الطريق إلى قلب الزوجة

الرئيسية » بصائر تربوية » الطريق إلى قلب الزوجة
love

إن المرأة مخلوق يجمع كلَّ المتناقضات في جسد واحد، وهذا سر من الأسرار التي أودعها الله إياها.

إن المتناقضات التي جمعها كيان المرأة جعل منها سراً انخلعتْ له قلوب الرجال، وطاشت بسببه عقولُ الشباب، وتغنَّى به الشعراء والأدباء، واستأنس به الأزواجُ العقلاء، ودسَّها في التراب قساةُ القلوب الجاحدون، ومن جرّدوا من إنسانيتهم يرونها متاعاً وشهوة، وهي في حقيقة أمرها الأم الحنون والأخت العطوف والزوجة المُكرَّمة، والبنت الرَّؤوم، والسيدة المُبجَّلة.

بالرغم من كل ما سبق إلا أن هناك من خدعوا الزوج فأقنعوه أن (الطريق إلى قلب المرأة هو جيب الزوج)، فانكب المسكين على العمل وواصل الليل بالنهار من أجل أن يعود إلى زوجته وقد انتفخت جيوبه بالمال غير أنه عاد إليها كالجثة الهامدة فتراه يرتمي على فراشه حتى صباح اليوم التالي ليعاود الكرَّة ويدور في رحى الحياة ودوامتها التي لا تنتهي.

نسي المسكين أن كل ما يبذله من جهد جهيد لا يعفيه من كونه زوجاً تنتظر زوجته أن يشعرها بالحنان والأمان، وأن يجالسها ويؤنسها، ويروي مشاعرها إذا خلا بها، فتستغني به عن غيره ولا تتمنى سواه.

وخدعوا الزوج فأقنعوه بأن الرجل لا بد أن يكون قوي الشكيمة، صعب المراس، وأنه لا بُد أن يفرض سيطرته على زوجته فلا رأي إلا رأيه ولا صحيح إلا ما يراه صحيحاً.

نسي المسكين حديث النبي - ﷺ - الذي قال فيه: "لا يَجْلِدُ أحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ العَبْدِ، ثُمَّ يُجامِعُها في آخِرِ اليَومِ" (صحيح البخاري).

بين يدي الموضوع

إن شرعنا الحنيف لم يترك قدر النقير ولا القطمير في ضوابط العلاقة الزوجية الناجحة ولا غيرها إلا بيَّنه بياناً لا لبس فيه ولا غموض.

وقبل أن نتناول الموضوع بتفاصيله يجب أن نعرِّج على بعض الأحاديث التي نبني عليها أسس موضوعنا:

1. عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - ﷺ - قال: "أيها الناس! إن النساء عندكم عَوَان، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن حق، ومن حقكم عليهن أن لا يُوطئن فرشكم أحداً، ولا يعصينكم في معروف، فإذا فعلن ذلك فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف" (رواه ابن جرير الطبري بإسناد صحيح).

2. عن جابر بن عبد الله - رضي الله - عنه أن النبي - ﷺ - قال: "إنَّ إبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ علَى الماءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَراياهُ، فأدْناهُمْ منه مَنْزِلَةً أعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أحَدُهُمْ فيَقولُ: فَعَلْتُ كَذا وكَذا، فيَقولُ: ما صَنَعْتَ شيئاً، قالَ: ثُمَّ يَجِيءُ أحَدُهُمْ فيَقولُ: ما تَرَكْتُهُ حتَّى فَرَّقْتُ بيْنَهُ وبيْنَ امْرَأَتِهِ، قالَ: فيُدْنِيهِ منه ويقولُ: نِعْمَ أنْتَ" (صحيح مسلم).

3. وصف الإمام ابن القيم حال النبي - ﷺ - مع أزواجه في كتاب "زاد المعاد" فقال: "كانت سيرته مع أزواجه حُسن المُعاشرة وحُسن الخلق، وكان يَسْرب إلى عائشة بنات الأنصار يلعبن معها، وكان إذا هويت شيئاً لا محذور فيه تابعها عليه، وكانت إذا شربت من الإناء أخذه فوضع فمه في موضع فمها وشرب، وكان إذا تعرَّقت عرقا -وهو العظم الذي عليه لحم- أخذه فوضع فمه موضع فمها، وكان يتكئ في حجرها ويقرأ القرآن ورأسه في حِجْرِها وربما كانت حائضاً، وكان يأمرها وهي حائض فتتزر ثم يباشرها، وكان يُقبِّلها وهو صائم، وكان من لطفه وحُسن خلقه مع أهله أنه يُمكِّنها من اللعب ويُريها الحبشة وهم يلعبون في مسجده وهي مُتكئة على منكبيه تنظر، وسابقها في السَّفر على الأقدام مرتين، وتدافعا في خروجهما من المنزل مرة".

إن الفطرة جعلت المرأة مَطلباً للرجل، والرجل مَطلباً للمرأة، وكلاهما يميل إلى الآخر بل ينهم إلى الآخر مهما كان سلطانه ومهما كانت شخصيته.

وإن الواقع يشهد بأن هناك من يُفخِّخ العلاقة بين الرجل والمرأة للحد الذي جعل كل طرف يتمرد على الآخر وينعته بما ليس فيه، وهذا ليس من الدين بشيء.

إن الواقع يشهد بأن هناك من يُفخِّخ العلاقة بين الرجل والمرأة للحد الذي جعل كل طرف يتمرد على الآخر وينعته بما ليس فيه، وهذا ليس من الدين بشيء

الطريق إلى قلب الزوجة

1. إن (الطريق إلى قلب الزوجة) زوج يعلم أن الله تعالى شرَّع الزواج وجعل الحكمة منه السَّكن والمودة والرحمة للزوجين وأن كل هذه الأمور لا تشترى ولو بكنوز الأرض ولكنها تنمو وتترعرع بفضل الله تعالى ومشيئته، ثم بحُسن المعاشرة ودماثة الخلق وبشاشة الوجه والثناء الحسن.

2. زوج يُقدِّر مشاعر زوجته وحاجتها إلى حبه وعطفه وحنانه فيكون عوناً لها، يسعى في خدمتها ويكون في مهنتها، فإن قيام الزوج ولو بأبسط الأمور داخل بيته بنية مساعدة الزوجة يشرح صدرها، ويدخل السرور والبهجة على قلبها، وتعدّ صنيعه هذا دلالة حب وتقدير منه لها .

3. زوج يفهم معنى القوامة ولا يجعلها سيفاً مُسلطاً على رقبة زوجته، ولا يمُن عليها بما يقدمه لها من حقوقها ولا ينسى أن هذا ليس تفضلاً منه بل من أوجب الواجبات عليه.

4. زوج "يلاعبها وتلاعبه، كما قال النبي - ﷺ - لجابر - رضي الله عنه: "هَلَّا تَزَوَّجْتَ بكْراً تُلَاعِبُهَا وتُلَاعِبُكَ" (صحيح البخاري).

5. زوج يُخصِّص لزوجته وقتاً للسمر والتنزه، فمهما كانت مشاغله فلن يكون أكثر شغلاً من النبي ﷺ الذي لم يغفل عن هذا الجانب.

6. زوج يمتدح زوجته، ويُصرِّح بحبها، ويجعل لها كُنية تحب أن يناديها بها، ويُطرب أذنيها بالكلام الطيب وإن كان مُبالغاً في كلامه.

7. زوج يعلم أنه سيُسأل بين يدي ربه عن رعاية أهله، وأداء حقوقها، وتقويم سلوكها، وحفظ دينها.

8. زوج يعرف لزوجته قدرها وفضلها، ويُعلِي أمام الناس شأنها، ويُحسن تربية ولدها، ويتزين لها ويعرف كيف يَعفها.

9. زوج يُخفِض الجناح ويقبل المِزاح، ليِّن الخطاب وعذب الجواب، يعاملها بالروية ويفاجئها بالهدية، لا يشهِّر ولا يعنِّف بل يُقيل العثرات وينسى الهفوات.

10. زوج لا يُصادر رأي زوجته ولا يزدري شخصيتها، ولا يحملها من المسؤولية ما لا تطيق، ولا يُقحمها في مجال يمتهن أنوثتها ويحط من قدرها.

11. زوج يُقيم أمر الله في نفسه قبل أن يُلزم به أهله، فبركة الطاعة لا تضارعها بركة، وشؤم المعصية لا يدانيه شؤم، وبقدر استقامة الزوج تستقيم زوجته وتهنأ معيشته.

12. زوج لا يُفْرِط في غيرته، ولا يتخوّن زوجته، فتتحول حياته إلى جحيم، وكذلك لا يتهاون في تقويم الخلل ولا يتركه حتى يضرب بجذوره في سويداء قلبها فيستعصي عليه تقويمه وتهذيبه.

13. زوج يُشعر زوجته أن البيت هو مملكتها التي تتربع على عرشها فلا يعيب ذوقها، ولا ينتقص من قدر جُهدها، بل يُكثر من المدح والثناء، وإن كان لا محالة ناصحاً فليقدم بين يدي نصيحته لطف الحديث وبلاغة العبارة، ولا يُصرِّح بما يكفي فيه التلميح.

14. زوج لا يجعل نفسه مع أهل زوجته في ميزان واحد فالمرأة تحبُّ أن تكسب زوجها ولا تخسر أهلها.

15. زوج يعرف أطوار حياة زوجته وضعف جسدها وتقلب مزاجها وتعب نفسها، ويعلم أن الله تعالى قد قدَّر لها ذلك وأسقط عنها بعض العبادات وبعض الفرائض في الأيام التي تعتريها فيها هذه الحالات فيُخفف عنها أوامره ولا يُكثر من طلباته؛ رحمة بها وطاعة لله وطمعاً في ثوابه ورضاه.

16. زوج يكسر الروتين والرتابة دون تجاوز، ويُحطم النمطية دون تهاون، ويجدد حياته دون ابتداع، ولا يبخل بمشاعره الجياشة تجاه زوجته في الأحوال والمعاملات والمناسبات.

17. زوج يتمتع بالذكاء الاجتماعي والذكاء العاطفي، لا يرافق زوجته كظلها فيلغي شخصيتها ويطفئ لهيب لهفتها، ولا يبتعد عنها طويلاً فتنسى دوره وتغفل فضله وتكفر عشرته.

18. زوج يًحكِّم عقله، ويكظم غيظه، ويكف أذاه، ويكون حليماً عند غيرة زوجته وطيشها، يعرف متى يتكلم دون تعنيف، ومتى يصمت دون غفلة ولا تفريط، فكم من المشكلات يكون علاجها بالصمت أوقع ، وما صمت النبي ﷺ في حادث الإفك عنا بغريب.

19. زوج يعدل بين نسائه -إن كان متزوجاً من أكثر من واحدة - ولا يميل لإحداهن على الأخرى، ولا يُحرِّش بينهما بتأجيج لهيب الغيرة فيقعد ملوماً محسوراً.

20. زوج يدعو لزوجته ويُسمعها الدعاء فينشرح صدرها وتطيب نفسها ولا تنساه من دعائها.

21. زوج يشكو همومه لزوجته ويستشيرها في أدق أموره ويُقدِّر رأيها.

22. زوج يُغدق على زوجته من الحب والحنان ويترك لها العنان لكي تعبر عن حبها وتقضي وطرها قولاً وفعلاً دون أن يخدش حياءها ودون أن يُفشي سِرَّها.

23. زوج يُمهل زوجته حتى تتزين له فلا يفاجئها فيرى منها ما لا يسره ثم يعايرها بذلك.

24. زوج واضح صريح فيما يخص القواسم المشتركة التي تخص حياتهما من نفقة ووظيفة وأسلوب تربية الأبناء، … الخ.

25. زوج يطرح عيوبه قبل مزاياه على طاولة النقاش؛ كي لا تفاجأ الزوجة منه بما يُعكِّر صفو حياتهما وكي تبنى الحياة بينهما على ما هو واضح وصريح ومريح.

26. زوج يرضى بما قسمه الله له، ولا يمد عينيه إلى زوجات غيره ولا إلى غير زوجته من عموم النساء طلباً للذة فانية، ولا يهدد زوجته بالطلاق فينزغ الشيطان بينهما فتنقلب حياتهما جحيماً.

وأخيراً، أقول للزوج

لا بد أن نعرف أنه ليس هناك ما هو متفق عليه في المشاعر الإنسانية؛ فالقلوب ليست قوالب جامدة، وبصمات القلوب تختلف من زوجة لأخرى ؛ فهناك من يبهرها الذهب والماس بينما تجد أخرى لا تطلب سوى العاطفة الجياشة والحب والاحتواء والإحساس، واللبيب هو من يُفرِّق بين هذه وتلك، والخاسر هو من يضع الذهب والماس في موضع العاطفة والإحساس.

وأقول للزوجة

سعيدة كل السعادة من لديها زوج به ولو الحد الأدنى من كل هذه الصفات، فالنفس البشرية تفنى ولا تصل للكمال.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

شاهد أيضاً

العفو والتسامح ضوابط ومفاهيم

من الملاحظ أنه في بعض مواسم الطاعات تنتشر النداءات مُطالبة المسلمين بالعفو والتسامح والمصالحة وإصلاح …