. واستفادوا من تفرّد قطبيتهم بعد تدميرهم للكتلة الاشتراكية فأرادوا في فترة قياسية ترتيب المنطقة بشرق أوسط جديد كما وضع لذلك الخطة “برنارد لويس” المؤرخ البريطاني اليهودي.

كانت هذه آخر المحاولات العنيفة الباطشة التي كلفت الاستعماريين كثيرا من أموالهم ومن نفسياتهم ومن قوة دفع مشاريعهم الاستعمارية.. ويمكن بسهولة اكتشاف أنهم فشلوا في العراق وفي سورية حيث الموقع الاستراتيجي الخطير في مركز الصراع “تركيا- إيران- الشام- العراق” وما لذلك من قوانين جيوسياسية ومعطيات حيث الكيان الصهيوني والنفط والكتل الإسلامية الفاعلة.

الآن أمام الاستعماريين ملفاتٌ مرهقة أولها الموت السريري الذي ألمَّ بالناتو حسب قول ماكرون، وصعود نجم الصين والروس وكوريا الشمالية الأمر الذي يضطرهم للانزياح إلى هناك حيث الصراع الكبير، والعجز الاقتصادي المتواصل في أوربا، والضعف البنيوي الذي يُبرز بوضوح عجز النظام الديمقراطي عن استيعاب التطور الإنساني للمجتمعات الغربية.. كما أن المديونية الضاغطة لا تقع فقط على الاقتصاد الأمريكي بل والغربي برمته.

في هذه المرحلة بدأ الحراك الشعبي في أكثر من عاصمة عربية؛ في تونس حيث انتفض الشعب لتصحيح مساره والتحرر من نفسيات الأحزاب المهزومة ووضع تونس على سكة التحرر، وفي الجزائر حيث نهض الشعب يحميه الجيش لتطهير المؤسسات من العبث والفوضى، والعمل على استرداد الثروة وإبراز عناصر القوة والدفع بها إلى الأمام، وكذلك هو الحَراك في العراق حيث أحرق العراقيون رواية الطائفيين العملاء الفاسدين، وهي الرواية الأمريكية التي حاول ترسيخها بريمر، وانتفضوا من أجل عراق واحد حرّ وسيِّد وهاهم يقتربون من النجاح التام، وكذلك الحال في أكثر مكان تنتظر الشعوب العربية للتحرك لإسقاط الوهم الكبير.

من المهم الانتباه إلى أن هذه المرحلة هي الأفضل لنا والأسوأ للاستعمار منذ أكثر من مائتي عام.. وان قانون الاستخلاف يتكامل ليسلِّم أمتنا الراية، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

معلومات الموضوع

مراجع ومصادر

  • الشروق الجزائرية
اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

هذا هو “المنهج” الذي أَعجب الصّهاينة!

تداول الناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي في الأيام الماضية تغريدة نشرت على حساب “إسرائيل بالعربيّة” …