البناء والهدم في الدعوات

الرئيسية » كتاب ومؤلف » البناء والهدم في الدعوات
clip_image002_a69ef

يعرض الكتاب أنواع المحن، وكيفية اعتراضها للدعوات، وطريقة الانتصار عليها، والتغلب على الأهواء والشهوات والظالمين والطغاة، فأهل الباطل دوماً يضيقون بأهل الحق وينبرون لهم يقطعون عليهم السبيل ويكافحونهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا وليس في الأمر جديد وإنما هي سنة الله في الدعوات جميعاً.

كُتِبَتْ خطوط هذا الكِتاب الرئيسة في صيف عام 1949 في معتقل الطورة، ولم يكن مع المؤلف من مراجع سوى كتاب الله، وكان الهدف الرئيس الذي قصده الكاتب دراسة فقه المحنة وفن الإسلام.

مع الكِتاب:

قسم المؤلف كتابه إلى ستة فصول، شملت:

1- شمول الإسلام

من طبيعة الإسلام أنه جاء ديناً يعترف بالأديان السابقة جميعاً، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" وبهذا يكون الإسلام مكملاً لهذه الأديان يبدأ من حيث انتهت، وعلى هذا الأساس نجد القرآن يمجد الأنبياء جميعاً ويدافع عنهم، ويُفند التهم التي ألصقها الأتباع بهم، كما يطلق القرآن على الأديان جميعاً لفظاً واحداً هو الإسلام، ويسمي الأنبياء جميعاً مسلمين.

وفي دراستنا لشمول الإسلام نرى اتجاهين: الخط الطولي/ وفيه اعتراف الإسلام بالنبوات التي سبقته ومجيئه خاتماً للرسالات، وهو بهذا يعد دين الله واحداً في كل العصور، أما الثاني وهو الشمولي الأفقي/ ويتعلق بطبيعة الإسلام كدين حياة يعالج قضايا الوجود ويهدف إلى إنسانية فاضلة متكاملة، ولم يأتِ الإسلام ديناً خاصاً بجنس أو لغة أو دم، وإنما يسجل القرآن مخاطباً رسول الله - صلى الله عليه وسلم: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107].

الآثار العملية المترتبة على ذلك

• وفرة مصادر الإلهام: من حيث الِسن، وجهاد النساء، وفي توزيع الإيمان على الأسرة، ومن حيث البلاء، وأول الآثار ألاّ يحس المسلم بعزلة حين يعمل من أجل عقيدته؛ فالإسلام لا يصبح عنده ديناً جديداً لا ماضي له، وإنما هو حلقة طويلة من الكفاح بين الخير والشر تمتد في أعماق التاريخ حتى تتصل بأبي البشرية آدم -عليه السلام- كما تمتد حياته فتتصل بالله في نهايتها، وحين تتصل حياة المؤمن بالله في الأول والآخر يشعر بوجوده الحقيقي بادئاً من النور منتهياً في النور وهو بين هذا يسير في طريق خطه الله له سار فيه من قبله أنبياء ورسل مصلحون.

• تثبيت القيادة والجندية: لو أنكر الإسلام ميراث الإنسانية وهاجم النبوات السابقة لفتح على نفسه من أبواب الفتنة ما لا يستطيع أي نبي أو زعيم أن يتحمل تياره مهما أوتي من قوة ، فمثل هذا الاتجاه يهدم في نفوس الناس -إن صدقوه- معنى الدعوة، فضلاً عن أن الإسلام سيتعرض لهجوم عنيف لا هوادة فيه من اليهودية والنصرانية وسيتحول الأمر إلى تعصب للأفراد، وسيحاول أتباع الأديان السابقة تلمس الأخطاء وخلق المفتريات على الدين الجديد، لكن الإسلام يعد المؤمنين العاملين متضامنين مع النبي في تحقيق الرسالة، أما عن الجندية فربطها بمصادر الالهام الخالدة وثبت معناها بعد الآيات التي ذكرها عن موت النبي: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران:144] لذلك فكل بناء أسس على التقوى من أول يوم تكفل الله له بالبقاء مهما طال عليه الأمد أو عدا عليه الظالمون.

2- تطبيقات من حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- والذين معه

للدعوات الإلهية منطق خاص نراه واضحاً في نظرتها إلى ميراث الإنسانية ومناهجها العملية في التبشير بما تدعو إليه من الخير، وهو منطق يقوم أساساً على تقدير كل جهد إنساني يبذل من أجل الحق مهما كان مصدر هذا الجهد، فالدعوات تمتاز دائماً بالتضحية ونكران الذات والبذل المستمر وعدم انتظار الجزاء إلا من الله، أما الأحزاب فهي أرضية في تكوينها، غاياتها دانية قريبة وفي صراعها نرى المحاولات السريعة في الوصول إلى الهدف؛ لأن الحزب يرتبط إلى حد كبير بعمر القادة الذين يعملون فيه وكل من هؤلاء ينتظر الجزاء ولا يطيق الصبر، لذلك عرفت الدعوات الصلابة في الحق، فالإسلام لا يعرف الانتهازية.

وذكر الكاتب نماذج كثيرة ومتعددة من حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته وكيفية ثباتهم وصلابتهم في دعوتهم.

للدعوات الإلهية منطق خاص نراه واضحاً في نظرتها إلى ميراث الإنسانية ومناهجها العملية في التبشير بما تدعو إليه من الخير، وهو منطق يقوم أساساً على تقدير كل جهد إنساني يبذل من أجل الحق مهما كان مصدر هذا الجهد

3- المحن في الدعوات

من الطبيعي أن نبتلى في ديننا وأن يمحص الله ما في قلوبنا، فجاءت موجات الظلم تحمل الأبرياء إلى السجون والمنافي والمعتقلات، وامتدت يد أبي لؤلؤة المجوسي من جديد تصوب الخنجر المسموم إلى الصدر الكريم وسال الدم الزكي كما سالت من قبلة أزكى الدماء، وكم بذل المسلمون في كل عصر من دمائهم وأقواتهم في سبيل الحق فما وهنوا لما أصابهم وما ضعفوا وما استكانوا، ولم يساوموا على حق أو ينهزموا أمام مصيبة.

4- أنواع المحن

ذكر الكاتب صورة للمحن في العهد المكي، وبين مكة والمدينة، وصور للأذى البدني، والبذل المالي، والتربية وتذكر الآخرة، وروح الجماعة، والقواعد الأساسية التي قامت عليها الحياة الإسلامية في مكة من الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، ومظاهر هذه القواعد من العبادة وقيام الليل وتحمل الأذى البدني والبذل المالي والمحن النفسية، كما تحدث عن الجبهة الداخلية، وآثار الاضطهاد الذي لاقته الدعوات في عهود تكوينها، والبلاء الذي صبّه كفار قريش على أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- في مكة والذي أدى إلى تماسك الجماعة الإسلامية.

5- مشكلات تعالج

• مشكلات يعالجها الرسول: عالج الرسول الكثير من المشكلات التي واجهته ومن أدق المشكلات غزوة أحد ، فالصحابة من أول الأمر أحسوا أنهم استكرهوا النبي -صلى الله عليه وسلم- على القِتال وحاولوا إرجاعه بعد هذا فرفض، وفي الطريق جاءت المحنة الثانية حين رجع عبد الله بن أبي بن سلول -رأس المنافقين- بجانب من الجيش، وحين نظم النبي -صلى الله عليه وسلم- الموقعة أوقف الرماة على الجبل وأعطى المسؤول عنهم أمراً صريحاً، ومع هذا الأمر الصريح خالف الرماة أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- مما غيّر من اتجاه الموقعة فغدت في صالح المشركين، وأدى هذا الخطأ إلى اضطراب صفوف المسلمين وقتل منهم حوالي السبعين بينما لم يزد قتلى المشركين عن اثنين وعشرين رجلاً، أما النبي -صلى الله عليه وسلم- فقد وقع في كمين وجرح ودخلت حلقات المغفر في وجهه وأشيع أنه قتل.

• تصرف النبي في الميدان: برغم كل الآلام المتجمعة لم يفقد النبي رباطة جأشه ولا تأخر عن آداء واجبه كمحارب فعندما هجم عليه أُبي بن خلف يريد قتله وأراد الصحابة أن يكفوه عن النبي فقال لهم: دعوه.. فلما دنا تناول النبي -صلى الله عليه وسلم- حربة صحابي وطعن بها عدو الله في عنقه كان فيها مصرعه، يفعل هذا وبه من الآلام ما به حتى أنّه صلّى الظهر قاعداً من الجراح التي أصابته وصلّى المسلمون خلفه قعوداً، ويتجمع أصحابه من حوله ثانية ويقلب نظره في الشهداء فيجد فيهم زهرة أهله فيصلي عليهم ثم يعود إلى المدينة.

بعد كل ما حدث في غزوة أحد قد ننتظر أن يقيم النبي -صلى الله عليه وسلم- محاكم للتحقيق مع الذين رجعوا من أول الأمر والذين خالفوا أمره والذين انصرفوا عنه، وأن ينفض عن آلامه وأحزانه بأحقاد يصبها على المخالفين، هذا منطق قد تستسيغه العقول المطموسة والنفوس المظلمة، أما الدعاة فلهم أهداف وراء ذلك هم لها عاملون والنبي كصاحب رسالة اتخذ منهجاً آخر غير المنهج القائم على الضيق والأحقاد.

6- مشكلات يعالجها القرآن:

بدأ القرآن بعرض عام للمشكلة وكيف أنّ هذه سُنة الدعوات، فقال: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران:139].

بيّن أنّ من العِبر الكُبرى في الغزوة أن ميّز الله بين المؤمنين والمنافقين، ثم اصطفى المؤمنين شهداء: {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران:140].

يقف القرآن موقفاً صارماً واضحاً في مسألة موت القائد، فهو لا يهنئ المسلمين بنجاته وإنما يعرض القاعدة العامة في الحياة والموت فيقول: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران:144].

ويبين بعد هذا صفة جماعات المؤمنين الذين يعملون مع الأنبياء، وأن الباب الأول للنصر هو طهارة القلب طهارةً يتنزل به تأييد الله فتثبت الأقدام ويكون الانتصار بعد ذلك.

أما مشكلة الذين خالفوا أمر النبي من الرماة هؤلاء مؤمنون لا شك ولكن اضطرب أمرهم إما باجتهاد شخصي أو أخذتهم روعة الموقف فانصرفوا بعض الوقت هاربين فلما عادوا إلى رشدهم قاوموا وكفّروا عن هذا بعزمٍ جديد: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ۖ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [آل عمران:155] وبهذا فتح القرآن أمامهم طريق الإنتاج في الدعوة ولم يجعل هذا الموقف الطارئ حكماً يدفعون به في حياتهم في المدينة.

ويعود القرآن بعد هذا إلى الحزن المقيم على الشهداء، وكيف يستغله المنافقون، ويحذر المؤمنين من استماع السوء: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [آل عمران:156] ثم يؤكد مصير الشهداء: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران:169].

مع المؤلف:

الدكتور عبد العزيز كامل مفكر وداعية إسلامي، حصل على الدكتوراه في الجغرافيا من كلية الآداب - جامعة القاهرة، عمل أستاذاً جامعياً، وكان وزيراً للأوقاف، ونائبَ رئيس الوزراء، ومديرَ جامعة الكويت، ومستشارَ أمير الكويت، وكان أحد الأقلام الأولى التي غيرت الفكر الإخواني، حتى رشحه عدد من الإخوان مُرشداً بعد البنا.

عُرف بثقافته العربية والإسلامية، وعُني بالفكر التربوي وفلسفته وأصوله النظرية، وتطبيقاته العملية، وله العديد من المؤلفات أبرزها: خطوات نحو القدس، والإسلام والعروبة في عالم متغير، ومع الرسول ﷺ والمجتمع في استقبال القرن الهجري الخامس عشر، وجغرافية الإسلام في عهد النبوة، ومدخل جغرافي إلى قصص القرآن الكريم.

بطاقة الكتاب:

اسم الكِتاب: البناء والهدم في الدعوات
اسم الكاتب: د. عبد العزيز كامل
سنة النشر: 1372هـ - 1953م
دار النشر: جمعية الأخوة الإسلامية
عدد الصفحات: 118 صفحة

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
صحفية فلسطينية مقيمة في قطاع غزة، حاصلة على درجة البكالوريوس في الصحافة والاعلام من الجامعة الاسلامية بغزة عام 2011م، وكاتبة في موقع "بصائر" الإلكتروني، وصحيفة "الشباب" الصادرة شهرياً عن الكتلة الاسلامية في قطاع غزة. وعملت في العديد من الصحف والمواقع الإلكترونية أبرزها صحيفة فلسطين، وصحيفة نور الاقتصادية، وصحيفة العربي الجديد.

شاهد أيضاً

وعد الآخرة زوال لا إبادة

يتحدث الكتاب عن "وعد الآخرة" المتعلق بزوال الاحتلال والتتبير للعلو الكبير لفساد بني إسرائيل، ليكون …