معالم في الطريق: للمُقبلين على الزواج (1-2)

الرئيسية » بصائر تربوية » معالم في الطريق: للمُقبلين على الزواج (1-2)
rings-marriage30

قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21].

إن الفطرة التي فطر الله عليها الكائنات هي حب التزاوج والتناسل، ومن بين هذه الكائنات الإنسان الذي سما بهذه الغاية لتكون في أبهى صُورها وهذا ما تميز به الإنسان عن بقية الكائنات.

إن الإنسان ينشد من الزواج تحصيل المودة والرحمة والاستقرار والهدوء والسكينة، كما ينشد الارتواء العاطفي، والتوافق الفكري، والزاد الإيماني، والتكامل الحياتي، والانسجام النفسي.

عندما يكون الزواج بهذه الطريقة ولهذه الغاية يعزف الزوجان معاً مقطوعة واحدة على آلة واحدة من نوتة واحدة ينتج عنها نغمة تطرب النفوس والأسماع وتأسر القلوب والأفئدة.

إن ما سبق هي الصورة المُثلى التي يرسمها في ذهنه كل مُقبل أو مُقبلة على الزواج لذلك فإن المُقبل على الزواج يكون في قلق واضطراب وحيرة وتوجس وريبة عندما يضع قدمه على المحك الفعلي لاختيار شريك الحياة ليقينه أن تكلفة الإخفاق في هذه التجربة باهظة وممتدة.

لأهمية هذه التجربة في حياة أبنائنا المُقبلين على الزواج سوف أؤكد على بعض المعالم التي بها يضعون النقاط على الحروف؛ كي لا يكون زواجهم عشوائياً، إذا هبت عليه الريح اقتلعته من أصوله.

ضوابط اختيار شريك الحياة

إن ديننا الحنيف لم يترك شاردة ولا واردة إلا بيَّنها تبييناً لا لبس فيه ولا غموض ولم يدع المجال للمسلم أن يبحث عن ضالته في غير الإسلام فيضل ضلالاً بعيداً.

1. الاختيار على أساس الدين

عن أبي حاتم المزني -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا جاءَكم مَن ترضَونَ دينَه وخُلقَه فأنكِحوهُ، إلَّا تفعلوا تَكن فتنةٌ في الأرضِ وفسادٌ"، قالوا: "يا رسولَ اللَّهِ وإن كانَ فيهِ" قالَ: "إذا جاءَكم مَن ترضَونَ دينَه وخُلقَه فأنكِحوهُ" ثلاثَ مرَّاتٍ (صحيح الترمذي).

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "تُنْكَحُ المَرْأَةُ لأرْبَعٍ: لِمالِها ولِحَسَبِها وجَمالِها ولِدِينِها، فاظْفَرْ بذاتِ الدِّينِ، تَرِبَتْ يَداكَ" (صحيح البخاري).

* تَرِبَتْ يَداكَ: أي أصابك الفقر ولا أصابك الخير.

ونلاحظ ذكر عبارة "مَن ترضَونَ دينَه وخُلقَه" في الحديث الأول، وعبارة "فاظْفَرْ بذاتِ الدِّينِ" في الحديث الثاني، فالدين عامل مشترك وجوهري في اختيار شريك الحياة  .

ونلاحظ أنه عند الحديث عن أسس اختيار الزوجة ذكرت أربعة أسس: "لِمالِها ولِحَسَبِها وجَمالِها ولِدِينِها" وعند الحديث عن أسس اختيار الزوج ذكر أساسان فقط، وهما: "دينَه وخُلقَه"؛ لأن المرأة السوية يُعجبها من الرجل تدينه، كما تعجبها أخلاقه الحميدة، سواء بسواء  .

إن المرأة يُعجبها من الرجل نخوته وشهامته وغيرته المعتدلة المحمودة، كما يعجبها فيه كرمه وشجاعته وجُرأته في الحق، كل ذلك لتشعر معه بالأمان، ولتشعر أنها في حَرَمِه الذي لا يجرؤ على أن ينازعه فيه أحد.

ونلاحظ أيضاً ذكر عبارة "إلَّا تفعلوا تَكن فتنةٌ في الأرضِ وفسادٌ" في الحديث الأول، وعبارة "تَرِبَتْ يَداكَ" في الحديث الثاني؛ لأن إهمال الاختيار على أساس الدين يترتب عليه الفتنة والفساد والفقر والشتات  .
لو نظرنا إلى حديث "تُنْكَحُ المَرْأَةُ لأرْبَعٍ" لوجدنا أنه قد ذكر فيه "المال والحسب والجمال"؛ فمن قدَّم أحد هذه الثلاثة على الدين ما أصابه خير قط.

والخلاصة في كل ذلك أنه إذا لم يكن (الدين) هو الأصل الأول لاختيار شريك الحياة فلنعلم أننا أمام مشروع كُتب له الفشل وحُكِم عليه بعدم التوفيق من المهد.

إذا لم يكن (الدين) هو الأصل الأول لاختيار شريك الحياة فلنعلم أننا أمام مشروع كُتب له الفشل وحُكِم عليه بعدم التوفيق من المهد

2. الاعتدال في النفقة وعدم المغالاة

من الظواهر التي غزت مجتمعنا الإسلامي ولا يكاد يكون هناك بيت إلا أصابه شررها هي ظاهرة المغالاة في المهور، والإسراف والتبذير والترف في مظاهر الزواج، للحد الذي جعل كثيرين من الشباب يعزفون عن الزواج؛ لعدم استطاعتهم مُسايرة المجتمع في هذا السباق المحموم فارتفعت نسبة الشباب العزب وارتفعت نسبة العنوسة بين الفتيات، ولك أن تتخيل ما يترتب على كل ذلك من مشكلات نفسية واجتماعية بل وأخلاقية.

عن أم المؤمنين عائشة قال: "إِنَّ مِنْ يُمْنِ المرأةِ تيسيرُ خِطْبَتِها، وتيسيرُ صداقِها، وتيسيرُ رَحِمِها" (صحيح الجامع).

وعن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أعظمُ النساءِ بركةً أيسرُهنَّ مُؤنةً" (رواه السيوطي في الجامع الصغير بإسناد صحيح).

عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ عَوْفٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً علَى وزْنِ نَوَاةٍ، فَرَأَى النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بَشَاشَةَ العُرْسِ، فَسَأَلَهُ، فَقالَ: إنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً علَى وزْنِ نَوَاةٍ وعَنْ قَتَادَةَ، عن أنَسٍ: أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ عَوْفٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً علَى وزْنِ نَوَاةٍ مِن ذَهَبٍ" (صحيح البخاري).

3. النظر إلى الفتاة بنيَّة الخِطبة والزواج

إن القبول والارتياح النفسي قبل الخِطبة من الأمور المهمة والضرورية بل والأساسية لإتمام زواج ميمون مُبارك  ، ومن هنا أباح الشرع أن ينظر الشاب إلى الفتاة لكي يتحقق القبول والارتياح النفسي بطريقة لا تخدش للبنت حياءها ولا تشوِّش سُمعتها.

عن أبي حميد الساعدي -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا خطبَ أحدُكُمْ امرأةً، فلا جُناحَ عليهِ أنْ ينظرَ إليها إذا كان إِنَّما ينظرُ إليها لِخِطبَتِهِ، وإنْ كانَتْ لا تعلمُ" (السلسلة الصحيحة).

عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا خطبَ أحدُكمُ المرأةَ فإنِ استطاعَ أن ينظرَ إلى ما يدعوهُ إلى نِكاحِها فليفعل. قالَ: فخطبتُ جاريةً فَكنتُ أتخبَّأُ لَها حتَّى رأيتُ منْها ما دعاني إلى نِكاحِها وتزوُّجِها فتزوَّجتُها" (سنن أبي داود).

عن أبي هريرة -رضي الله عنه: "أنَّ رجُلاً أراد أنْ يتزوَّجَ امرأةً مِن الأنصارِ فقال له النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم-: "انظُرْ إليها فإنَّ في أعيُنِ الأنصارِ شيئاً" يعني صِغَراً" (صحيح ابن حبان).

عن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه: "أنَّهُ خطبَ امرأةً فقالَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- انظُر إليها فإنَّهُ أحرَى أن يُؤدَمَ بينَكُما، فأتَى أبوَيها فأخبرَهما بقَولِ رسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَكَأنَّهما كرِها ذلِكَ فسمِعَت ذلِكَ المرأةُ وَهي في خِدرِها فقالَت: إن كانَ رسولُ اللَّهِ أمرَكَ أن تَنظُرَ فانظُرْ قالَ المُغيرةُ: فنَظَرتُ إليها فتزوَّجتُها" (رواه أحمد وابن ماجه).

أقوال بعض العلماء في حدود نظر الخاطب إلى المخطوبة

جاء في "الحاوي الكبير" للإمام الماوردي -رحمه الله- أنه قال: "وإذا أراد أن يتزوج المرأة فليس له أن ينظر إليها حاسرة، وينظر إلى وجهها وكفيها وهي متغطية بإذنها وبغير إذنها، قال تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31] قال: الوجه والكفين".

وجاء في "روضة الطالبين وعمدة المُفتين" للإمام النووي -رحمه الله- أنه قال: "إذا رغب في نكاحها استحب أن ينظر إليها؛ لئلا يندم، وفي وجه: لا يُستحب هذا النظر بل هو مُباح، والصحيح الأول للأحاديث، ويجوز تكرير هذا النظر بإذنها وبغير إذنها، فإن لم يتيسر النظر بعث امرأة تتأملها وتصفها له. والمرأة تنظر إلى الرجل إذا أرادت تزوجه، فإنه يعجبها منه ما يعجبه منها".

عن أنسٍ بن مالك -رضي الله عنه- أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَرادَ أنْ يَتزوَّجَ امرأةً، فبَعَثَ امرأةً لِتَنظُرَ إليها، فقال: شُمِّي عَوارِضَها، وانظُري إلى عُرْقُوبَيْها. قال: فجاءَتْ إليهِم، فقالوا: ألَا نُغَدِّيكَ يا أُمَّ فُلانٍ؟ فقالتْ: لا آكُلُ إلَّا مِن طَعامٍ جاءَتْ به فُلانةُ. قال: فصَعِدَتْ في رَفٍّ لهُم، فنَظَرَتْ إلى عُرْقُوبَيْها، ثمَّ قالتْ: قَبِّليني يا بُنيَّة، قال: فجَعَلَتْ تُقَبِّلُها وهي تَشُمُّ عَوارِضَها، قال: فجاءَتْ فأَخبَرَتْ" (رواه ابن الملقن في البدر المنير وقال: صحيح على شرط مسلم).
قال ابن رشد في (بداية المجتهد ونهاية المقتصد): "وأجاز أبو حنيفة النظر إلى القدمين مع الوجه والكفين".

وقال ابن قدامة - رحمه الله: "ولا يجوز له الخلوة بها؛ لأنها مُحرّمة، ولم يَرد الشرع بغير النظر فبقيت على التحريم، ولأنه لا يؤمن مع الخلوة مواقعة المحظور...".

وقال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري): "وقال الجمهور: يجوز أن ينظر إليها إذا أراد ذلك بغير إذنها".

ويقول فضيلة الشيخ القرضاوي: "لا يُباح للأب المسلم أن يمنع ابنته أن يراها من يريد خطبتها صادقاً، باسم التقاليد، فإن الواجب أن تخضع التقاليد للشريعة، لا أن تخضع شريعة الله لتقاليد الناس، كما لا يحل للأب ولا للخاطب ولا للمخطوبة أن يتوسَّعُوا في الرخصة، فيلقوا الحبل على الغارب للفتى والفتاة باسم الخِطبة، يذهبان إلى الملاهي والمتنزهات والأسواق، بغير حضور أحد من المحارم، كما يفعل اليوم عُشَّاق الحضارة والتقاليد الغربية، إن التطرف إلى اليمين أو اليسار أمر تأباه طبيعة الإسلام".

يجوز للخاطب أن يُكرر النظر إن رأى أنه بحاجة إلى أن يرى الفتاة مرة أخرى.

من الضوابط أنه إذا نظر الخاطب إلى المخطوبة ولم تعجبه، فيجب عليه أن يسكت، فلا يُقبِّح ولا يُجرِّح ولا ينتقد؛ كي لا تتأذى الفتاة بما يُقال عنها  ، ولعل الذي لا يُعجبه منها قد يعجب غيره، فالجمال أمر نسبي تتفاوت نظرات الناس إليه وحكمها عليه.

ومن الضوابط أيضاً أنه لا يجوز للفتاة أن تتزين بما يُغرر بالخاطب أو بما فيه تدليس عليه كاستخدام المساحيق ووسائل الزينة التي تغير الملامح مثل العدساتٍ اللاصقة وغيرها، لما في ذلك من خداع وتغرير منهي عنه شرعاً.

في هذا القدر كفاية على أن نكمل حديثنا في الجزء الثاني من هذا الموضوع إن شاء الله تعالى.

معلومات الموضوع

الوسوم

  • الخطبة
  • الزواج
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
    خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

    شاهد أيضاً

    العفو والتسامح ضوابط ومفاهيم

    من الملاحظ أنه في بعض مواسم الطاعات تنتشر النداءات مُطالبة المسلمين بالعفو والتسامح والمصالحة وإصلاح …