شهر رجب.. مفاهيم وأفراح وأتراح

الرئيسية » خواطر تربوية » شهر رجب.. مفاهيم وأفراح وأتراح
ramadan-realmoon2

"شهر رجب شهر للزرع وشعبان شهر السَّقي للزرع ورمضان شهر حصاد الزرع". (أبو بكر الوراق البلخي رحمه الله).

ما إن يهل علينا هلال شهر رجب إلا وتهل معه نسائم الرحمة وبركة السكينة وانشراح الصدر، ولم لا، وهو أحد الأشهر الحٌرُم التي حفظ الإسلام لها حرمتها ونهي عن انتهاكها بالقتال إلا لصد المُعتدي.

إن حُرمة الأشهر الحرم جعلت الإمام الشافعي وكثير من علماء المسلمين يذهبون إلى تغليظِ دِيةِ القتيلِ في الأشهر الحُرُم.

* قال تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة:36].‏

- عن أبي بكرة نفيع بن الحارث رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ خطبَ في حجَّتِهِ فقالَ: "إنَّ الزَّمانَ قدِ استدارَ كَهَيئتِهِ يومَ خلقَ اللَّهُ السَّمواتِ والأرضَ السَّنةُ اثنا عشَرَ شَهْرًا مِنها أربعةٌ حرُمٌ ثلاثٌ مُتوالياتٌ ذو القعدةِ وذو الحجَّةِ والمحرَّمُ ورجَبُ مُضَرَ الَّذي بينَ جُمادى وشَعبانَ" (رواه أبو داود).

* ورجَبُ مُضَرَ: سبب تسمية شهر رجب بـ "رجب مُضر" أن قبيلة مُضر كانت تزيد في تعظيمه فنسب إليهم لذلك.

أولاً: فصل الخطاب فيما يُنسب لشهر رجب من عبادات وأعمال

ما إن يهل علينا هلال شهر رجب إلا وتجد أن المشمِّرين عن سواعد العبادة قد شمَّروا، وتجد العوام الذين يتعاملون مع مواسم العبادة بعاطفتهم يُروِّجون لبعض البدع بل ويضعون لبدعهم هذه فضائل وينسبونها للنبي صلى ﷺ جهلاً منهم بالدين، وهذا أقل وصف يمكن وصفهم به.

قال ابن حجر رحمه الله: "لم يرد في فضل شهر رجب، ولا في صيامه، ولا في صيام شيء منه معين، ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه حديث صحيح يصلح للحجة، وقد سبقني إلى الجزم بذلك الإمام أبو إسماعيل الهروي الحافظ، رويناه عنه بإسناد صحيح، وكذلك رويناه عن غيره" أهـ.

وقال العلاّمةُ الشوكانيُّ رحمه الله في (السيل الجرار): "لم يردْ في رجبٍ على الخصوصٍ سنّةٌ صحيحةٌ، ولا حسنةٌ، ولا ضعيفةٌ ضعفاً خفيفاً؛ بل جميعُ ما رُوِي فيه على الخصوصِ؛ إمّا موضوعٌ مكذوبٌ، أو ضعيفٌ شديدُ الضَّعفِ" أهـ.

إن كل ما سبق من أقوال ليس دعوة للتراخي في العبادة ولكن لتصحيح المفاهيم الخاطئة والتخلي عن البدع التي تلحق بشهر رجب دون أصل لها ولا سند.

إن باب شهر رجب مفتوح لاجتهاد المجتهدين ولتشمير المشمرين ولكن دون إلصاق أي اجتهاد بالشهر المبارك، ودون تقوّل على النبي ﷺ، ودون دعوة الآخرين للالتزام بعبادة دون أخرى.

إن باب شهر رجب مفتوح لاجتهاد المجتهدين ولتشمير المشمرين ولكن دون إلصاق أي اجتهاد بالشهر المبارك، ودون تقوّل على النبي ﷺ، ودون دعوة الآخرين للالتزام بعبادة دون أخرى

- جاء في كتاب (حلية الأولياء وطبقات الأصفياء) للأصفهاني رحمه الله: "قال حسان بن عطية: "ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها، ولا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة".

- وفيه أيضاً: قال أيوب السختياني: "ما ازداد صاحب بدعة اجتهاداً إلا زاد من الله بعداً".

ثانياً: رجب شهر الفتوحات والانتصارات

إن من يتتبع ما حدث من فتوحات وانتصارات للمسلمين في شهر رجب يجد عجباً، يكفينا أن نذكر بعضها للدلالة على ذلك:-

1- انتصار المسلين على الروم في غزوة تبوك

في غرة شهر رجب عام 9 هـ انتصر المسلمون على الروم في (غزوة تبوك).

ترتب على انتصار المسلمين في غزوة تبوك إعادة ترتيب موازين القوى في الجزيرة العربية حيث انكسرت شوكة الروم وانفض عنهم حلفائهم.

وترتب على انتصار المسلمين في غزوة تبوك أيضاً، خضوع النصرانية التي كانت توالي الروم حيث كتب النبي ﷺ بينه وبين النصارى كتابًا يحدد ما لهم وما عليهم.

وترتب على ما حدث في غزوة تبوك تنقية الصف المسلم وتعرية المنافقين وفضح نواياهم الخبيثة ومكرهم الدفين.

وما ميز غزوة تبوك عن سائر الغزوات هو أن الله تعالى حث المسلمين على الخروج فيها، كما عاتب الله تعالى كل من تخلفوا عن الغزوة عتاباً مريراً وتوعدهم بالعقاب الأليم، كما ورد في سورة التوبة.

2- انتصار المسلين على الروم في معركة اليرموك

كانت معركة اليرموك في نهاية خلافة أبو بكر الصديق رضي الله عنه في 5 رجب عام 15 هـ.

جاء في البداية والنهاية: "خرج جيش المسلمين بقيادة أبي عبيدة لملاقاة الروم، فلما سمع إمبراطور الروم أن الصديق قد أرسل له جيشاً غضب غضباً شديداً وقال: "والله لأُشغلنَّ أبا بكر عن أن يُورِد بعد ذلك خيلَه إلى أرضنا"، ثم جهز جيشاً لملاقاة المسلمين يزيد على مائتين وأربعين ألفاً! قرابة ربع مليون في مقابل جيش ضعيف قليل العدد والعتاد! فلما بلغ ذلك أبا بكر، وما قاله زعيم الروم لم يفتّ ذلك في عزيمته، وما كان ذلك ليُضعف الصديق ويُوْهِن قلبه وهو المستمسك بحبل الله المتين، لقد رد عليه بقوله: "والله لأشغلن النصارى عن وساوس الشيطان بخالد بن الوليد!" أهـ.

تعتبر معركة اليرموك من أهم المعارك في تاريخ المسلمين حيث كانت بداية لانتصارات المسلمين خارج الجزيرة العربية مما شجع المسلمين على التوسع في بلاد الشام بعد ذلك.

3- استرداد بيت المقدس

استولى الصليبيون على بيت المقدس فجر يوم الجمعة الموافق 15 يوليو 1099م وأحدثوا فيه من المجازر البشرية البشعة ما لا يتصوره عقل.

يقول ابن الأثير: "ولبث الفرنج في البلدة (القدس) أسبوعاً يقتلون فيه المسلمين، واحتمى جماعة من المسلمين بمحراب داود فاعتصموا به وقاتلوا فيه ثلاثة أيام… وقتل الفرنج بالمسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفاً منهم جماعة كثيرة من أئمة المسلمين وعلمائهم وعبادهم وزهادهم ممن فارق الأوطان وجاور بذلك الموضع الشريف".

ويقول غوستاف لوبون في كتاب (حضارة العرب): "وكان من أحب ضروب اللهو إليهم قتل من يلاقون من الأطفال وتقطيعهم إرَباً وشَيِّهم"أهـ.

قطع القائد صلاح الدين الأيوبي على نفسه تحرير بيت المقدس خاصة وبلاد المسلمين عامة من دنس الصليبيين.

التقى صلاح الدين بالصليبيين في معركة حطين يوم السبت 25 ربيع الثاني 583 هـ الموافق 4 يوليو 1187 م وحقق انتصارًا غالياً وعظيمًا بالنسبة للمسلمين.

كان لانتصار المسلمين على الصليبيين دور بارز في رفع الروح المعنوية للمسلمين وقدرتهم على استعادة أمجاد الماضي بل والقضاء على أكبر حركة استعمارية استهدفت بلاد المسلمين.

- ذكر الإمام الذهبي أن جيش الفرنج كان ثمانين ألفًا فيما قيل، وقتل منهم خلقٌ كثير؛ حتى قال العماد الكاتب في (البرق الشامي): "فمن شاهد القتلى يومئذ قال: "ما هناك أسير"، ومن عاين الأسرى قال: "ما هناك قتيل". وقال الذهبي: "ولا عهد للإسلام بمثل هذه الوقعة من زمن الصحابة رضي الله عنهم" أهـ.

لم تكن هزيمة الصليبيين في حطين مجرد هزيمة بالنسبة لهم بل كانت نذير شؤم بتقويض عرشهم وزوال ملكهم ونزع شوكتهم، بل وإزالة وجودهم.

لكي يسترد صلاح الدين القدس من أيدي الصليبيين قام أولاً بالاستيلاء على المدن الساحلية مثل عكا ويافا وحيفا والمعاقل القريبة لهم مثل الناصرة وقيسارية والشقيف وصفورية وغيرهم، لكي يحرم الصليبيين من قواعدهم البحرية التي تربطهم بالعالم الخارجي وبالتالي يقطع عنهم أي إمداد أو تمويل.

نجحت خطة صلاح الدين، وبالفعل استسلم الصليبيون ووافقوا على دفع الفدية بعد عدة مفاوضات، واسترد المسلمون بيت المقدس في 27 رجب عام 583هـ الموافق 2 أكتوبر عام 1187م.

يقول المؤرخ الانجليزي "ستيفن رنسمان" في كتابه (تاريخ الحروب الصليبية): "الواقع أن المسلمين الظافرين اشتهروا بالاستقامة والإنسانية، فبينما كان الفرنج منذ ثمان وثمانين سنة يخوضون في دماء ضحاياهم، لم تتعرض الآن دار من الدور للنهب، ولم يحل بأحد من الأشخاص مكروه، إذ صار رجال الشرطة بناء على أوامر صلاح الدين يطوفون بالشوارع والأبواب يمنعون كل اعتداء يقع على المسيحيين" أهـ.

ثالثاً: أسوأ ما حدث للمسلمين من انكسارات في شهر رجب هي إلغاء الخلافة الإسلامية

ظل المسلمون يعيشون أطواراً عديدة من الانتصارات والانكسارات ولكنهم كانوا إذا أصابهم انكسار سُرعان ما يُوحدوا الصفوف ويحولوا هذا الانكسار إلى انتصار، إلى أن أتى مصطفى كمال أتاتورك وقام بإلغاء الخلافة الإسلامية، وكان ذلك في يوم 26 رجب عام 1343هـ الموافق 3 مارس 1924م.

يذكر الكاتب الانجليزي "هـ.س. أرمسترونج" في كتابه (الذئب الأغبر) أن أجداد مصطفى كمال أتاتورك من اليهود الذين نزحوا من إسبانيا إلى سالونيك وكان يطلق عليهم يهود الدونمة، الذين ادعوا الدخول في الإسلام.

كان مصطفى كمال أتاتورك من العملاء الذين صنعتهم بريطانيا وغرستهم في بلاد المسلمين وصنعوا منه بطلاً وزعيماً للحد الذي اعتبره العثمانيون المنقذ لشرف الدولة العثمانية، ومدحه أمير الشعراء شوقي، فقال فيه:

الله أكبر كم في الفتح عجب *** يا خالد الترك جدد خالد العرب

فكر مصطفى كمال أتاتورك كيف يصبح زعيماً فكانت أول الخطوات لذلك هي عزل السلطان عبد الحميد الثاني وذلك بتخطيط أوروبي يهودي مع رجال (جمعية الاتحاد والترقي).

في عام 1923م تم فرض معاهدة لوزان على تركيا وكان من شروط المعاهدة : أن تقوم تركيا بقطع صلتها بالإسلام وإلغاء الخلافة الإسلامية إلغاء تاماً.

وكان من بين الشروط أيضاً، إخراج الخليفة وأنصاره من البلاد ومصادرة أموال الخليفة واتخاذ دستور مدني بدلاً من دستور تركيا القديم.

وفي عام 1924م تم نفي الخليفة العثماني وإعلان سقوط الخلافة الإسلامية التي كانت رمزاً لوحدة المسلمين وقوتهم ومنعتهم لأكثر من ألف عام.

فور وصول أتاتورك وحزبه للحكم بهذه الطريقة الغادرة قام بـ:

- تعطيل العمل بالدستور الإسلامي والعمل بالدستور المدني السويسري والقانون التجاري الألماني والقانون الجنائي الايطالي.

- إهمال التعليم الديني والشرعي وفرض التعليم المختلط بين الذكور الإناث وحظر الحجاب.

- الاعتراف بدولة لليهود في فلسطين.

- تحويل مسجد آيا صوفيا إلى متحف والحد من بناء المساجد ومنع الأذان باللغة العربية.

- استبدال الحروف العربية بالحروف اللاتينية.

هذه إطلالة سريعة ونظرة خاطفة على ما حدث في هذا الشهر الحرام المبارك من أفراح وأتراح لندرك ماذا كنا وكيف أصبحنا، عسانا أن نفكر في سبيل للخروج من هذا الوضع المتأزم للأمة الإسلامية بأسرها وما ذلك على الله بعزيز.

معلومات الموضوع

الوسوم

  • شهر رجب
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
    خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

    شاهد أيضاً

    الإسلاميون والانشغال بمعارك ثانوية

    ما أن تهدأ عاصفة الجدل حول مصير “سارة حجازي" حتى تنطلق عاصفة أخرى حول المسؤول …