خدعوك فقالوا: لا تتكلم في السياسة!

الرئيسية » بصائر الفكر » خدعوك فقالوا: لا تتكلم في السياسة!
politics

عن أبي أمامة الباهلي -رضي الله عنه- أن النبي ﷺ قال: "لَتُنتَقَضَنَّ عُرَى الإسلامِ عُروةً عُروةً فكلَّما انتُقِضَتْ عُروةٌ تشبَّث النَّاسُ بالَّتي تليها فأوَّلُهنَّ نقضاً: الحُكمُ وآخِرُهنَّ: الصَّلاةُ" (صحيح ابن حبان).

إن كلمة #السياسة من الكلمات التي تلقي بظلال من التوجس والريبة في نفوس العوام من الناس للحد الذي يجعلهم لا يخوضون فيها، بل للحد الذي يجعلهم يُوْصُون المُقربين منهم بعدم الخوض فيها؛ ظناً منهم أن الخوض في هذا المجال من موارد التهلكة التي يجب تجنبها بل الفرار منها فرار الصحيح المُعافى من المجذوم.

فما هي السياسة؟

السياسة تعني رعاية شؤون الدولة الداخلية والخارجية، والعمل على حُسن إدارة الموارد المُتاحة وعدالة توزيعها، والتصرف فيها بالشكل الذي يعود بالنفع على الدولة، وبما لا يخل بالمعتقدات، ولا بالقانون العام، ولا يضر بالأعراف السائدة المتفق عليها.

إن السياسة العامة للدولة تتم عن طريق تحقيق أهداف ضمن خطط أفراد وهيئات ومؤسسات ومنظمات ونخب تعمل كلها تحت مظلة الدولة وفي إطار توجهاتها، وذلك على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي.

السياسة تعني رعاية شؤون الدولة الداخلية والخارجية، والعمل على حُسن إدارة الموارد المُتاحة وعدالة توزيعها، والتصرف فيها بالشكل الذي يعود بالنفع على الدولة، وبما لا يخل بالمعتقدات، ولا بالقانون العام، ولا يضر بالأعراف السائدة المتفق عليها

إن من ضمانات نجاح سياسة أية دولة هو وجود جهات رقابية تتسم بالموضوعية التامة لمُحاسبة المُقصر والأخذ على يد من يخرج عن الإطار العام حسب ما أقره القانون والدستور ، دون الالتفات إلى توجهات ولا أيدولوجيات ولا غيرهما.

حين تتحقق كل هذه الأمور تصبح بمثابة "عقد اجتماعي" مُلزم للجميع دون الالتفات إلى توجهات ولا أيدولوجيات ولا غيرهما، كذلك.

إن كل ما سبق هو ما ينبغي أن يكون، ولكن الواقع يقول أن العلماء والفلاسفة يتباينون في مفهومهم للسياسة تبايناً كبيراً، وسنعرض هنا أمثلة نبين من خلالها هذا التباين الكبير.

مفهوم السياسة عند العلماء والأئمة والفلاسفة

إن كل مجتمع له سياسته الخاصة التي تصاغ وفق أهداف أفراده، حسب ما لديهم من علم، وحسب العقيدة التي يعتنقونها، وحسب ما يطمحون إلى تحقيقه والوصول إليه . وسنعرج هنا على بعض النماذج.

1. مفهوم السياسة عند ابن خلدون: "... تعني تحمل مسئوليّة العامّة والأفراد على مُقتضى النظر الشرعيّ في مصالحهم الدنيويّة والأُخرويّة الراجعة إليّها؛ لأنّ أحوال الدنيا وما فيها يرجع كلَّه عند الشَّارِع على اعتبارها ترتبط بالمصالح الأُخرويّة، وهي في الحقيقة خِلافة يضعها صاحب الشرع في الأرض لحراسة الدين وسياسة الدنيا به".

2. مفهوم السياسة عند مكيافيللي: "... تعني مجال الصراع بين الأفراد وبين الجماعات الذي يؤدي إلى اللجوء لكل الوسائل المشروعة، وغير المشروعة فالحاكم يجب أن يكون مُستعد لتوظيف ولتشغيل كل الأساليب وكل الطرق لحل ذلك الصراع، فعليه أن يكون قوياً كالأسد وماكراً كالثعلب حسب مُقتضيات الظروف ومُجريات الأحداث، كما يمكنه أن يلجأ إلى القوانين والأخلاق إذا كان ضمان السلطة يتطلب ذلك، وهكذا تصبح جميع الوسائل مُباحة لضمان السلطة وممارستها فالغاية تبرر الوسيلة".

3. يقول المقريزي في كتاب "المواعظ والاعتبار": "والسياسة نوعان: سياسة عادلة تُخرج الحق من الظالم الفاجر، فهي من الأحكام الشرعية، عَلِمَها من عَلِمَها، وجَهِلَها من جَهِلَها، وقد صنّف الناس في السياسة الشرعية كتباً متعدّدة، والنوع الآخر سياسة ظالمة، فالشريعة تحرّمها".

4. يقول الشهيد حسن البنا في "رسالة نظام الحكم": "والحكومة في الإسلام تقوم على قاعدة معروفة مقررة، هي الهيكل الأساسي لنظام الحكم الإسلامي، فهي تقوم على مسؤولية الحاكم ووحدة الأمة واحترام إرادتها ولا عبرة بعد ذلك بالأسماء والأشكال".

مما سبق يتضح لنا أن البون شاسع بين مفهوم العلماء والأئمة والفلاسفة للسياسة حسب الفكر التي ينطلقون منه والعقيدة التي يعتنقونها.

السمات العامة للسياسة الناجحة

إن السياسة الناجحة هي التي تهدف إلى:

1. تحقيق مصلحة البلاد والعباد حاضراً ومستقبلاً، والمصلحة هنا يجب ألا تخضع لهوى ولا تصطدم بشرع.

2. أن يكون من بين أولويات السياسة الناجحة "سد الذرائع" والتأكيد على أن "درء المفسدة مُقدم على جلب المنفعة ".

3. أن تراعي "المصالح المُرسلة" فهي تدور مع الزمان حيث دار؛ كي لا يصيبها الجمود ولا تفقد صلاحيتها، دون المساس بالقواعد والأصول.

أن تراعي (فقه المقاصد - وفقه الواقع - وفقه الموازنات - وفقه الأولويات - وفقه التغيير... إلخ)؛ كي لا تؤتى من داخلها، ولا تكون لقمة سائغة لمن لا يفهم المقاصد، ولا تكون مَطية ذلولا لمن يريد أن يمتطي ظهرها، ويعبث بهويتها، ويُبدِّد مُقدراتها، ويهدد مستقبل أجيالها.

يقول الإمام الغزالي رحمه الله: "واعلم بأن الشريعة أصل والملك حارس، وما لا أصل له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع".

السياسة والمفاهيم الخاطئة

إن من يتصدرون المشهد السياسي من أجل أهواء ومصالح شخصية أو من أجل أجندات داخلية أو خارجية ولا يُعيرون للشعوب اهتماماً، يُصدِّرون للعوام مفاهيم مغلوطة عن العمل السياسي ليغرسوا في أذهان الناس أن السياسة رجس من عمل الشيطان لا يمارسها مُصلح ولا يُعوِّل عليها داعية ولا يقترب منها من أراد السلامة من الأذى، فيظل الدين مجرد طقوس كهنوتية حبيسة المساجد لا صلة لها بحياة الناس وواقعهم.

إن هذه المفاهيم المغلوطة مثل (لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين - السياسة نجاسة - من تحزَّب فقد خان)، إلى غير ذلك من العبارات التي يتلقاها الناس بألسنتهم دون أن يُعمِلوا فيها عقولهم، فتترسخ في معتقداتهم، وتتوارثها الأجيال، والهدف من ذلك كله هو أن يظل المجال خالياً لأصحاب الأهواء والمصالح والأجندات، وأن يظل العوام كالأنعام السائمة التي لا تملك من أمر نفسها شيئاً.

إن الهدف من نشر هذه المفاهيم المغلوطة مثل: (لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين - السياسة نجاسة - من تحزَّب فقد خان)، إلى غير ذلك من العبارات، هو أن يظل المجال خالياً لأصحاب الأهواء والمصالح والأجندات، وأن يظل العوام كالأنعام السائمة التي لا تملك من أمر نفسها شيئا

ولكي نرد على كل هذه المزاعم الباطلة سيكون الرد في نقاط مختصرة إتماماً للفائدة.

1. إن ابتعاد الدعاة والمصلحين وعموم الناس عن السياسة يزيد المشكلات تأزماً وتفاقماً  وإلا ما دعا الإسلام إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بل وجعله السبب الأول لخيرية الأمة!

2. إن ابتعاد الدعاة والمصلحين وعموم الناس عن السياسة يترك الساحة للمنتفعين والانتهازيين يملؤونها بمزيد من السلبيات والنجاسات -حسب وصفهم- ويجعل الأوطان والمجتمعات لقمة سائغة للطامعين.

3. إن السياسة مثلها مثل أي نشاط بشريّ، يدخله الأنجاس فينجِّسُونه ويدخله الطّاهرون فيطهّرونه، ولو أننا قمنا بإغلاق كل غرفة متسخة وهجرها، ما وجدنا مكاناً يأوينا.

إن السياسة مثلها مثل أي نشاط بشريّ، يدخله الأنجاس فينجِّسُونه ويدخله الطّاهرون فيطهّرونه، ولو أننا قمنا بإغلاق كل غرفة متسخة وهجرها، ما وجدنا مكاناً يأوينا

4. إن من ينظر إلى نظم السياسة في العالم يدرك أنه لا توجد حياة كريمة للشعوب بدون أحزاب تتنافس في الإصلاح والإبداع وإظهار أفضل ما لديها من طاقات وإمكانيات من أجل المصلحة العليا للوطن والمواطنين ومن أجل إثبات أهليتها وأحقيتها بأن تتصدر المشهد السياسي للبلاد.

5. إن من ينظر إلى نظم السياسة في العالم يدرك كذلك أنه كلما ازداد القهر والاستبداد، كلّما تقلص دور الدعاة والمصلحين في الجانب السياسي، وانتقل نشاط البعض منهم إلى "الأنفاق المُظلمة" فيتلقفهم من يجندونهم لأهداف ومطامع ليست من الدين ولا من السياسة في شيء.

6. إن من ينظر في أحوال الأمم السابقة يجد أن "بني إسرائيلَ كانت تسوسُهم الأنبياءُ كلَّما مات نَبيٌّ قام نَبي" (صحيح ابن حبان) فهل يُعقل أن ننعت السياسة بما نسمعه الآن من نعوت وأوصاف! أو أن ننعت من يعملون بالسياسة بما نسمعه الآن من نعوت وأوصاف!

7. إن الممارسات السياسية الصحيحة تهدف إلى إعلاء المصلحة العامة، وتهدف إلى دفع الضرر، ومحاربة الفساد، والعمل بأخف الضررين، ولا يمكن لعاقل أن يصف كل ذلك بأنه عمل لا أخلاقي أو عمل نجس ، وطالما ظلت الممارسة السياسية في إطارها الصحيح فهي اجتهاد بشري قابل للصواب والخطأ طالما توفر الحرص والإخلاص وحسن النية والأخذ بالأسباب.

8. إن كل ما سبق ليس دعوة لانخراط الجميع في العمل السياسي فالسياسة كأي مجال من مجالات الحياة لها رجالها الذين يُجيدون فنونها ويعرفون دروبها ويسْبرُون أغوارها، فمن توفرت فيه الأهلية فليُقدِم غير مُكترث بما يُثار حول السياسة من لغط، ومن لم تتوفر فيه الأهلية فليتحول إلى غيرها.

جاء في "فتح الباري" لابن حجر رحمه الله: "أن عمر كان يرى جواز ولاية المفضول مع وجود الفاضل، والذي يظهر من سيرة عمر في أمرائه الذين كان يؤمِّرهم في البلاد، أنه كان لا يراعي الأفضل في الدين فقط بل يضم إليه مزيد المعرفة بالسياسة مع اجتناب ما يخالف الشرع منها، فلأجل هذا استخلف معاوية والمغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص مع وجود من هو أفضل من كل منهم في أمر الدين والعلم، كأبي الدرداء في الشام وابن مسعود في الكوفة".

يقول الدكتور أحمد الريسوني رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين: "من تديَّن ولم يتسيّس؛ فقد ترهبن، ومن تسيَّس ولم يتديَّن؛ فقد تعَلْمَن، ومن جمع بينهما؛ فقد تمكَّن".

ويقول رئيس وزراء تركيا ورئيس حزب الرفاة "نجم الدين أربكان" رحمه الله: "الإسلاميون الذين لا يهتمون بالسياسة، يحكمهم سياسيون لا يهتمون بالإسلام".

أخيراً أقول

إن حياة النبي ﷺ لم تخل يوماً من ممارسة السياسة التي تمثلت في مجملها في مقابلة الوفود، وإبرام التحالفات والعهود، وإقامة الحدود، وإرسال الرسائل للملوك لتعريفهم بالإسلام ودعوتهم إليه، وتمثلت كذلك في صياغة دستور المدينة، وتجييش الجيوش وقيادتها في الغزوات، كل ذلك جنباً إلى جنب مع باقي مجالات العمل الدعوي والاجتماعي حتى أسس النبي ﷺ دولة قوية مُهابة الجانب غطت الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها، بل وهددت عروش ملوك الفرس والروم، وبدون الشق السياسي الذي مارسه النبي ﷺ في صدر الإسلام لوئد الإسلام في مهده.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

شاهد أيضاً

الحركات الإسلامية وأزمة “التضاد” مع الدولة الوطنية… كيف عالجها الإسلام؟

كانت فترة الثورات الشعبية التي شهدتها عددٌ من الدول العربية -فيما عُرِفَ بـ"الربيع العربي"، والسنوات …