أوسلو وسُلطتها وأركان جريمة “صفقة القرن”!

الرئيسية » بصائر الفكر » أوسلو وسُلطتها وأركان جريمة “صفقة القرن”!
palestine

ليس افتئاتًا أو من قبيل المبالغة، تحميل السلطة الفلسطينية مسؤولية الموقف الراهن؛ حيث إن هناك العديد من الحقائق الموضوعية التي تفرض ذلك، وعلى رأسها الجانب القانوني.

فمهما كان دور الفصائل الفلسطينية، ومهما كانت قدراتها وكذا؛ إلا أنه تبقى أن السلطة الفلسطينية هي الطرف الوحيد المُخَوَّل قانونًا بالحديث باسم الشعب الفلسطيني، والتحرُّك باسم القضية الفلسطينية.

ويعود ذلك إلى أن السلطة منبثقة عن سلسلة الاتفاقيات التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية مع الكيان الصهيوني في مطلع التسعينيات الماضية، والتي عُرفَتْ باسم اتفاقيات أوسلو، ومنظمة التحرير، هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني منذ العام 1974م، سواء أمام جامعة الدول العربية أو الأمم المتحدة.

هذه الشرعية القانونية تمنح السلطة العديد من الأدوات التي تعطيها قدرة أكثر من غيرها على التأثير والعمل من أجل الحفاظ على حقوق الشعب الفلسطيني والتصدي للتحديات الجِسام للقضية الفلسطينية على مستوى المجتمع الدولي.

ويدعم من ذلك أن هناك موقفًا آخذًا في الاتساع لدى الحكومات الأوروبية وبعض القوى الدولية الأخرى، بأن هناك ضرورة للوصول إلى حلِّ، ولو على الأقل ما يمكن أن نطلق عليه حلَّ الحد الأدنى للقضية الفلسطينية، وهو الحل الذي يدور حول إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًّا على أراضي الـ67 وعاصمتها القدس الشرقية.

وهذا ليس لاعتبارات أخلاقية عند هذه الحكومات؛ فيما يتعلق بـ"حرصهم" على حقوق الفلسطينيين، وإنما لاعتبارات موضوعية بحتة، تتعلق بمصالحهم.

ومن بين هذه الاعتبارات، اعتبارات تتعلق بمصالح أمنهم القومي بالمعنى القريب، في ظل الفوضى التي ضربت العالم بالكامل بفعل أزمات الشرق الأوسط منذ غزو العراق في العام 2003م، وحتى الآن، ولاسيما نقطتَيْ موجات الهجرة غير المشروعة، وموجات العنف المسلح التي اجتاحت غالب هذه البلدان.

وبالتالي؛ فإن هذه الدول صاحبة مصلحة أصيلة في الوصول إلى تسويات لكافة أزمات وحروب الشرق الأوسط، ومن بينها القضية الفلسطينية.

الدول الأوروبية صاحبة مصلحة أصيلة في الوصول إلى تسويات لكافة أزمات وحروب الشرق الأوسط، ومن بينها القضية الفلسطينية، لاعتبارات تتعلق بمصالح أمنهم القومي بالمعنى القريب، في ظل الفوضى التي ضربت العالم بالكامل بفعل أزمات الشرق الأوسط

وهذا ما يفسِّر رفض بلدان الاتحاد الأوروبي وحتى بريطانيا التي كانت السبب المباشر في تمكين المشروع الصهيوني في فلسطين، لمختلف القرارات التي أخذتها حكومات بنيامين نتنياهو المتعاقبة، وإدارة ترامب، سواء فيما يخص القدس أو ما يخص المستوطنات والاستيلاء الصهيوني على أراضي الـ67 الذي يضعها المجتمع الدولي كأساس لتسوية فلسطينية مع الكيان الصهيوني.

العنصر الآخر المهم الذي يجعل من السلطة الفلسطينية الأقدر على الحركة، ويرتبط بكونها الظهير السياسي القانوني لمنظمة التحرير، أنها تضمن دعم المنظمة التي تملك السيطرة على أرصدة مالية ضخمة، والمالية العامة الفلسطينية، بالإضافة إلى الذخيرة البشرية التي تنضوي أسفل نطاق التنظيمات والحركات التي تكوِّن هيكلية المنظمة، وعلى رأسها بالطبع حركة "فتح".

إذًا، فهي تملك الشرعية القانونية والمشروعية الجماهيرية والسياسية التي تمكِّنها من الحركة بشكل فعَّال، ولكن.. كيف تحرَّكت السلطة الفلسطينية؟!.. بشكل لا كبير؛ فإن السلطة الفلسطينية لم تفعل أي شيء سوى الحفاظ على اتفاقيات "أوسلو" وملحقاتها الأمنية والاقتصادية، بالصورة التي حققت مصالح الكيان الصهيوني ، ولاسيما في نقطتين هما من أهم ما يكون.

النقطة الأولى، هي ضمان عدم خروج مقاومة مسلحة في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967م، بعد أن أعلنت منظمة التحرير وعمودها الفقري، حركة "فتح"، بشكل رسمي، نبذ خيار المقاومة المسلحة، وتقييد بل ومشاركة الكيان الصهيوني في حصار المقاومة المسلحة عندما اشتد عودها في قطاع غزة.

النقطة الثانية، وهي نابعة من النقطة الأولى، أن هذا الهدوء الذي وفَّرته السلطة الفلسطينية، وتقاعسها عن المطالبة ولو بالأمور التي نصَّت عليها اتفاقيات "أوسلو"، مكَّن الكيان الصهيوني، وبالذات في عهد حكومات اليمين التي قادها بنيامين نتنياهو، من تنفيذ مخططات قديمة لم يكونوا في طاقة الاستطاعة تنفيذها ما لم تسبغ عليها السلطة الفلسطينية حمايتها بموجب الاستسلام للأمر الواقع.

الهدوء الذي وفَّرته السلطة الفلسطينية، وتقاعسها عن المطالبة ولو بالأمور التي نصَّت عليها اتفاقيات "أوسلو"، مكَّن الكيان الصهيوني، وبالذات في عهد حكومات اليمين التي قادها بنيامين نتنياهو، من تنفيذ مخططات قديمة لم يكونوا في طاقة الاستطاعة تنفيذها ما لم تسبغ عليها السلطة الفلسطينية حمايتها بموجب الاستسلام للأمر الواقع

ولا يمكن هنا قبول تعلُّل السلطة الفلسطينية أو منظمة التحرير بأي شيء مما يُقال عن ضعف أو عدم قدرة أو ما شابه. فعلى سبيل المثال؛ فإنه من المعروف أنه، وحتى الآن، فإن حركة "فتح"، ومن خلال احتكارها لمنظمة التحرير بقدراتها السياسية والاقتصادية، ووضعها القانوني، قادرة على تهريب الأسلحة والأموال إلى قياداتها في المخيمات الفلسطينية في لبنان.

والجريمة الأكبر في هذا كله، هي التنسيق الأمني الذي منع عاملاً من أهم العوامل الذي كان يمكن أن يزعزع استقرار الاحتلال في مناطق الـ67 على أقل تقدير ، وهو المقاومة الشعبية المسلحة، والتي عندما كانت حُرَّة الحركة في قطاع غزة، وفي جنوب لبنان، قادت إلى خروج الاحتلال مدحورًا من هنا وهناك.

إن الوضع الطبيعي في مثل هذه الأحوال؛ أن تكون هناك قوة احتلال غاشمة تسعى في إطار مشروع استيطاني إقصائي؛ أن تكون المقاومة الشعبية المسلحة هي المتصدرة المشهد، في ظل اختلال موازين القوى على المستوى الرسمي.

وهي خبرة عايشتها منظمة التحرير؛ حيث إن الكفاح المسلح -وهو مصطلح غزا العالم- مرتبطٌ بالفلسطينيين، منذ الستينيات وحتى التسعينيات، كان أحد العوامل التي أجبرت الكيان الصهيوني على الاعتراف بمنظمة التحرير والجلوس والتفاوض معها، بل كان الباعث الأساسي للصهاينة لجذب المنظمة إلى هذه المنطقة من أجل تقييد الكفاح المسلح باتفاقيات ملزِمة، ثم اتضح أنها مُلزِمة للفلسطينيين فقط بسبب سلوك سلطة أوسلو!

كان الكفاح المسلح أحد العوامل التي أجبرت الكيان الصهيوني على الاعتراف بمنظمة التحرير والجلوس والتفاوض معها، بل كان الباعث الأساسي للصهاينة لجذب المنظمة إلى هذه المنطقة من أجل تقييد الكفاح المسلح باتفاقيات ملزِمة، ثم اتضح أنها مُلزِمة للفلسطينيين فقط بسبب سلوك سلطة أوسلو

كيف كان الحال سوف يكون لو كانت المقاومة الفردية والشعبية المسلحة قد عمِلَت منذ البداية على تحقيق هدف استراتيجي بعدم تمكين المستوطنين من الاستقرار في الضفة الغربية؟!.. وقتها لم يكن نتنياهو قد وجد ما يخطط الآن لضمه من كتل استيطانية كبرى.

نفس الأمر ينسحب على منع السلطة للمقاتلين الفلسطينيين من الانطلاق من الضفة الغربية وقطاع غزة قبل سيطرة حركة "حماس" عليه في العام 2007م، لتنفيذ عمليات فدائية واستشهادية في أراضي الـ48 كما كانت تفعل "حماس" و"الجهاد الإسلامي" قبل الحصار.

لو أننا تأملنا بعينٍ فاحصة الفترة التي انقضت منذ تأسيس السلطة التي احتكرت القرار السيادي الفلسطيني، وحتى الآن؛ لوجدنا أنها بالفعل لم تقدِّم أي شيء للقضية الفلسطينية ؛ حيث السياسات المنهجية الصهيونية والمدعومة من إدارات اليمين والجمهوريين الجدد في الولايات المتحدة تمضي قُدُمًا، بسبب لعنة التنسيق الأمني، وبسبب الترويج لنموذج "المقاومة" الناعمة المتخاذلة التي بالفعل بات لها أثرٌ كبير على الأجيال الجديدة التي لم تُعاصِر فترات الكفاح المسلَّح، وانسلخت عن الفكرة ذاتها بفعل سنوات طويلة من التدجين السياسي والإعلامي.

وبلغ من سفالات القوم أن نجد كبار مسؤولي السلطة يتحدثون عن أن التنسيق الأمني –جذر الأزمات كلها– بين السلطة وبين الكيان الصهيوني، إنما هو نظير مشابه للاتفاقيات الثنائية بين الدول، كما قال ذات يومٍ، توفيق الطيراوي، مدير المخابرات العامة الفلسطينية.

ساهم في الحطِّ من المشاعر الوطنية، بالذات في أوساط الجيل الجديد –بما يحقق في الواقع مخططًا مستهدفًا ذكرته جولدا مائير ذات يوم– أن تحوَّلت السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير –على رمزيتهما– إلى بؤرة فساد علني، فضَّلت معها حكومات دول وكيانات مثل الاتحاد الأوروبي واليابان عدم منح السلطة الفلسطينية أية تمويلات نقدية ضمن مساعداتها للفلسطينيين، وإنما تنفيذ مشروعات مباشِرة.

جانب آخر من الفساد أفقد شريحة من الشباب وصغار السن إيمانهم بمؤسساتهم السيادية التي من المفترض أنها تعبِّر عنهم، وهو فساد التعيينات؛ حيث سلطة أوسلو أصبحت "منزلاً خاصًّا" يجمع أبناء شيوخ السلطة ومنظمة التحرير، وخصوصًا في الأجهزة الأمنية والإعلامية، والأجهزة الأخرى التي كان من دورها تفكيك عقيدة الولاء للوطن والأمة، وتحويلها إلى الولاء للمال والسلطة!

أصبحت سلطة أوسلو "منزلاً خاصًّا" يجمع أبناء شيوخ السلطة ومنظمة التحرير، وخصوصًا في الأجهزة الأمنية والإعلامية، والأجهزة الأخرى التي كان من دورها تفكيك عقيدة الولاء للوطن والأمة، وتحويلها إلى الولاء للمال والسلطة
في الحقيقة؛ فإن إن أزمة الفلسطينيين الكبرى، وأزمة قضيتهم ليست في قوة العدو الصهيوني أو قوَّة داعميه؛ حيث التاريخ يخبرنا أن قوى صغيرة متوحِّدة راغبة في الفداء والتضحية، قد هزمت كيانات أكبر وأقوى منها بكثير، وإنما في هيمنة طُغمة حاكمة فاسدة على مؤسسات صناعة القرار، مستفيدة من الوضع القائم، وبالتالي، فقد عمدت هذه الطغمة على الحفاظ على هذا الوضع، من خلال تقديم التنازلات تلو التنازلات للخصم والعدو الأساسي، وتكريس حالة انقسام مروعة لا يمكن معها الحديث عن مقاومة فاعلة .

وبالتالي، وبما أن الحلول تكمن في نقيض المشكلات القائمة؛ فإنه على الشعب الفلسطيني العمل من خارج نطاق مساراته المؤسسية، حتى الفصائلية المُكَبَّلة بدورها بالكثير من القيود، والانطلاق إلى أفق أوسع من العمل النضالي الفردي الذي قد يقود ذات يوم إلى عمل جماعي يبدِّل معادلة الواقع الأليم!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

كيف تعامل دعاتنا ومؤسساتنا الدينية مع أزمة كورونا المُستَجَد؟

في الواقع فإن هذا التساؤل في ظل ظروف وباء كورونا المستجد لا يتعلق بشائع التصوُّر …