مشاريع الإصلاح في الشرق الأوسط

الرئيسية » كتاب ومؤلف » مشاريع الإصلاح في الشرق الأوسط
كتاب مشاريع الإصلاح في الشرق الأوسط - غلاف أمامي

خاضت الساحة السياسية والأكاديمية العربية جدلاً كبيراً في مرحلة ما بعد اندلاع ثورات ما يُعرَف بـ "الربيع العربي"، وبالتحديد عقب الأزمات الأمنية والسياسية التي ضربت بأطنابها عدداً من دولنا العربية على خلفية الصراعات التي نشأت بين أطراف عديدة داخل هذه الدول، حول الطرف المسؤول عن هذه الأزمات التي وصلت إلى مستوى حروب أهلية قادت إلى تمزيق مجتمعات وتفكيك دول على النحو الذي نراه في سوريا واليمن وليبيا.

وتسود صورة ذهنية شائعة روَّجتها دوائر حاكمة عن أن مسؤولية ذلك تقع على الشعوب التي ثارت للمطالبة بحقوقها، في تغافل كامل عن حقائق الوضع على الأرض، والواقع السياسي الذي كان موجوداً قبل هذه المرحلة.

فالشعوب التي خرجت للمطالبة بحقوقها، لا تملك السلاح الذي هدمت به المدن وقتل الناس، بينما الجماعات المسلحة التي خاضت معارك ضد بعض الدول وأنظمة الحكم في المنطقة العربية، لم تصنعها الشعوب، وإنما هي صنيعة دول كبرى لها مصالحها القديمة في العالم العربي والشرق الأوسط.

وفي حقيقة الأمر، فإن هناك الكثير من الدراسات والكتب ذات المنهجية العلمية المُحَكَّمة، أنتجت في مرحلة ما قبل اندلاع هذه الثورات، تكشف عن أمرَيْن -على أكبر قدر من الأهمية- في حسم هذا الجدل. الأمر الأول/ التحذير من وجود عوامل انفجار كامنة في المجتمعات العربية بسبب سلوكيات أنظمة الحكم، ومن أن هناك أطرافاً دولية تتربَّص لاستغلال الفرصة.

الأمر الثاني/ أن هناك أطرافاً سياسية ومجتمعية بذلت جهداً عميقاً من أجل تقديم رؤية إصلاحية لتفادي هذا المصير الذي حتمته طبائع الأشياء وفق كل قوانين الاجتماع السياسي.

ولكن هذا وذاك، لم يجد أية أذنٍ صاغية من الأنظمة الحاكمة.

والكتاب الذي بين أيدينا (مشاريع الإصلاح في الشرق الأوسط... بين طموحات الشعوب ومصالح الدول الكبرى: دراسة تحليلية مقارنة) على أكبر قدر من الأهمية في إثبات ذلك.

مع الكتاب

الكتاب -في الأصل- عبارة عن أطروحة دكتوراه قدمها المؤلف (وهو الأكاديمي السوري/ الدكتور أحمد إبراهيم الورتي) إلى كلية القانون والسياسة بالجامعة البريطانية (ICIS) في لندن، عام 2009م، وطبعت في العام 2010م، إلا أن الناشرَيْن وجدا ضرورة كبيرة لنشرها في كتاب بعد ما جرى في العالم العربي في العامَيْن التاليَيْن، لحسم هذا الجدل.

الكتاب منضبط بالمنهجية العلمية بطبيعة الحال، ولذلك فيه جانب كبير نظري، استغرق نصف فصول الكتاب الأربعة، مع المقدمة والخاتمة.

الفصل الأول/ وجاء في ثلاثة مباحث رئيسة، تناول فيه الورتي الأسس النظرية العامة للإصلاح، ولكنه لم يُستَغرق في الجوانب النظرية بشكل كامل؛ فقد تناول بعض النماذج والمدارس الفكرية في الإصلاح، بين العالم العربي والإسلامي، مثلما جاء به جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي وإقبال، وبين المدارس الغربية، مثل الماركسية والدياليكتيكية، ثم يفرد للإصلاح من المنظر الإسلامي مجالاً خاصة، بالذات فيما يتعلق برؤية الإسلام للإنسان والوجود أو الكون، وللتاريخ.

ولعل أهم الدروس المستفادة من هذا الفصل، هو أنه أكد على أن الإصلاح وأفكاره ليس أمراً طارئاً على أمتنا العربية والإسلامية، بل هو دائماً في صُلْب اهتمام المفكرين والقوى السياسية والاجتماعية الموجودة.

الإصلاح وأفكاره ليس أمراً طارئاً على أمتنا العربية والإسلامية، بل هو دائماً في صُلْب اهتمام المفكرين والقوى السياسية والاجتماعية الموجودة

الفصل الثاني/ كان نظريّاً ولكن في المجال التطبيقي الجيوسياسي؛ فقد تناول فيه مفهوم منطقة الشرق الأوسط، لجهة مكوناته السياسية والاجتماعية أو القومية، وأهميتها، والتحولات السياسية التي حصلت فيه، وخصوصاً في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة.

الأمر المهم في هذا الفصل: هو أن العالم العربي والشرق الأوسط قد ورث الكثير من الأزمات التي "حرصت" القوى الاستعمارية والقوى الكبرى التي سادت العالم على أن تكون موجودة لضمان إضعاف المنطقة ودولها، لضمان تبعيتها بالتالي.

العالم العربي والشرق الأوسط قد ورث الكثير من الأزمات التي "حرصت" القوى الاستعمارية والقوى الكبرى التي سادت العالم على أن تكون موجودة لضمان إضعاف المنطقة ودولها، لضمان تبعيتها بالتالي

بدءاً من الفصل الثالث، يبدأ الجزء التطبيقي المهم من الكتاب، وهو الشرق الأوسط في ظل مشاريع الإصلاح؛ فهو يقدم ثبتاً دقيقاً في خمسة مباحث لكل مبادرات الإصلاح السياسية والاجتماعية التي طرحت في المنطقة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة -أي منذ التسعينيات الماضية- وارتبطت بانفجار الغزو العراقي للكويت وما قاد إليه من نتائجه.

فيقدم المشروع الأمريكي "للإصلاح"، والذي تنوَّعت مساقاته وإن لم تختلف في المحتوى، منذ ظهور مشروع المحافظين الجدد في العام 1997م، وحتى مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي طرحته إدارة بوش الابن الثانية، في العام 2006م، ضمن تضاعيف أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، وكلها كانت في الواقع تهدف إلى تغيير الواقع السياسي والمجتمعي للمنطقة لضمان عدم تكرار ما جرى في ذلك اليوم.

كذلك قدم المؤلف في مبحث مستقل المبادرات الأوروبية للإصلاح، بدءاً من مشروع برشلونة الذي طرح في نوفمبر من العام 1995م، ومشروعات الشراكة الأورو متوسطية التي قادتها فرنسا، والمبادرات المشتركة بين فرنسا وألمانيا، كما قدم تصوراً حول المشروعات التي تضمنتها الرؤى الصهيونية التي طرحت استجابة لعملية مدريد 1991م وعملية أوسلو 1993م وما بعدها.

وكلها كانت مشروعات تستهدف تحقيق شراكة من نوع ما مع المنطقة، وليس إصلاحها من الداخل، وكانت في الحالة الأوروبية تستهدف أسواق المنطقة وتحقيق الأمن جنوبي المتوسط، وفي الحالة الصهيونية، كانت تستهدف التطبيع من بوابة الاقتصاد، وبالذات وفق الرؤية التي طرحها شيمون بيريز، الذي تولى في العام 1995م رئاسة الحكومة الصهيونية بشكل مؤقت.

في العام 2004م، طرح ما عرف بالمشروع العربي للإصلاح ممثلاً في "وثيقة الإسكندرية"، والتي دارت حول الإصلاح الديمقراطي، وتمكين المجتمع المدني والقطاع الخاص، وإطلاق الحريات، وإجراءات إصلاحات سياسية ودستورية، وإصلاح هياكل الدول ومؤسساتها السياسية، الرسمية وغير الرسمية، ولكنها بطبيعة الحال لم ينفذ أي شيء منها.

المشروع الإسلامي للإصلاح، تناوله الكاتب فيما طرحه الإخوان المسلمون في مصر وفي دول عربية أخرى، وكانت تدور حول المكونات السابقة التي لم تختلف مبادرات الإصلاح عليها، ولكنها جميعاً لم تلقَ أية استجابة من جانب الحكومات والأنظمة العربية.

الفصل الرابع/ مستقبل الإصلاح في الشرق الأوسط، ربما لم يقدِّم صورة مثلى؛ لأن ما جرى بعد ذلك كان مفاجئاً في مضمونه وتطوراته، ولكن المؤلف أجاد التعبير عن التحديات والمعطِّلات التي تواجه الإصلاح في المنطقة، وكانت على رأسها عوامل سياسية وثقافية واجتماعية كامنة في داخل مجتمعاتنا ودولنا العربية والإسلامية، وتشكِّل خللاً بنيويّاً في الأنظمة السياسية والاجتماعية القائمة، ويتحمل مسؤوليتها طرفان: الأول/ القوى الاستعمارية والقوى التي توارثتها، والثاني/ الأنظمة التي حكمت بعد الاستقلال، ولم تسع إلى ترسيخ دولة القانون والمؤسسات والمواطنة.

الخرائط والملاحق احتلت جانباً ضخماً من الكتاب (حوالي 150 صفحة) فقد تضمَّنت نصوص وثائق عديدة ساهمت في رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، مثل اتفاقية "سايكس - بيكو"، وأبرز وأهم مشروعات الإصلاح التي طرحت منذ منتصف التسعينيات وحتى نهاية العقد الأول من الألفية الجديدة.

وفي الأخير - فإنه بكل تأكيد - فأن الكتاب يقدم إجابة وافية على سؤال: مَن المسؤول عمَّا جرى ولا يزال يجري في العالم العربي!

بيانات الكتاب:

اسم المؤلف: د. أحمد إبراهيم الورتي
عنوان الكتاب: مشاريع الإصلاح في الشرق الأوسط... بين طموحات الشعوب ومصالح الدول الكبرى: دراسة تحليلية مقارنة
مكان النشر: دمشق - أربيل (العراق)
الناشر: دار الزمان للطباعة والنشر والتوزيع - التفسير للنشر والإعلان
تاريخ النشر: 2012م
الطبعة: الطبعة الأولى
عدد الصفحات: 575 صفحة من القطع الكبير

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

أهمية السيرة النبوية في ثقافة الداعية

تُعد السيرة النبوية الدستور التطبيقي لتعاليم الشريعة الإسلامية، والوعاء الدقيق لعملية الدعوة، وبالتالي فهي من …