ماذا نقرأ لأطفالنا.. ماذا نقرأ لأنفسنا!

الرئيسية » بصائر الفكر » ماذا نقرأ لأطفالنا.. ماذا نقرأ لأنفسنا!
cair1_2

تبدأ هذه الأيام دورة معرض القاهرة الدولي للكتاب الحادية والخمسين، ومع كل موسم من مواسم المعرض الأكبر والأهم في العالم العربي والشرق الأوسط، تتداعى إلى الذهن العديد من التساؤلات لدى المهتمين والمثقفين بما سوف يسعى إلى الحصول عليه من أوعية المحتوى المختلفة، المقروءة والمرئية والمسموعة، المقدمة من جانب الناشرين في المعرض.

ويترافق مع المعرض هذا العام العديد من الفعاليات الثقافية الأخرى التي تفتح المجال واسعاً أمام كل الباحثين عن المعلومة والفكرة، قضية كيفية التخطيط للإنفاق على المحتوى بأنواعه المختلفة، وأهمها معارض سور الأزبكية بوسط العاصمة المصرية، وفي ضاحية المعادي، بسبب وجود صعوبات في مشاركة المكتبات المتخصصة في بيع الكتب القديمة والمستعملة في المعرض بعد نقله من مقره القديم في مدينة نصر، إلى القاهرة الجديدة.

في هذا الإطار، تظل القاهرة، ولمدة شهر، من منتصف يناير وحتى منتصف فبراير، مساحة واسعة لعرض مئات الآلاف من العناوين والكتب، بين قديم ومستعمل وجديد، وعدد مماثل من المحتوى الملائم للوسائط الإلكترونية.

وهذا "الازدحام" في المعروض، واتساع رقعة المناسبات، على طول وعرض القاهرة، تتفاقم مشكلة الاختيار، ولا سيما إذا ما كان الأمر مرتبطاً بحالة من عدم القدرة على توفير تمويل كافٍ للشراء، فيبدأ الإنسان بالتدقيق فيما سوف يشتريه.

في هذا الإطار، تطرح كل عام -وفي كل مناسبة مماثلة في عالمنا العربي والإسلامي، وحيث يعيش العرب والمسلمون في أي مكان من العالم- قضية عامة مهمة غير مرتبطة بالحدث، ولكن الحدث أو المناسبة يفتح النقاش بشكل أكثر عمقاً واتساعاً حولها، وهي قضية ماذا نقرأ، وماذا يقرأ أطفالنا وماذا نقرأ لهم.

وفي الحقيقة أنه أولاً تختلف مسألة "ماذا يقرأ أطفالنا" هذه عن مسألة "ماذا نقرأ لهم"؛ فالقراءة في الأساس برغم أنها فعلٌ تربوي وتثقيفي، وبالتالي فهو يدخل في إطار دور الأسرة والمدرسة ومختلف المحاضن التربوية، إلا أنها أيضاً فعلٌ حُر ، وترك المجال حرّاً أمام الأطفال والأبناء في المراحل السِّنِّيَّة المبكرة، هو في حد ذاته فعلٌ تربوي.

ولكن هذه الحرية بطبيعة الحال، لا تكون مطلقة؛ لأن هناك منظومة من الضوابط لمتابعة الطفل والمراهق فيما يقرأ؛ كي لا تحدث انفلاتات أخلاقية أو انحرافات فكرية أو عقدية، ولكن من دون إشعاره بأنه مُرَاقب أو غير موثوق فيه من جانب الأب أو الأم أو المربِّين.

الحرية في القراءة بطبيعة الحال، لا تكون مطلقة؛ لأن هناك منظومة من الضوابط لمتابعة الطفل والمراهق فيما يقرأ؛ كي لا تحدث انفلاتات أخلاقية أو انحرافات فكرية أو عقدية

وبالرغم من تباين الأولويات من فرد لآخر، بحسب نمط التفكير أو السن أو أي عاملٍ آخر، وتبدُّل هذه الأولويات من مجتمع إلى مجتمع؛ إلا أنه تبقى هناك أطرٌ عامة يمكن أن تقودنا إلى الإجابة عن هذه الأسئلة المهمة، لأن الثقافة والمعرفة، وفي القلب منها القراءة والاطلاع، هي مصدر القوة الأساسي، وصانعة الحضارات .

ولكن من نافل القول في البداية، التأكيد على أن تكون اتجاهاتنا في القراءات العامة، تخدم أهدافاً مركزية، مثل الجانب الأخلاقي والسلوكي، وزيادة المحتوى المعرفي وتوسيع المدارك، وتحسين مستوى الفهم والتنوير، كلٌّ بحسب سِنِّه سواء فيما يخص الاطلاع، أو فيما يخص نوعية المحتوى، أي سواء أكان الوسيط كتباً ورقية أو إلكترونية، أو كُتباً مصوَّرة، أو اسطوانات رقمية، أو غير ذلك.

فمن المعروف أن القراءة -وبالذات في سنٍّ مبكِّرة- هي من أهم الأمور التي تساعد في تشكيل وتوسيع مدارك الإنسان، وفهمه للحياة من حوله.

من المعروف أن القراءة -وبالذات في سنٍّ مبكِّرة- هي من أهم الأمور التي تساعد في تشكيل وتوسيع مدارك الإنسان، وفهمه للحياة من حوله

ومن المهم أن نقول هنا إنه لا ينبغي أن تكون هناك تحيُّزات مسبقة في اختيار الوعاء الذي ننهل منه المعلومات والمعارف، فليس معنى أنني في العقد الرابع أو الخامس من العمر، أن أستنكِف عن مطالعة المحتوى المصوَّر، سواء أكان قصصاً أو محتوىً علميّاً.

واللافت هنا ويدعم وجهة النظر هذه، أن هناك الكثير من الأدباء ودور النشر، أصدروا "كوميكسات" في قضايا مهمة، وتخص الكبار، مثل إصدارات الهيئة المصرية العامة للكتاب ودار الشروق القاهرية في السنوات الأخيرة عن جمال حمدان وتشي جيفارا، أو حرب رمضان/ أكتوبر 1973م، وغيرها من الرموز والأحداث السياسية والثقافية.

وبشكل عام؛ فإن قضية السن أو المؤهل التعليمي، لا ينبغي لها أن تحكمنا وتحكم اختياراتنا في هذا المجال.

أما لو أتينا إلى التخصيص ودقائق الأمور؛ فإننا كعربٍ ومسلمين، تفرض علينا المرحلة الراهنة منظومة من الأولويات، على رأسها كل مصدر أو محتوى يمكن أن يساهم في تحديد هويتنا بصورة حقيقية، وترسيخ هذه الهوية في نفوس الصغار والنشء منذ البداية.

وأهمية هذه العملية في أننا - وبعد الاستقلال عن الاستعمار الأوروبي المباشر - باتت أنظمة التعليم في بلداننا العربية والمسلمة بعيدة في نقطة تكريس الهوية هذه، وخصوصاً في العقود الأخيرة التي شهدت الكثير من التردي والانحطاط في أداء الحكومات والأنظمة لواجباتها.

وبالتالي، فإن هناك ضرورة لإيلاء أهمية وأولوية لقضية الهوية فيما نقرأ، وفيما نمارس من مناشط بشكل عام في حياتنا، اليومية، وفي سياقاتها طويلة المدى.

هناك ضرورة لإيلاء أهمية وأولوية لقضية الهوية فيما نقرأ، وفيما نمارس من مناشط بشكل عام في حياتنا، اليومية، وفي سياقاتها طويلة المدى

ويشمل هذا الأمر تعريف الطفل والمراهق، ومراجعة معلومات الكبار أيضاً، عن دينهم: عقيدةً وعبادات ومعاملات، وكيفية بناء حياة كاملة وفق التصور الإسلامي للأمور.

ومن البديهي في هذا السياق، أن نبتعد فيما نقرأ ونطالع، عن المادة أو المحتوى الذي يدعم الغزو الثقافي والفكري، ويساند رسالة التغريب والعلمنة في مجتمعاتنا، وبالذات عند النشء الجديد .

ينقلنا هذا إلى نقطة مهمة، وهي ضرورة أن نكون في قراءاتنا على قدر من التركيز فيما يخص نقطة الاطلاع على واقع قضايا الأمة، سواء في الجانب المعرفي، أو في الجانب المتعلق بالتوجيه، أي ماذا نفعل وكيف نفعله إزاء هذه القضية أو تلك.

ولعل أبرز مجال أرى في الوقت الحالي أنه من الأهمية بمكان تدعيم القراءات فيه، بمختلف صنوف المحتوى، بحسب السن والمستوى التعليمي والفكري، هو الجانب التاريخي؛ لأن غبار السياسة وصراعات الأنظمة والجماعات المنتسبة إلى الدين، أصاب الكثير من الأمور في تاريخنا بغبشٍ ثخين، كان له أسوأ الأثر في نقطة هويتنا هذه.

كذلك يجب الاهتمام هنا بنقطة شديدة الأهمية، وهي توفير بنية معرفية تقود إلى تشكيل أخلاق وسلوك الأطفال والناشئة بالشكل الذي ينفي الاتهامات الموجهة إلى المشروع الإسلامي، والقرآن الكريم والسُّنَّة النبوية ، مثل تعزيز قيم التسامح وقبول الآخر، وقيم الحوار البيني وبشكل عام، ونبذ العنصرية والتطرف، وكل ما لحق بنا وبثقافتنا من شوائب في الفترات السابقة.

وبكل أسف نشير في هذا الموضع من الحديث، إلى أن هناك بعض التقصير في مجال النشر من جانب الدور والهيئات الإسلامية، وبخاصة في مجال المادة المقدمة للطفل والناشئة، ولكن ذلك له الكثير من الأسباب، من بينها ما هو خارج عن إرادة دور النشر، مثل الأوضاع السياسية والأمنية القائمة في كثير من بلداننا العربية.

وفي الأخير، تبقى نصيحة على أكبر قدر من الأهمية، وهي ربما التي فيها لُب عنصر الأثر الإيجابي المطلوب في مختلف الاتجاهات، الأخلاقية والمعرفية... إلخ، من القراءة والاطلاع، وهي ضرورة التدقيق في موضوعية وكفاءة المادة أو الوسيط المختار، وهو أمر يتطلب الكثير من الجهد في البحث قبل اتخاذ قرار الشراء.

وهنا تبرز قيمة الخبرة السابقة، والاستعانة بالمواقع الإلكترونية المتخصصة والبيبلوجرافيات الجامعية الموثوق فيها، وغير ذلك من المصادر التي يمكن الركون والاطمئنان إليها في هذا الصدد.

إذاً، المهمة ليست بالسهلة. فهل أنت مستعدٌ لها، لأجل تحقيق أكبر استفادة ممكنة من موسم وفرة الكتب والأسعار الجيدة؟ سؤال أنت فقط الذي تستطيع الإجابة عنه!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

الحركات الإسلامية وأزمة “التضاد” مع الدولة الوطنية… كيف عالجها الإسلام؟

كانت فترة الثورات الشعبية التي شهدتها عددٌ من الدول العربية -فيما عُرِفَ بـ"الربيع العربي"، والسنوات …