الحقيقة والمجاز في العلاقات (2-2)

الرئيسية » خواطر تربوية » الحقيقة والمجاز في العلاقات (2-2)
Relationship

ذكرنا في الجزء الأول عواقب الخلط بين الحقيقة والمجاز في العلاقات، ونرد في هذا الجزء على قول القائل: "إنه يجد في علاقاته المجازيّة مذاقات لا يجدها في علاقاته الحقيقية، فيشعر بأنّ المجاز أكثر حقيقة من الحقيقة!" وها هنا لفتتان دقيقتان:

أولاً/ سيريالية العلاقات المجازية

السيريالية مصطلح مأخوذ من الفرنسية ويعني حرفيّاً بالعربية "فوق الواقع" وبالإنجليزية Super Reality، بدأت السيريالية بوصفها مذهباً فنيّاً أدبيّاً، هدفه التعبير عن مشاعر وخواطر العقل الباطن، بصورة متحرّرة تحرّراً تامّاً من أي سلطان للعقل أو معيار للمنطق، ومن أيّة سلطة حاكمة أو معايير جمالية أو أخلاقية أو غيرهما.

وهذا هو سر جاذبية العلاقات المجازية وسطوة فتنتها على القلوب: السيرياليّة الكامنة فيها، بالتحرر من أي سلطان التزام أو سلطة ضبط، اللذين يحضران بالضرورة في أيّة علاقة حقيقية أو في حقيقة أيّة علاقة، فتتفتق لك العلاقة المجازيّة من ثغر فيك لم تحسب له حساباً، ولعلّك لم تعرفه من نفسك قبلاً، فيذهلكَ مذاقهـــا، ويذهب بلبّك رونقهـــا، ويدلّك جمالها إدلالاً، فترويك حتى كأنك لم تظمأ يوماً، وتسَعَك كأنما بلَغتَ مستقرك أخيراً بعد طول ترحال.

العلاقة المجازية أشبه بالفاكهة المقشّرة، تأخذ لبّ حلاوتها هنيئاً مريئاً، دون تكبّد جهد تقشيرها ونزع بذورها وتهذيبها، أما الحقيقية فتعني: التزامات عِشرَة وقدر مسؤوليات ودرجات بذل ومجاهدة في صونها وعدالتهـا، والنهج السائد في عصرنا الراهن هو عشق الجاهز والمقشور بأعلى درجاتهما، وبغض المسؤولية والجهد بأدنى درجاتهما، فلا عجب إذن أن يكون المجاز أحقّ وقعاً من الحقيقة؛ لأنه قائم على الهوى في المقام الأول.

العلاقة المجازية أشبه بالفاكهة المقشّرة، تأخذ لبّ حلاوتها هنيئاً مريئاً، دون تكبّد جهد تقشيرها ونزع بذورها وتهذيبها

لذلك يبدو إرضاء الأم أو المحبوبة المجازية -مثلاً- أسهل، وتبدو متطلباتهما أقلّ وصحبتهما أخفّ؛ لأنك ببساطة لا تعايشهما كما تعايش أمك الحقيقية أو زوجتك الحقيقية، ولا تلقاهما إلا في سياقات معيّنة، محدودة بحدودها، ومؤقتة بميقاتها.

ونحن نحبّ الحدود الهوائية، التي تبدأ معالمها حيث نريد أن نأخذ، وتنتهي حيث نريد أن نعطي !

ثانياً/ فتنة الخيـال

يقول مصطفى صادق الرافعيّ في "وحي القلم": "الجَمال في نظري جمالٌ مِنْ ناحيتين: حُسْنه في ذاته، وحُسنُه في خيالي الذي يجعله أسْمَى مِنْ ذاته!"، فكلما كان طرف علاقة محبّبة لنا بعيداً عنا، بمعنى غير خاضع لنوع عشرة أو صحبة أو معاملة تجعله قيد التدقيق وملاحظة مختلف جوانبه البشرية بحُسنِها وسوئها، وَجَد خيالُنا مَرتعاً خصباً لتنزيل كلّ الجماليات التي تروق لنا ونهفو لها في شخص ذلك البعيد، ويصدق في هذا المقام المَثَل الإنجليزي: "الغياب يُذكي لهفة القلب وأشواقه"، فجانب الجمال الذي نشهده حقيقة في محبوب بعيدٍ عنا، يتضاعف فوق حقيقته أضعافاً، بجوانب الجمال التي يتيح لنا بعده عنّا تخيُّلها فيه، حتى نصدّق وهمنا فنسبغ عليه من الجلال والجمال أضعاف ما يمكن أن يحمله بشر في نفسه على الحقيقة، أو تتحمله علاقة سَويّة مع بشرٍ في الحقيقة.

ولذلك يكون شعور الارتواء في المجاز أعلى وأحلى من الحقيقة ؛ لأنه ليس لخيالنا مُنازِع يُكدِّر علينا صفو ما نريد استشعاره وما نريد رؤيته وما نريد سماعه وما نريد تصديقه، وإذا طالعتَ دراسة علمية لأيّة ظاهرة إدمان أو تعلّق غير سَوِيّ، تجد أنّ طبيعة الإدمان وجذور التعلّق خلل نفسيّ بالأساس، كتعويض حرمان ملهوف أو تلبية حاجة متعطّشة، في غياب العقل وذهوله، لذلك يتعلّق المدمن بمادّة الإدمان سعياً وراء لذة هي في 90% منها وهمٌ متضخّم في خياله وارتباطات شرطية لا واعية في نفسه، مبنيّة على 10% فقط من الحقيقة، أو أقلّ، وكلما ازداد القرب اتضحت الحقيقة والواقع، فتراجع مَدّ الخيال تلقائيّاً، ما لم يمنع خلل نفسيّ آخر! فالخيال مبدأ كلّ إدمان وكلّ فتنة، ما لم يهذّبه صاحبه، ويتعلم فنون إدارته وتوجيهه.

الخيال مبدأ كلّ إدمان وكلّ فتنة، ما لم يهذّبه صاحبه، ويتعلم فنون إدارته وتوجيهه

فإذا تشارك طرفا علاقة مجازيّة الوقوع في أتون فتنة التباس المجاز بالحقيقة، عَظُمت مصيبتهما وتضاعف لهيب نارها وهشيم حصادها، بما قد يلبّس على نَفسيْهِما حدود الحلال والحرام، أمّا إذا كان أحد الطرفين واقعاً في تلك الفتنة دون الآخر، تصير مثل تلك العلاقات منكفئة الكِفّة في الغالب، أي فيها تعلّق جارف من جهة المفتون، ونفورٌ مِن جهة الفاتن موازٍ لذلك التعلّق في المقدار ومُضادٌ له في الاتجاه! والمؤسف أنّ الأوجاع المعنويّة والمشاكل الحياتية المترتبة على العلاقات القائمة على علائق الوهم وفتنة المجاز، حقيقيّة كلّ الحقيقة!

وينبغي بعد كل ما تمّ بيانه أن يتضح أثر صحّة عقيدة التوحيد، وحضور قلب المؤمن مع الله الحقّ بحقّ، وتعهده إيمانه بالتزكّي وشغل نفسه بما يصلحها، في دفع باطل تلك الأعاصير وسدّ منافذها بداية، أو مداواة صاحبها وانتشالها منها إذا حصل وانجرف فيها نهاية.

 

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

شاهد أيضاً

كورونا خارج أسوار “المتطهّرين”

رحم الله زمناً كان أعداءُ الدين من علمانية العرب وليبراليتهم يتندّرون ويسخرون من العلماء الذين …