السعي لإنقاذ الناس والجوهر الإنساني والأخلاقي للمنهج النبوي في الدعوة

الرئيسية » بصائر الفكر » السعي لإنقاذ الناس والجوهر الإنساني والأخلاقي للمنهج النبوي في الدعوة
dawah

يحفل المنهج النبوي في العمل الدعوي بالكثير من القواعد والأسس التي نهض عليها، وظلت ثوابت لم يحِد عنها رسولنا الكريم -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم منذ بداية البعثة وحتى وفاته عليه الصلاة والسلام.

وقد أكد القرآن الكريم على أكثر من أمرٍ فيما يخص المنهج النبوي للعمل الدعوي؛ فهو -عليه الصلاة والسلام- يتحرك بوحيٍ من ربِّه، وأن المنهج النبوي هو الأساس الذي ينبغي أن يسير عليه المسلمون في الدعوة إلى دين اللهِ تعالى ، ونشر الشريعة والتعريف بأحكامها وطرائق تطبيقها، وكيفية التعامل مع غير المسلمين، وغير ذلك من المسائل المهمة.

والأمور التي بدا في ظاهر الأمر أن القرآن الكريم عارض فيها رأياً أو فعلاً للرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- مثل ما جاء في مطلع سُورَة "عَبَسَ"، فإن ذلك كان عن حكمةٍ إلهية لاستكمال أركان المنهج النبوي في الدعوة، وخصوصاً ركنَيْن هما من أهم أركان العمل العام الناجح.

الركن الأول/ هو أن القائد -مهما كان- يمكن أن يخطئ، وبالتالي -وهذا هو الركن الثاني- وجبت المراجعة. وإذا كانت هذه القاعدة قد فرضها اللهُ تعالى على رسوله الكريم -عليه الصلاة والسلام- ذاته -وهو المعصوم والذي لا ينطق عن الهوى- فإنه من باب أولى أن يكون قاعدة يسير عليها مَن هم دونه في المكانة والقدرة والرؤية من البشر، الذين لا يتمتعون بإسناد الوحي.

ولكن لم تحظَ مختلف أركان وقواعد المنهج الدعوي النبوي بذات الاهتمام من جانب المفكرين والكُتَّاب الذين تصدَّوا لهذا الباب من العلم الشرعي؛ فغالب الحال، أن الاهتمام منصبٌّ على آليات الحركة والعمل الدعوي، ولكن من دون كثير نظر إلى الجوهر النفسي والأخلاقي الذي كان يمثل المحرِّك الأساسي للنبي -عليه الصلاة والسلام- خلال سعيه لنشر الدين.

ومن بين أهم مفردات هذا الجوهر النفسي والأخلاقي لدى الرسول -عليه الصلاة والسلام- هو سعيه إلى إنقاذ البشرية من الهلاك والحال السيء في الدنيا، والابتعاد عن عقاب النار في الآخرة.

وهو ما يعكس أولاً روحاً إنسانية نقية لا نجدها في التاريخ الإنساني، وربما لا نلقاها؛ عندما يحزن إنسان على حال البشر -أيّاً كانت هويتهم الدينية أو اللونية أو اللسانية- ويكره لهم سوء المنقلب في الدنيا والآخرة، وأن يكون مخلصاً في سعيه لإنقاذهم من دون أن يطلب في ذلك منهم جزاءً ولا شكوراً.

كما أن ذلك -وهو ما يجب على دعاتنا والعاملين في حقول العمل الإسلامي المختلفة أن يدركوه- هو جذر شديد الأهمية في رسالة الإسلام نفسه، وأن هذا واحد من أهم أركان الحكمة الإلهية من وراء إرسال الرسل وبعث الأنبياء وإنزال الكتب من لدن اللهِ عز وجل.

فالغرض الأساسي -وهو معنىً ورد واضحاً في مئات الآيات في القرآن الكريم- من وراء ذلك، هو هداية الناس من الضلال، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، وإنقاذهم من العذاب المهين في الدنيا والآخرة، وذلك من خلال منظومة مُحْكَمَة من العقيدة والأخلاق التي تضمن لهم صواب ما وَقَر في النفس من معتقد، وسلامة العمل والطرائق التي يطرقونها والطرق التي يسيرون عليها وطريقة سيرهم فيها بعملهم وسلوكهم؛ لأن الأخلاق هي الموجِّه والدليل الاسترشادي الرئيس لسلوك الإنسان وحراكه في الدنيا.

الغرض الأساسي من إرسال الرسل، هو هداية الناس من الضلال، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، وإنقاذهم من العذاب المهين في الدنيا والآخرة، وذلك من خلال منظومة مُحْكَمَة من العقيدة والأخلاق التي تضمن لهم صواب ما وَقَر في النفس من معتقد، وسلامة العمل والطرائق التي يطرقونها

وترتبط بذلك قضية مركزية هي أهم لدى الإنسان، وتخص قضية ربما غائبة عن الإنسانية كافة، ولكن تكلم عنها القرآن الكريم بوضوح، وهي قضية وجود الشيطان الرجيم وعماد أهدافه وغاياته الأساسية، هو وقبيله في الحياة الدنيا، وهي إضلال الإنسان من أجل أن يكون دائماً تعيساً شقيّاً في الدنيا، ويلقى عقاب اللهِ تعالى في الآخرة.

وهذا مرتبط بالعداء الأبدي بين الشيطان الرجيم وبين بني آدم منذ خلق آدم -عليه السلام- وتفضيل رب العزة -سبحانه- للإنسان على سائر مخلوقاته الأخرى، وتشريفه بحمل أمانة إقامة عقيدة التوحيد والاستخلاف في الأرض، فأخذت الغيرة والكِبْر بالشيطان الرجيم، فكان ما كان من أمره وأمر آدم -عليه السلام- كما فصَّل القرآن الكريم.

إذاً، فمن المفترض أن جزءاً من الهدف بل الغاية الرئيسة للرسالات والنبوءات عبر التاريخ، إنقاذ الإنسان من مهاوي الضلال الذي يقود إلى الخزي في الدنيا وعقاب النار في الآخرة .

وهذا له أبعاد إنسانية؛ لأن واحدية الأصل الإنساني، تجعل من البشر كلهم عائلة واحدة، وبالتالي؛ يجب أن يكون ما بينهم هو المودة والمصير المشترك، والخشية على الآخر من سوء العاقبة.

ولكي نتصور رحمة النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول لنا القرآن الكريم في موضعَيْن، كيف أنه -عليه الصلاة والسلام- يكاد يقتل نفسه حزناً على حال البشر، وفي سبيله لهدايتهم.

يقول تعالى عن حال رسوله الكريم -صلى الله عليه وسلم- في هذا المقام: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً} [الكهف:6]، ويقول في موضعٍ آخر: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشعراء:3].
واللفظ القرآني المُسْتَخدَم هنا لوصف حال النبي -عليه الصلاة والسلام- وهو "باخع"، وفيه الكثير من عمق المعنى لإبراز واقع الحالة الإنسانية التي تعتري الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- وهو يرى الناس في ضلالهم، وهم مهددون في مصيرهم بعقابٍ من اللهِ في الدنيا والآخر، وكيف يجد حاله وهو يدعوهم لإنقاذهم من عواقب كفرهم وابتعادهم عن الطريق السليم.

وهذه الروح الإنسانية، نجدها في الكثير من سلوكه ووصاياه -صلى الله عليه وسلم- فهو يقف ويشعر بالحزن لأجل اليهودي الذي مات؛ لأنه يعدها نفساً أفلتت منه، وذهبت إلى عذاب اللهِ تعالى.

وفي خطبة الوداع، نجده يقول الكثير في هذا الأمر، مثل "كلُّكم لآدم وآدم من تراب"، و"لا فضلَ لعربي على أعجمي ولا لعجميٍّ على عربي ولا لأبيض على أسودَ ولا لأسودَ على أبيض إلا بالتقوى".

إلا أننا في عصرنا الحالي، نجد الكثير من الخروج على هذا المنهج، بل وإصرار الخارجين عليه على أنهم يطبِّقون المنهج الإسلامي الصحيح في الدعوة، بينما هم أبعد ما يكونون عن هذا المنطق.

فهم يقتلون الآخرين باسم الدين، ويمارسون أبشع أنواع نفي الآخر غير المسلم، وعدم قبوله، بل ونفي الآخر المسلم غير المنتمي إلى التنظيم/ الجماعة/ الحركة/ المذهب.. إلخ، الذي ينتمون إليه.

وتجدهم يتألُّون على اللهِ تعالى، وعلى نبيه -عليه الصلاة والسلام- بهذا الذي يفعلونه، ويقولون إن عين الإسلام وعين المنهج النبوي للدعوة استناداً إلى فقه خاطئ، أوضح ما فيه من أخطاء، هو تطبيق الأحكام على حالات لا تنطبق عليها، ومن دون استقصاء للواقع، وبحث مختلف جوانبه.

فنجد الاستثناءات قد صارت هي أحكام الأحوال الطبيعية المعتادة، أو التطبيق من دون الوضع في الاعتبار لما أرساه الأئمة الأوائل، مثل الشافعي والشاطبي، من قواعد عن أثر اختلاف الواقع أو فقه الموازنات والمصالح المرسلة.

وشتَّان -كما تخبرنا كتب التاريخ الإسلامي، ويخبرنا الواقع الراهن الذي نعيشه- بين أثر المنهجَيْن: المنهج النبوي ومنهج بعض الجماعات التي تنسب نفسها وممارساتها للدين.

فالمنهج النبوي بشكل عام -والذي سار عليه الخلفاء الراشدون المهديون من بعده- قاد إلى قبول عالمي للإسلام، وسمح للدين بالانتشار، وأن يكون حاكماً في مختلف أنحاء العالم القديم، و يُزيل الإسلام دول الظلم والجبروت، الرومانية والفارسية، في عقود بسيطة.

أما منهج هؤلاء المارقين، فقد قاد إلى أمراض مستعصية تواجه الدعوة، وسمح لأمراض مثل الإسلاموفوبيا واضطهاد المسلمين في مختلف أنحاء العالم بالانتشار، وساند دُعاة الإلحاد والعلمانية وكارهي الدين وأعداء الأمة والمشروع الإسلامي، في رسالة الضد التي يحملونها.

إننا في أمسِّ الحاجة إلى العودة إلى دراسات ترصد الجوهر والأساس النفسي الذي حكم سلوك الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- في المجال الدعوي، والأساس التربوي والأخلاقي الذي سانده . فهذه الأمور، هي أمور تأسيسية، أي هي التي ينهض عليها باقي البنيان، وبالتالي فإن أي ضعف فيها سوف يقود إلى إضعاف البنيان ذاته، بل وهدمه!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

خطة الضَّم الصهيونية… ماذا بعد المؤتمرات الصحافية والتصريحات؟

في حقيقة الأمر، لا يحمل العنوان أيَّ غبنٍ أو انتقاص من جهد أحد؛ فنحن -بالفعل- …