في ذكرى فتح مكة: العفو المُطلق فساد مُطلق

الرئيسية » خواطر تربوية » في ذكرى فتح مكة: العفو المُطلق فساد مُطلق
makkah

إن المناسبات الإسلامية عندما تهل علينا ذكراها فلا بد من أن ننهل من مَعينها، وننعم بعبقها وشذاها، ولا نجعلها تمر علينا مرور الكرام دون أن تحيي فينا موات القلوب وتصحح المعوج في فهم العقول.

تهل علينا هذه الأيام ذكرى فتح مكة حيث كانت في 20 رمضان 8هـ الموافق 10 يناير 630م.

إن مقدمات فتح مكة بدأت مع أول نزول الوحي حين قال ورقة بن نوفل للنبي ﷺ: "يا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، أكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ. فَقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: أوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟ فَقالَ ورَقَةُ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بمِثْلِ ما جِئْتَ به إلَّا عُودِيَ، وإنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا" (صحيح البخاري).

والبشارة بفتح مكة ساقها الله تعالى حين خرج النبي ﷺ مُهاجراً، وقال: "ما أطيبَكِ مِن بلدةٍ وأحَبَّك إليَّ ولولا أنَّ قومي أخرَجوني منكِ ما سكَنْتُ غيرَكِ" (صحيح ابن حبان)، حينها بشر الله تعالى نبيه ﷺ بقوله: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} [القصص: من الآية 85].

فتح مكة

جاء فتح مكة بعد أن انتهكت قريشٍ بنود صلح الحديبية وذلك بإعانتها لحلفائها من قبيلة بني بكرٍ ضد قبيلة خزاعة، الذين كانوا حلفاء المسلمين في ذلك الوقت. ردّاً على خرق قريش لبنود صلح الحديبية جَهَّزَ النبي ﷺ جيشاً قوامه عشرة آلاف مقاتل لفتح مكة.

خرج النبي ﷺ قاصدًا مكة وكان ذلك يوم الأحد الموافق العاشر من رمضان في العام الثامن للهجرة ووصلها يوم الأربعاء الموافق 20 رمضان، أي بعد 10 أيام.

خطط النبي ﷺ أن تقوم قواتُ المسلمين بدخول مكةَ من جهاتها الأربع في آنٍ واحدٍ، ليكون ذلك ضربةٌ قاضيةٌ لقريش، بأن يتم تشتيت قوتهم وتفريق جهدهم فلا يستطيعوا منع المسلمين من دخول مكة.

نجحت خطة المسلمين في دخول مكة من ثلاث جهات دون مقاومة تذكر إلا أن المنطقة الرابعة التي توجه إليها خالد بن الوليد رضي الله عنه تجمع فيها بعضُ رجال قريش ومنهم صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو وغيرهم مع بعض حلفائهم في مكان اسمه "الخندمة" وتصدوا للمسلمين بالسِّهام، فما كان من خالد بن الوليد رضي الله عنه إلا أن أصدر أوامره بالانقضاض عليهم والفتك بهم، وبذلك تمت السيطرةَ الكاملة على مكة.

بعض الأحاديث الصحيحة التي وردت في فتح مكة والتي تبين لنا تفاصيل ربما غابت عن الكثيرين:-

1- عن سعدٍ بن أبي وقاس رضي الله عنه قالَ: "لما كان يوم فتح مكة أمَّن رسول الله ﷺ الناس إلا أربعة نفر وامرأتين وقال: اقتلوهم وإن وجدتموهم معلقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس ابن صبابة، وعبد الله بن أبي سرح.... إلى نهاية الحديث" (رواه بن الملقن بإسناد صحيح).

2- عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسولَ اللهِ ﷺ دخَل عامَ الفتحِ وعلى رأسِه المِغفَرُ، فلما نزَعَه جاء رجلٌ فقال: إن ابنَ خَطَلٍ مُتعَلِّقٌ بأستارِ الكعبةِ، فقال: (اقتُلوه) (صحيح البخاري).

3- عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا دخلَ مكَّةَ سرَّحَ الزُّبيرَ بنَ العوَّامِ وأبا عبيدةَ بنَ الجرَّاحِ وخالدَ بنَ الوليدِ على الخيلِ وقالَ يا أبا هريرةَ اهتِفْ بالأنصارِ قالَ اسلُكوا هذا الطَّريقَ فلا يشرِفنَّ لكم أحدٌ إلَّا أنمَتُموه فنادى منادٍ لا قريشَ بعدَ اليومِ فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ من دخلَ دارًا فهوَ آمِنٌ ومن ألقى السِّلاحَ فهوَ آمنٌ وعمدَ صناديدُ قريشٍ فدخلوا الكعبةَ فغصَّ بهم وطافَ النَّبيُّ ﷺ وصلَّى خلفَ المقامِ ثمَّ أخذَ بجنبتيِ البابِ فخرجوا فبايَعوا النَّبيَّ ﷺ على الإسلامِ " (صحيح أبي داود) .

4- وفي الحديث الذي رواه الأشبيلي في (الأحكام الصغرى): "ولجأتْ صناديدُ قريشٍ وعظماؤُها إلى الكعبةِ يعني دخلوا فيها قال فجاءَ رسولُ اللَّهِ ﷺ حتَّى طافَ بالبيتِ فجعلَ يمرُّ بتلكَ الأصنامِ ويطعنُها بسِيةِ القوسِ ويقولُ (جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهوقًا) حتَّى إذا فرغَ وصلَّى جاءَ فأخذَ بعُضَادَتيِ البابِ ثمَّ قال يا معشرَ قريشٍ ما تقولونَ قالوا نقولُ ابنُ أخٍ وابنُ عمٍّ رحيمٌ كريمٌ. ثمَّ أعادَ عليهمُ القولَ ما تقولونَ قالوا مثلَ ذلِك قال فإنِّي أقولُ كما قال أخي يوسفُ (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) فخرجوا فبايعوهُ على الإسلامِ" (أشار في المقدمة أنه صحيح الإسناد).

* من خلال ما سبق من أحاديث نخلص إلى أن ما تم يوم فتح مكة كان كما يلي :

1- تأديب أوباش قريش الذين تصدوا للمسلمين في الجهة التي دخل منها خالد بن الوليد رضي الله عنه ومن معه فأمر بالانقضاض عليهم والفتك.

2- الحكم بقتل أكابر المجرمين (أربعة نفر وامرأتين) وقال: "اقتلوهم وإن وجدتموهم معلقين بأستار الكعبة"، كما رأينا في الحديث.

3- تحييد عموم المشركين وجمعهم في أماكن حددها لهم النبي ﷺ، من دخلها كان آمناً (من دخل دارَ أبي سفيانَ فهو آمنٌ. ومن ألقى السلاحَ فهو آمنٌ. ومن أغلق بابَه فهو آمنٌ) وكانت موافقتهم على امتثال الأمر بمثابة الأسر.
- كان الهدف من الإجراءات الثلاثة هو أن يتضح المُحارب من المقاتل، وأن تزول كل العوامل التي تمنع الناس من اتباع فطرتهم التي فطرهم الله عليها واتخاذ قرارهم بالدخول في الإسلام من عدمه عن اختيار وقناعة، ودون خوف من أحد ودون إكراه ولا إجبار.

- وكان الهدف كذلك ألا يكون العفو مُطلقاً لأن (العفو المُطلق فساد مُطلق).

* إن من يقوم بالعفو المطلق في مثل هذه المواقف كمن يقوم بتضميد جُرح وبه ما به من قِيح وصديد، فلا يلتئم أبداً.

- السؤال هنا، من أين جاء لفظ الطلقاء؟ ومن هم الطلقاء؟

* الطلقاء ـ جمع طليق: وهو الأسير الذي أطلق عنه إساره، وخلِّي سبيله.

- يقول ابن أبي حديد في شرح "نهج البلاغة": "الطلقاء: كل من دخل عليه رسول الله ﷺ عنوة بالسيف فملكه، ثم منَّ عليه عن إسلام أو غير إسلام فهو من الطلقاء، وكذلك كل من أسر في حرب الرسول ﷺ، ثم امتن عليه بفداء أو غير فداء فهو طليق" أهـ.

إن عبارة "اذهبوا فأنتم الطُّلَقاءُ" يتم يتداولها على أنها وردت عن النبي ﷺ لمشركي قريش أثناء فتح مكة، والحقيقة أنه لم يرد حديث صحيح به هذه العبارة، ولكن من أطلقهم النبي ﷺ بعد تحييدهم، وأسرهم في أماكن حددها لهم، ثم قام بإطلاقهم، اكتسبوا صفة "الطلقاء" وسموا بـ "الطلقاء" نتيجة لهذا الموقف، وكان عددهم ألفي شخصاً.

1- "اذهبوا فأنتم الطُّلَقاءُ" (حكم الألباني بضعف الحديث في السلسلة الضعيفة 1163).

2- "يا معشرَ قريشٍ ما ترَونَ أنِّي فاعلٌ بكم؟ قالوا: خيرًا، أخٌ كريمٌ، وابنُ أخٍ كريمٍ، فقال: اذهبوا فأنتم الطُّلَقاءُ" (قال الألباني: ليس له إسناد ثابت، وهو عند ابن هشام مُعضل).

3- "معشر قريشٍ، ما ترون أني فاعلٌ بكم؟ قالوا: خيرًا، أخٌ كريمٌ وابنُ أخٍ كريمٍ! قال: فإني أقولُ لكم ما قال يوسفُ لإخوتِه: لا تثريبَ عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاءُ" (حكم الألباني بضعف الحديث في فقه السيرة 382).

- يقول الإمام بن تيمية رحمه الله: " فإن قوله: (من دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل داره فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن) كلها ألفاظ معناها (من استسلم فلم يقاتل فهو آمن ولهذا سماهم الطلقاء كأنه أسرهم ثم أطلقهم كلهم) أهـ.
- وقال أيضاً: "الطلقاء فإنهم آمنوا عام فتح النبي مكة قهراً، وأطلقهم ومنّ عليهم، وأعطاهم وتألفهم" أهـ.

* تتمة للقول لا بد أن نعرف أن لفظ "الطلقاء" لا يطلق على هؤلاء فقط بل يطلق أيضاً على من تشملهم الشفاعة يوم القيامة.

- عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "يفتقدُ أهلُ الجنةِ ناسًا كانوا يَعرفونَهم في الدُّنيا فيأتونَ الأنبياءَ فيَذكرونَهم فيشفعونَ فيهم، فيشفعونَ، يقالُ لهم: الطلقاءُ، وكلُّهم طُلقاءُ، يُصبُّ عليْهِم ماءُ الحياةِ" (رواه السيوطي في البدور السافرة بإسناد حسن).

* انسحاب الطلقاء من غزوة حنين
- عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ اتَّخَذَتْ يَومَ حُنَيْنٍ خِنْجَرًا، فَكانَ معهَا، فَرَآهَا أَبُو طَلْحَةَ، فَقالَ: يا رَسولَ اللهِ، هذِه أُمُّ سُلَيْمٍ معهَا خِنْجَرٌ، فَقالَ لَهَا رَسولُ اللهِ ﷺ: ما هذا الخِنْجَرُ؟ قالَتْ: اتَّخَذْتُهُ إنْ دَنَا مِنِّي أَحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، بَقَرْتُ به بَطْنَهُ، فَجَعَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَضْحَكُ، قالَتْ: يا رَسولَ اللهِ، اقْتُلْ مَن بَعْدَنَا مِنَ الطُّلَقَاءِ انْهَزَمُوا بكَ؟ فَقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: يا أُمَّ سُلَيْمٍ، إنَّ اللَّهَ قدْ كَفَى وَأَحْسَنَ" (صحيح مسلم).

أخيراً أقول:
إن عفو النبي ﷺ عن فئة الطلقاء من أهل مكة ليس عملاً يسيرًا على النفس وقد بدر منهم ما بدر تجاه النبي ﷺ وتجاه صحابته الكرام، فالأمر حقاً يتطلب قوة نفسية عالية، ومقدرة روحية فائقة، خاصة أن النبي ﷺ لم يُخيِّرهم بين الإسلام مع العفو وبين البقاء على ما هم عليه مع الأسر والذل، بل عفا عنهم بلا قيد ولا شرط ليبين لهم مدى سماحة الإسلام، وليكون لنا أسوة حسنة في ضبط النفس في مقابل مصلحة الدعوة.

اللهم ألهمنا رشدنا وأنر بصيرتنا وبصرنا واحشرنا في زمرة نبينا ﷺ

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

شاهد أيضاً

الزواج بين الغاية والوسيلة

نعم الله علينا أجلّ من أن تحصى ونحن كبشر فينا ما فينا من ضعف وقصور …