معالم في الطريق لأبنائنا المُقبلين على الزواج (2-2)

الرئيسية » بصائر تربوية » معالم في الطريق لأبنائنا المُقبلين على الزواج (2-2)
marriage10

تحدثنا في الجزء الأول من هذا الموضوع -بفضل الله تعالى- عن ثلاثة من ضوابط اختيار شريك الحياة، وهي:

1. الاختيار على أساس الدين.
2. الاعتدال في النفقة وعدم المغالاة.
3. النظر إلى الفتاة بنية الخطبة والزواج، وأقوال بعض العلماء في حدود نظر الخاطب إلى المخطوبة.

وفي هذا الجزء من الموضوع سنعرِّج - بفضل الله تعالى - على باقي ضوابط اختيار شريك الحياة، وعلى أبرز الأمور التي يجب طرحها في لقاء الرؤية الشرعية.

4. التوافق الاجتماعي والثقافي

ذكرنا أن الأساس في الاختيار هو (مَن ترضَونَ دينَه وخُلقَه) من الرجال، و(فاظْفَرْ بذاتِ الدِّينِ) من النساء، وذكرنا أن الدين هو العامل المشترك في اختيار شريك الحياة .

بعد التأكد من الأساس الأول والأساسي في الاختيار يجب مُراعاة عامل التوافق بين الشاب والفتاة، والمقصود بالتوافق هنا هو التوافق الاجتماعي والثقافي، والتوافق في السن والبُنيان... إلخ؛ كي لا يكون عدم التوافق في أي من ذلك عائقاً يحُول دون استمرار الحياة الزوجية أو سبباً في تنغيصها.

إن هناك من يتزوج بفتاة ليُكمِّل بالزواج منها ما يفتقده من مال أو حسب أو نسب، أو لمجرد التشابه المهني والوظيفي بينهما، أو لمجرد أنها قريبته أو جارته، أو لوجود علاقة قوية تربط بين الأسرتين، إلى غير ذلك من الأسباب، غير أن عدم مُراعاة عوامل التوافق بين الشاب والفتاة يجعل مُستقبل الزواج في مهب الريح ، ولقد كانت قصة زواج النبي ﷺ من أم المؤمنين صفية -رضي الله عنها- نموذجاً من نماذج مراعاة التوافق الاجتماعي.

قصة زواج النبي ﷺ من أم المؤمنين صفية رضي الله عنها

عن أنسٍ بن مالك رضي الله عنه قالَ: "جُمِعَ السَّبيُ يعني بخيبرَ فجاءَ دحيةُ فقالَ يا رَسولَ اللَّهِ أعطِني جاريةً منَ السَّبيِ قالَ اذهَب فخُذْ جاريةً فأخذَ صفيَّةَ بنتَ حُييٍّ فجاءَ رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَ يا نبيَّ اللَّهِ أعطيتَ دِحيةَ صفيَّةَ بنتَ حُييٍّ سيِّدةَ قُرَيْظةَ والنَّضيرِ ما تصلُحُ إلَّا لَكَ قالَ ادعوهُ بِها فلمَّا نظرَ إليها النَّبيُّ ﷺ قالَ لَه خُذ جاريةً منَ السَّبيِ غيرَها وإنَّ النَّبيَّ ﷺ أعتقَها وتزوَّجَها" ( رواه أبو داود).

جاء في شرح الإمام النووي لهذا الحديث، قال: "قال المازري وغيره يُحتمل ما جرى مع دحية وجهين: أحدهما أن يكون ردَّ الجارية برضاه وأذن له في غيرها، والثاني أنه إنما أذن له في جارية له من حشو السبي لا أفضلهن، فلما رأى النبي ﷺ أنه أخذ أنفسهن وأجودهن نسباً وشرفاً في قومها وجمالاً استرجعها؛ لأنه لم يأذن فيها، ورأى في إبقائها لدحية مَفسدة لتميزه بمثلها على باقي الجيش، ولما فيه من انتهاكها مع مرتبتها وكونها بنت سيدهم، ولما يخاف من استعلائها على دحية بسبب مرتبتها، وربما ترتب على ذلك شِقاق أو غيره فكان أخذه ﷺ إياها لنفسه قاطعاً لكل هذه المفاسد المُتخوَّفة، ومع هذا فعوَّض دحية عنها".

5. الاطمئنان إلى القناعة الشخصية بشريك/ بشريكة الحياة وليست قناعة الوالدين أو غيرهما.

إن للعادات والتقاليد والعُرف دور كبير عندما يتقدم شاب لخطبة فتاة، تجد أن كلاهما -الشاب والفتاة- يُحاصر بسيل من النصائح والتوجيهات التي تشوِّش أسس الاختيار في ذهنهما.

إن هناك من ينصح الشاب/ الفتاة بالاختيار على أساس الدين.

وغيره يُحبِّذ التركيز على الوظيفة والمركز الاجتماعي المرموق.

وهذا يُعجبه الوجاهة والحسب والنسب.

وذاك يُرَجِّح التركيز على الجيرة أو القرابة وسابق المعرفة بعائلة الشاب/ الفتاة.

وهذه لا تتنازل عن الوسامة والشكل العام للشاب.

وتلك لا يشغلها سوى الجانب المادي الميسور... إلى غير ذلك من المقومات التي تدع الحليم حيراناً.

ليس هناك مانع من استفادة الخطيبين من آراء الآخرين وسابق معرفتهم وخبرتهم، على أن تكون هذه الاستفادة "استرشادية" تزيل الحُجُب، وتوضح ما في الأفق، والفيصل في ذلك كله التركيز على الأساس الأول (الدين) ثم (التعقل - الاستشارة – الاستخارة).

ليس هناك مانع من استفادة الخطيبين من آراء الآخرين وسابق معرفتهم وخبرتهم، على أن تكون هذه الاستفادة "استرشادية" تزيل الحُجُب، وتوضح ما في الأفق، والفيصل في ذلك كله التركيز على الأساس الأول (الدين) ثم (التعقل - الاستشارة – الاستخارة)

6. لقاء "الرؤية الشرعية" بين الشاب والفتاة

إن لقاء الرؤية الشرعية بين الشاب والفتاة له أهمية قصوى، وهذا اللقاء يكون بمعرفة أهل العروس وفي بيتها أو في بيت أحد المحارم الثقات، وبمعرفة الأهل.

تكمن أهمية لقاء الرؤية الشرعية في أن يتعرف كل طرف على الطرف الآخر تعارفاً يُمكِّنه من تكوين صورة مكتملة عن شريك حياته المستقبلي، وبناء على ذلك يكون القرار النهائي بالقبول أو بعدم القبول.

إن حسن إدارة لقاء الرؤية الشرعية ومدى الصراحة فيه يقرِّب بين وجهتي النظر ويُسهِّل كل ما بعده من إجراءات.

إن من حق أحد الأطراف أو كليهما طلب لقاء آخر أو أكثر إذا استدعى الأمر ذلك؛ لتكتمل الصورة في ذهنه وتتفق وجهتا النظر تماماً، فلا يكون هناك أي لبس أو غموض من شأنه أن يُحدث خلافات فيما بعد.

أبرز الأمور التي يجب طرحها في لقاء الرؤية الشرعية

إن لقاء الرؤية الشرعية له ضرورته وأهميته؛ لأنه يكسر الجمود ويخلق جواً من الارتياح النفسي.

النقاط التي تطرح في لقاء الرؤية الشرعية ليست استجواباً ولا مُحاكمة ولكنها تقرِّب وجهات النظر، وتخلق جواً من الألفة، وتجعل كل طرف يستأنس بالآخر ويتخذ قراراً مُتعقلاً بعيداً عن الغموض وبعيداً عن اندفاع العاطفة.

كلما كان الكلام في لقاء الرؤية الشرعية بسيطاً وعفوياً وتلقائياً دون تنميق ولا مبالغة كلما ساعد الطرفين على تكوين صورة حقيقية يمكنه من خلالها اتخاذ القرار الصائب .

يجب أن نضع في الاعتبار أن الآراء ووجهات النظر التي تطرح في لقاء الرؤية الشرعية قد تتغير كثيراً أو قليلاً بعد الزواج نتيجة للممارسة الفعلية والعملية للأمور ونتيجة للنضج الذهني فلا يجب أن نتوقف كثيراً عند الأمور الثانوية، ولا نجعلها محلاً للخلاف، بل يكفينا من هذا اللقاء أن نخرج منه بالتأكيد على الثوابت والأساسيات.

على الشاب أن يبدأ اللقاء بالحديث عن نفسه أولاً ليرفع الحرج عن الفتاة لما تتصف به من حياء ومن عدم القدرة على التعبير عما يدور بداخلها بسهولة.

وأبرز نقاط لقاء الرؤية الشرعية تتلخص في:

أ) أن يستحضر كل طرف النية الطيبة قبل اللقاء الشرعي وأن يُقدِم عليه دون تصورات خيالية بعيدة عن الواقع، ولا قرارات مُسبقة، ودون مقارنات بأصدقاء ولا أقارب ولا غيرهما.

ب) أن يعرف كل طرف تصور الطرف الآخر عن مفهوم الزواج بصفة عامة، ومفهوم القوامة بصفة خاصة، قال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء:34] والصفات التي يتمناها كل طرف في شريك حياته.

ج) التعرف على المُيول الفكرية والهوايات الشخصية والأنشطة الاجتماعية لبعضهما البعض.

د) الاتفاق على الخطوط العامة لمفهوم الأسرة وكيفية إدارتها، وحدود تدخل الأهل في شؤونهما وفي اتخاذ القرارات المصيرية في حياتهما.

هـ) أن يتعرف كلا الطرفين على الخطوط الأساسية التي يتمسك بها الطرف الآخر، مثل (الحجاب - النقاب - الإنجاب - عمل المرأة - الذمة المالية للمرأة - الادخار - مساعدة الوالدين مادياً - المعيشة مع الوالدين - السفر والاغتراب - حدود التعامل مع المحارم وغير المحارم... إلخ).

و) أن يعرف كلا الطرفين الحالة الصحية للآخر، وهل هناك مرض مزمن أو وراثي أو إعاقة جسدية أم لا؛ لأن إخفاء مثل هذه الأمور يُعد من الغش والتدليس ويخل بالتوافق والاتفاق وقد يكون مُبرراً لإنهاء العلاقة فيما بعد.

ز) الاتفاق على سقف الإنفاق المادي في إتمام مراسم الخطبة والزفاف وتجهيز بيت الزوجية وكذلك الأساسيات التي يجب مراعاتها في هذا الشأن.

ح) الاتفاق على الحد الأقصى لفترة الخطوبة، وضوابط العلاقة بين الطرفين في الخروج والمناسبات والأعياد... إلخ.

ط) أن يحكي كل طرف للآخر كيف يقضي يومه بشيء من التفصيل للمعرفة الأدق عن الطباع والميول والعادات... إلخ.

ي) الحرص على ألا يتطرق النقاش إلى تفاصيل مُحرجة أو تجعل الطرف الآخر يتهرب منها أو تجعله يرفض أن يستمر في النقاش.

ك) الحرص على سرِّية ما يدور في اللقاء وعدم ذكر تفاصيله لمن لا يهمهم الأمر ولا يعنيهم.

ل) أن يضع كل طرف منهما في ذهنه أن الواقع بعد إتمام الخطبة قد يختلف قليلاً أو كثيراً عما فهمه أو استنتجه أو قرَّره وبناء على ما يحدث في فترة الخطبة يكون القرار النهائي بإتمام العقد من عدمه.

م) أن تكون هناك مرونة في تقبل الآراء والردود بما لا يُعقد الأمور، وما يصْعُب الحصول عليه من معلومات بالنقاش المباشر يمكن الحصول عليها من المقربين الثقات.

ن) إن كل ما سبق من نقاط يجب أن تطرح بفطنة وكياسة ولباقة وأن يفهم كلا الطرفين أن وضع النقاط على الحروف من البداية من شأنه تذليل العقبات وحل المشكلات التي قد تطرأ فيما بعد.

س) يجب أن نفهم أن هذه النقاط استرشادية للاستئناس بها والبناء عليها، يُضاف إليها أو يُحذف منها أو تعدَّل حسب ظروف كل فرد، وحسب ما لديه من معلومات مُسبقة عن الطرف الآخر، وحسب طبيعة الحوار.

ع) أن يوقن كل طرف أن المجالس بالأمانات فلا يُفشي سراً، ولا يعيب خلقاً، ولا ينم ولا يغتاب.

وأخيراً أقول للشاب: إن الخطبة ليست مُبرراً ولا مُسوغاً يُبيح لك ما يُبيحه الشرع للزوجين فكن على قدر المسئولية التي حمَّلك أهل المخطوبة إياها وكن رجلاً أميناً.

وأقول للفتاة: إن الخطبة ليست فانوساً سِحرياً لتحقيق الأمنيات والأحلام فلا تثقلي كاهل خطيبك بالطلبات فتجعليه يَمَلَّكِ أو يندم على الارتباط بك.

وللطرفين أقول: إن الزواج ليس مجرد وجبة تنتهي بحُلوها ومُرها، بل نظاماً غذائياً متكاملاً ومتجانساً يمتد بامتداد الحياة، وعشرة دائمة، وميثاقاً غليظاً هدفه قول الله تعالى: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ} [الزخرف:70] وأمام هذه النية الطيبة تتلاشى العقبات وتسهل التضحيات وتكون الحياة الزوجية في أبهى صورها.

معلومات الموضوع

الوسوم

  • الخطبة
  • الزواج
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
    خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

    شاهد أيضاً

    العفو والتسامح ضوابط ومفاهيم

    من الملاحظ أنه في بعض مواسم الطاعات تنتشر النداءات مُطالبة المسلمين بالعفو والتسامح والمصالحة وإصلاح …