الاختلاف حول المواقف السياسية.. بين الفهم والنقد والإساءة

الرئيسية » بصائر الفكر » الاختلاف حول المواقف السياسية.. بين الفهم والنقد والإساءة
opinions18

من أكثر الأمور فتكاً بوحدة المسلمين وقوتهم وخصوصاً الدعاة وأبناء الحركات الإسلامية فقد الثقة نتيجة لجدل معين، أو سوء ظن، أو الاعتراض على تصرّف قد يكون خطأ حقيقياً أو تقديرياً.

ففقد الثقة، والانتقاص من الناس -خصوصاً من هم في قيادة العمل الدعوي أو الحركي- يعني تقديم خدمة واضحة للأعداء والمنافقين ومن لفّ لفهم في ضرب الحركة الإسلامية ، حيث يستغل أعداؤها ما يقوله أو يكتبه أبناء الصف للتدليل على ذلك، مما يؤدي إلى ضرب شعبيّتها والتقليل من التفاف الناس حولها.

ليس مبرراً لكنه واقع!

في ظل تعقيد المشهد السياسي اليوم، بات الداعون إلى الحرية والكرامة في وضع لا يحسدون عليه، فهم مطالبون بالتحالف مع هذا وذاك في سبيل تحقيق مصالحهم، ولا نستطيع أن ننكر أنه لا توجد قوة مثالية في العالم، فكلها ارتكبت الجرائم والمذابح هنا وهناك، ولا يمكن بأي حال أن تتجاهل هذه أو تلك، فعدو عدوي هو صديقي، وصديق عدوي هو في عداء معي بالضرورة.

فعلى سبيل المثال، نحن كفلسطينيين مع أي جهة تعادي الكيان الصهيوني وتقف ضده، لأنه كيان مجرم، احتل أرضنا ودنّس مقدساتنا، ويحارب أهلنا بكل السبل، ولا مانع من التنسيق معها في كيفية إلحاق الهزيمة به، وإرجاع حقوق الفلسطينيين والدفاع عنهم، طالما لا نتنازل عن ثابت من ثوابتنا، وقس على ذلك باقي الدول التي يعاني أهلها من ظلم الاستبداد والاحتلال والديكتاتورية.

صحيح أن هذا مخالف لما تربّينا عليه من أمور مثالية، ويوقع الحركة الإسلامية –على اختلاف فروعها- ببعض التناقضات، ويثير حول بعض مواقفها وتصريحاتها الشك والريبة، بل ويجعلها تخسر بعضاً من الأمور، أو يقلل منها أو يؤخرها، إلا أنها لم تصنع الحدث حتى تتحكم بقوانينه، بل هي مضطرة للتعامل مع قواعد وضعها الآخرون في سبيل تحقيق مصالح من تدافع عنهم، حتى يغيّر الله أحوالنا لما هو أفضل.

لكن المشهد في وقتنا الحالي ونظراً لحالة التشرذم التي تعيشها أمتنا، والتدخلات الخارجية التي لا تتوقف، وتعدد صور المستبدين والمحتلّين، جعل هناك خلطاً واضحاً، يصعب على الجميع التعامل معه، وهو أن هذه الجهة هي عدوّة لهذه الحركة في هذا البلد المسلم، وفي نفس الوقت صديقة لهذه الحركة في بلد مسلم آخر!

والحقيقة أن الأمر ليس غريباً بل هو واقع، لكن الغريب هو أن المسلمين لم يفلحوا -طيلة عقود- في إيجاد كيان واحد يستوعبهم، ويدافع عن قضاياهم، رغم توفر الأموال، والنفط، ورغم أنهم يشتركون في التاريخ واللغة والدين من قبل ذلك !!

وعَوداً على المشهد الفلسطيني، فإنه يكشف عن حالة بالغة السوء، إذ لم تعد مقاومته تشكو من قلة دعمها من إخوانها في الدول العربية والإسلامية فحسب، بل باتت تحارب وتوصف بالإرهاب من هذا وذاك، وتضيّق عليها مواردها، ويعتقل أفرادها في بعض الدول، وبات العدو تفتح له أبواب بعض العواصم العربية، ودعاة التطبيع لا يخجلون من المنادة بالاعتراف بالاحتلال ودعمه، والتشكيك بعدالة القضية، بل والقيام بالزيارات التطبيعية دون حياء ودون حساب من حكوماتهم التي تعتقل كل من يهمس بشيء يخالف أهواءها ورغباتها!

ومع أن واجب تحرير فلسطين هو واجب الأمة، إلا أنه أوجب بحق أبنائها، الذين بات عليهم أن يستمرّوا في مقاومتهم في ظل تكالب الأعداء وتقصير الأهل والأشقاء وخذلانهم، وهو ما يعني السعي إلى الاستمرار في النهج الذي رسمه مقاوموها، وعدم خذلانهم، أو التنازل عن القضية.

مع أن واجب تحرير فلسطين هو واجب الأمة، إلا أنه أوجب بحق أبنائها، الذين بات عليهم أن يستمروا في مقاومتهم في ظل تكالب الأعداء وتقصير الأهل والأشقاء وخذلانهم، وهو ما يعني السعي إلى الاستمرار في النهج الذي رسمه مقاوموها، وعدم خذلانهم، أو التنازل عن القضية

وهنا تبرز نقطة التحالف مع هذا أو ذاك، ممن لديه صراعات إقليمية مع الآخر، فنضطر للوقوف أو التحالف معه ليس لمصالح حزبية أو فئوية أو قضايا شخصية، بقدر ما هو لأجل دعم قضية الأمة المركزية ، وهذا يتطلب من الحركة الإسلامية العمل وفق موازنات بالغة التعقيد -لا تخلوا من بعض الأخطاء التقديرية أحياناً- بحيث تحمي مقاومتها وشعبها من بطش الاحتلال، ولا تعطيه فرصة للانقضاض عليها أو إنهاء وجودها وضياع كل الإنجازات التي بنتها المقاومة طيلة عقود مضت.

بين الواقعية وارتفاع السقف

مع بالغ الأسف، بتنا نجد اليوم أن الناس يحمّلون الحركات الإسلامية أكثر مما تطيق، فهي مطالبة بعداء الكوكب كله لإثبات صدقها وحسن نواياها، فهي مطالبة بمحاربة أمريكا، وروسيا، والصين، وفرنسا، وبريطانيا، وإيران وغيرها، ناهيك عن الأعداء الداخليين ومن يخالفوننا في الدين أو النزاهة الاقتصادية، ثم إذا قتل عدد كبير من أفرادها، وزجّ البقية في السجون، وهُجّر البعض الآخر، عابوا عليها أنها لم تأخذ بالتدرّج، وأنها تسرّعت في التصرف، وأن قياداتها تتصف بالرعونة وعدم الخبرة وأنهم لم يراعوا متغيّرات الزمن.. إلى غير ذلك من الحجج والمبررات الجاهزة.

وبما أن الشيء بالشيء يذكر، فواحدة من أكبر المشاكل التي وقعت بها الحركات الإسلامية في دول الربيع العربي، وفلسطين أيضاً هي كيفية المواءمة بين خطابها بعد توليها السلطة، وخطابها حينما كانت في المعارضة!

واحدة من أكبر المشاكل التي وقعت بها الحركات الإسلامية في دول الربيع العربي، وفلسطين أيضاً هي كيفية المواءمة بين خطابها بعد توليها السلطة، وخطابها حينما كانت في المعارضة

لقد كان سقف مطالب الحركات الإسلامية مرتفعاً جداً لا طموح له ولا حد، ثم لما استلم بعضهم الحكم، فوجئوا أن الأمر ليس عبارة عن بيان مكتوب، أو خطبة في مسجد أو مسيرة حاشدة، أو فقرة منشورة على "فيس بوك أو تويتر"، بل إنّ أي تصرف تقوم به يؤثر على حياة الملايين من الأفراد، وأي خطأ تقع به قد يرجعك عقوداً عديدة إلى الوراء، وقد يضيع كل إنجازاتك التي بنيتها في فترة قصيرة. ولهذا الأمر يحتاج إلى سياسة، وتعامل بتأنٍ وسنوات عديدة إن لم تكن عقوداً من العمل المضني، حتى تستطيع أن تضع قدمك على طريق مطالبك السابقة، وهو ما دفع البعض إلى التشكيك بهم، وجعل البعض الآخر ينبري للدفاع وتوضيح المواقف على حساب الإنجاز والتقدم، ورسم السياسات المستقبلية وكيفية التعامل مع التحديات الداخلية والخارجية.

وهنا لابد من الإشارة إلى نقطة مهمة، وهي مدى أهمية التفاف الشارع حول الحركة الإسلامية؟

صحيح أن التفاف الناس جداً مهم، كونه يعطيها رصيداً سياسياً ويجعلها طرفاً لا يستهان به، لكن في الوقت نفسه لا يجب أن تخضع الحركة الإسلامية لأهواء الشارع ومطالبهم بشكل دائم ، فالشارع تحكمه العاطفة ويوصف بالاندفاعية، والتصريح السياسي من زيد أو عمرو على فيس بوك أو تويتر لا قيمة له مقابل تصريح من فلان في هذا المنصب أو ذاك، إذ الأثر يتعدى الفرد ليصل إلى أفراد كثر قد يكونوا بالملايين!

بالإضافة إلى ذلك، فعموم الناس لا يدركون حجم الضغوط والمسؤوليات الملقاة على عاتق من هم في القيادة أو السلطة، وليس كل الناس يستطيعون إدراك ما تقوم به القيادة، لأن هناك أموراً لا يمكنك الإفصاح عنها إلا لأفراد معينين، وليس من الجيد أن تصل للإعلام حتى لا تفهم بطريقة خاطئة.

لكن على القيادة أن تبرّر لأفرادها ومناصريها متى أمكنها ذلك، لأن أولئك هم ممثلوها أمام الناس، وهم الذين يقع عليهم واجب الدفاع عنها، وواجب استقطاب الآخرين وتأييدهم لها .

عموم الناس لا يدركون حجم الضغوط والمسؤوليات الملقاة على عاتق من هم في القيادة أو السلطة، وليس كل الناس يستطيعوا إدراك ما تقوم به القيادة، لأن هناك أموراً لا يمكنك الإفصاح عنها إلا لأفراد معينين

متى تنحرف الحركة الإسلامية؟

ليس من السهل أن تنحرف بوصلة الحركة الإسلامية –كما يشيع بعض الحاقدين عليها- لأنها تأخذ شرعيّتها ووصفها من التمسّك بالدين وتطبيق تعاليمه، وتولي أهمية كبيرة لتربية أفرادها على قيمه ومبادئه. كما أن الحركة الإسلامية لديها نظام داخلي يقوم على الشورى واختيار الكفء، والنقد وإسداء النصيحة، وفي الوقت نفسه فإن جوهر قوّتها هو التفاف أفرادها الذين تربّوا تربية إيمانية حقيقية حول قيادتها وإيمانهم بأفكارها.

لكن من وجهة نظري الخاصة، أرى أن الحركة الإسلامية قد تنحرف عن مسارها، في حال توفرت إحدى الأمور التالية:

1- الاستبداد والقمع: بحيث على الجميع أن يظهروا السمع والطاعة للقيادة، ويمنع انتقاد القيادة حتى على المستوى الداخلي، وكل من يقوم بذلك مصيره الفصل والطرد منها. ناهيك عن بقاء القيادات والمسؤولين في مناصبهم، مهما أخطؤوا أو فعلوا.

2- انتشار النفعية والمصلحة: بحيث لا يختار إلا من يجلب المال، أو من بيده السلطة والقوة والنفوذ، بغض النظر عن موافقته للحق أو معارضته، ودون النظر إلى مدى تمسكه بمبادئه وما ترفعه حركته من شعارات وبرامج.

3- تغيير المبادئ والبرنامج السياسي: بحيث تتنازل الحركة عن ثوابتها، وتعلن ذلك على الملأ ويوافق الأفراد على ذلك بسبب واحد من الأمرين السابقين أو بسبب غياب التربية الإيمانية.

ما تقدم يعني أنه ليس من السهل أن تنحرف الحركة الإسلامية عن مسارها، طالما أنها لا تقدّس الأشخاص، وتعلي مبدأ الشورى وإبداء الرأي، وتفتح قنوات داخلية لتقبل النقد والاقتراحات، سواء فيما يتعلق بالسياسات والتطبيق، أو ما يتعلق باختيار الأشخاص أنفسهم.

ليس من السهل أن تنحرف الحركة الإسلامية عن مسارها، طالما أنها لا تقدّس الأشخاص، وتعلي مبدأ الشورى وإبداء الرأي، وتفتح قنوات داخلية لتقبل النقد والاقتراحات، سواء فيما يتعلق بالسياسات والتطبيق، أو ما يتعلق باختيار الأشخاص أنفسهم

كيف أتصرف عندما أرى خطأ معيناً؟

من الضروري التأكيد على أن هناك بوناً شاسعاً بين انعدام العصمة، وانعدام الثقة، فالثقة بشخص أو جهة أو قيادة ما لا تعني بالضروة الموافقة على كل ما يصدر عنهم من تصرفات وأمور؛ فهم ليسوا أنبياء، وكلنا بشر نصيب ونخطئ ، ولكن هناك خطوات تتطلب مني أن أقوم بها في هذا الصدد، قبل أن أكون سبباً في تفريق الصف والإساءة إلى الحركة التي أنتمي إليها:

1- عدم فصل الموقف أو التصريح عن سياقه، خصوصاً في الأمور السياسية، إذ إنها كلها مرتبطة ببعضها البعض ولا يصح أن أغفل باقي الأمور لأجل نقطة واحدة فقط.

2- في حال رأيت وجود الخطأ بعد قراءة السياق العام، فالأصل أن أسعى لمعرفة حيثيات الموضوع ممن صدر منه هذا الأمر، وربما أحتاج لبعض الوقت للحصول على ذلك، لأن الطرف الثاني قد يمتلك مبرراً مقنعاً حول هذا الأمر، ومن الظلم الإنكار دون الاستماع إلى وجهة نظره ومبرره في ذلك.

3- في حال عدم اقتناعي بالمبرر فالواجب علي أن أنصح وأنتقد وأبرهن على خطئه، وأنبه إلى السلبيات المترتبة على ذلك، فهذا من باب التناصح الذي علمنا إياه الرسول صلى الله عليه وسلم.

4- لا بأس أن أنقد التصرّف على العلن دون تجريح بشخص أو هيئة، طالما أنها محل ثقة، وأنها تقبل النصح والإرشاد، وليس هناك أي مبرر لأن انشغل بجدل "بيزنطي" حول هذا التصرف، فيصبح وكأنه الهم الأكبر، والقضية العظمى، ويترتب عليه كفر وإيمان.

إن بعض الأفراد –مع بالغ الأسف- بالغوا في إنكارهم على خطأ هنا وهناك، حتى باتوا أشد على الحركة الإسلامية من أعدائها، بل سمحوا بأن يكونوا مطية للإساءة لحركتهم والتشكيك في مصداقيتها وإضعاف شعبيتها

إن بعض الأفراد –مع بالغ الأسف- بالغوا في إنكارهم على خطأ هنا وهناك، حتى باتوا أشد على الحركة الإسلامية من أعدائها، بل سمحوا بأن يكونوا مطية للإساءة لحركتهم والتشكيك في مصداقيتها وإضعاف شعبيتها.

إنني لا أدعو إلى أن أؤجر عقلي وضميري أو أحجر عليهما حتى أبرهن على صدق انتمائي وولائي لهذا الدين أو لهذه الحركة، لكن في نفس الوقت، لا أجعل من الخطأ –إن تيقنت منه- قضيتي المحورية، وأنسى كل أعمالي في سبيل التحذير منه وكشفه وتوجيه سهام النقد، وأمضي من عمري أياماً عديدة مشغولاً في هذا، وكأن العالم سينهار بناء على هذا الموقف!

أسأل الله أن يثبتنا على طريق الحق والإيمان، وأن لا يجعل للأعداء علينا سبيلاً.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب فلسطيني، متخصص في الشريعة الإسلامية والسياسة، مهتم بالإعلام والتربية والتعليم.

شاهد أيضاً

على هامش كورونا… أزمة الوعي وحصاد صناعة منظوماتنا السياسية والاجتماعية

من بين أهم الظواهر التي فجَّرتها جائحة كوفيد-19، قضية وعي الشعوب، الذي لم يكن في …