هل يمكن أن تجتمع الدعوة مع الاستبداد؟!

الرئيسية » تحقيقات وحوارات خاصة » هل يمكن أن تجتمع الدعوة مع الاستبداد؟!
Man Giving A Speech On Stage

قنديل: صورة الاستبداد في حياة بعض الدعاة تأتي من خلال فقدان هؤلاء للتربية التي تعينهم على فهم المواقف الأخرى، وضعف الرقابة على بعض أشكال العمل الدعوي والتربوي

ياسين: يجب أن يستفيد الداعية من كل الوسائل والآراء المطروحة، وكل ما هو من شأنه أن يجعله مقبولاً ومحبوباً عند الناس، فلا يكون ديكتاتوراً أو مستبداً في التعامل معهم؛ لأنّ ذلك قد يتسبب في خسران الكثير من الناس المقبلين على الدعوة والمساجد

يقول الكواكبي رحمه الله: "يُعمي الاستبدادُ بصيرةَ المستبد، حتى يعملَ عكس مصلحتِه، ويسيرَ إلى حتفِهِ بظِلْفِه"، وكثيراً ما نسمع عن الاستبداد السياسي أو الاقتصادي، لكن هل يمكن أن تجتمع الدعوة مع الاستبداد؟

ليس هذا حُكمًا عامًا يمكن أن يتساوى فيه جميع الدعاة، ولكن البعض -وهم قلة- قد يأخذ بنصيبٍ وافر أحيانًا من هذه الصفة، وهذه الشريحة الدعوية لا ينبغي إغفالها أو تجاهلها؛ لشدة خطورتها، فما هي أسباب استبداد بعض الدعاة؟ وما هي مخاطر الداعية المستبد على نفسه وعلى المجتمع؟

أسباب استبداد بعض الدعاة

من جهته، قال الدكتور صادق قنديل المحاضر بكلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية بغزة: "إنّ استبداد بعض الدعاة نابعٌ من الثقافة التي يحملها الداعية، وطبيعة تنشئته الاجتماعية ، فإذا تربّى على الشريعة الإسلامية بشكلٍ متوازن وعلى أن يتفهم الرأي والرأي الآخر فلن يكون مُستبداً"، مشدداً على أنّ صورة الاستبداد في حياة بعض الدعاة تأتي من خلال فقدان هؤلاء للتربية التي تعينهم على فهم المواقف الأخرى، وضعف الرقابة على بعض أشكال العمل الدعوي والتربوي.

ويُرجِع قنديل أسباب استبداد بعض الدعاة إلى وجود خللٍ في التنشئة الاجتماعية والبيئة التي تربّى فيها الداعية، قائلاً: "إنّ الداعية أو المُربّي إذا نشأ في بيئةٍ متعصبة ومنغلقة ومتحجرة وتربى على فكرٍ أوحد، فمعنى ذلك أنّه لا يرى الحق إلا في رأيه، فتلقائياً "كل إناءٍ بما فيه ينضح" وسيرفض الرأي المخالف له، وسيحكم على المخالفين لرأيه إما بالتكفير أو يتهمهم بالفسوق والعصيان والخروج عن الدين".

د. صادق قنديل: إذا نشأ الداعية في بيئةٍ متعددة الآراء وتتبنى الفكر المنفتح نحو تحقيق المصلحة والغاية وتحترم وجهات النظر، فهو إمّا أن يُعدّل من رأيه إذا وجد الحق عند غيره، أو أن يستفيد من آراء المخالفين في أن يوسع المعلومات والثقافة الموجودة عنده

واستدرك: "لكن إذا نشأ الداعية في بيئةٍ متعددة الآراء، تتبنى الفكر المنفتح نحو تحقيق المصلحة والغاية وتحترم وجهات النظر -طالما أن وجهات النظر تحترم المبادئ العامة ولا تُخل بها، وفي إطار إبداء الرأي لا من باب الخدش في أصول الإسلام أو شعائره أو النيل من المقدسات الإسلامية إنما هي في إطار الرأي- فهو إمّا أن يُعدّل من رأيه إذا وجد الحق عند غيره، أو أن يستفيد من آراء المخالفين في أن يوسع المعلومات والثقافة الموجودة عنده".

وأشار قنديل إلى أنّ الداعية المستبد لا ينظر إلى الدنيا من منظور الآخرة؛ لأنّ الإنسان إذا نظر للدنيا من منظور الآخرة تستقيم أحواله .

مخاطر الداعية المُستبِد على نفسه والمجتمع

ونوه قنديل إلى أنّ الاستبداد الدعوي يعود على الداعية المُستبِد وعلى المجتمع وعلى الإسلام بمخاطر وأضرارٍ وخِيمة.

أولاً/ على مستوى الداعية المُستبد:
• سيعمل على فساد أخلاقه، بمعنى أنه سيسمح لنفسه طالما أنه يُنكِر الرأي الآخر، ويخالف وجهات النظر الأخرى بأن يتهم الآخرين ويسبهم، أو أن يتلفظ بألفاظٍ فيها قدح في شخوصهم وأعراضهم، وهذا مما يرفضه الخُلق الإسلامي، فالإسلام لا يبيح للدفاع عن الرأي أن أُفسّق الآخرين، أو أن أنال من مكانتهم أو شخصيتهم، إنما نحن ننتقد الرأي وليس الشخص، وهذا الداعية المُستَبد قد نراه في الحوارات والنقاشات يرفع صوته بغير وجه حق، أو يتهم الناس، أو يتعدى ذلك إلى السِباب والفسوق، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن المؤمنُ ليس باللّعّان ولا الطّعّان ولا الفاحشِ ولا البذيءِ" (رواه أحمد)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "سِباب المسلم فسوقٌ" (متفق عليه).

• جمهور الداعية المُستبد سينحصر وسيفقد الثقة به؛ فالداعية ناطقٌ باسم المجتمع وخلفيته إسلامية، والمجتمع بطبيعته مُختلف ولا يقوم على رأيٍ واحد، وبالتالي هذا الداعية المُستبد سيفقد الجمهور الأكبر من مجتمعه وهم الذين لا يرون ما يراه، ولا يعجبهم طريقة تدينه أو عرضه للإسلام إذا كان بالأسلوب المُتشدّد والمتعنت، ولمْ تعد منافع دعوته على المجتمع كونه يُنظَر إليه أنّه مُستبد في رأيه الدعوي.

ثانياً/ مخاطر الداعية المُستبد على المجتمع:

• يعمل الداعية المستبد على تفكيك المجتمع؛ لأنّه يبدأ في مجالسه بالتحدث عن المخالف له، والمخالف له جمهوره وأتباعه ومؤيدوه، وسينشأ صراع داخلي يُفرّق بين أفراد المجتمع، وهذا فيه إثم كبير؛ لأنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ" (رواه مسلم)، وبالتالي الداعية المُستبد يلحق ضرراً بالغاً في المجتمع.

• الجيل الناشئ الذي يتعلم في مجتمعٍ مضطرب الرأي، وليس متعدد الآراء، وفيه دعاة مُستبدون يصبح عندهم اضطرابٌ وتصادمٌ، وبالتالي ينشأ الأشبال الذين يذهبون للمساجد وجلسات العلم في بيئةٍ دعويةٍ غير آمنة، وبالتالي سيقبلون مستقبلاً أن يشتموا كما شتم الشيخ، ويقدحون في أعراض الناس كما قدح الشيخ على زعم أنّه يدافع عن الإسلام.

• المُخالِف سيبدأ بالإصرار على رأيه، وتتحول القضية عنده إلى قضيةٍ شخصية مما يجلب المشاكل العائلية والاقتتال بين الأحزاب والجماعات، والرسول -صلى الله عليه وسلم- أمرنا أن ندعو إلى الله لكن شرط هذه الدعوة أن تكون على بصيرة أي على حجة واضحة وهي العلم القائم على دليل.

منطلقات الداعية المستبد تكون وفق هواه

وحذّر قنديل من الداعية المستبد الذي يفسر القرآن بطريقته، ويتخير من الآراء الفقهية ما يُناسبه، فكل ما وافق هواه ونال رضى قلبه يعده من الشريعة، وبالتالي جعل الصواب والحق في رأيه لا ما عند الآخرين، وهذا مخالف للدين الإسلامي، لافتاً إلى أنّ الصحابة اختلفوا في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- وبعد وفاته، كما اختلف أصحاب المذاهب الأربعة لكنّهم كانوا يؤمنون بأن اختلافهم اختلاف تنوعٍ وإثراء للفكر الإسلامي ووجهات النظر وليس اختلاف تضارب وتصادم وتناحر.

وأوضح قنديل أنّ: "الخلاف وتعدد الآراء إذا كان من باب فهم الواقع، فلا شك أننا سنستفيد من كل الآراء، لكن إذا كان من باب إظهار الشخص، فهذا مرض بُلِي به المستبد الدعوي وسيدفعه إلى الغرور والعجب والاستكبار والتعالي على الناس والنظر إليهم نظرة تحقير وأنهم لا يفقهون في الدين شيئاً، وهذا ليس بأدبٍ إسلامي ويعكس تربيته وما في داخل محضنه التربوي".

أدب الخِلاف عند السلف

وقال قنديل: "إنّ المواقف التي تجلّى فيها أدب الخلاف عند السلف كثيرة، منها: في الحديث عن ابن عمر لمّا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يصلّينّ أحدٌ العصرَ إلاّ في بني قريظة" فلمّا ساروا اختلفوا؛ منهم مَن توقّف في الطّريق وصلّوا العصر ثمَّ واصلوا، ومنهم مَن واصل السّير ولم يصلِّ حتى وصلوا إلى مقصدهم، وهنا نُلاحظ أنّ الفريق الذي صلّى في الطريق لمْ يُنكر على الفريق الذي صلّى في بني قريظة، والفريق الذي صلّى في بني قريظة انتظر، وتوقف، إلى أن انتهى الفريق الذي صلّى في الطريق، ومشيا إلى الهدف، وهذا يعطينا أدب الخلاف والحوار".

الداعية ليس عالماً مجتهداً

من ناحيته، قال الدكتور نسيم ياسين -عميد كلية أصول الدين وأستاذ العقيدة والمذاهب المعاصرة في الجامعة الإسلامية بغزة-: "إنّ بعض الدعاة -وهم قلة- يتخذون مبدأهم في الحياة من باب "ما أُريكم إلاّ ما أرى" مع أنّه لا يوجد في الأحكام والحلال والحرام ما هو قطعي، إلا ما ورد في الكتاب والسنة، لكن هناك قضايا كثيرة اختلف بها العلماء وفيها ليس قولان بل ربما قد تصل لخمسة أقوال وأكثر".

د. نسيم ياسين: يجب زيادة تفعيل دور الرقابة على أشكال العمل الدعوي والتربوي قادةً وأفراداً، ومحاولة عدم استئثار بعض الدعاة لأماكن أو أعمال دعوية لفترة طويلة بل يجب التجديد والتنويع كل فترة؛ كي لا نفسح المجال لبعض الدعاة بأن يتسرب إلى نفوسهم الاستبداد

وشدد على أنّ القضايا العقائدية والأصولية الثابتة يجب أن يقول فيها الداعية قول الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وما أجمع عليه السلف، وهذه نقطة لا خلاف فيها؛ لأنها ليست محلاً للنقاش، ويجب أن تصل إلى الجميع ويُسلّموا فيها تسليما.

واستدرك: "لكن القضايا التي تكون في الحلال والحرام ففيها مجال للحديث في الفروع، فلا يمكن للداعية في هذا الوقت أن يُلزِم الناس برأيه، بل عليه أن يُبلّغ رأي العلماء؛ لأنّ الداعية ليس عالماً مجتهداً في الغالب بل هو ناقل عن العلماء، وإذا نقل عنهم فيجب عليه نقل أقوالهم ووجه الخلاف عندهم، خاصةً إن كان السامع من أهل العلم أو "النخبة"، أمّا إن كان من عامة الناس فله أن يقول: "الموضوع فيه خِلاف لكن أنا أميل إلى هذا الرأي"، ليس على سبيل الإلزام إنما من باب التوضيح وتمهيد الطريق لعامة الناس.

وتابع: "أما في مسألة الدعوة ووسائلها، فقد يعترض بعض الدعاة على وسيلة معينة فنجده يُحرّمها مثلاً وهذا لا يجوز؛ لأنها قد تُستخدم في الخير، ولا يحق له أن يحجر على الآخرين ويقول: "رأيي كذا" ثم يستبد بقوله، فلا بد للداعية أن يترك المجال مفتوحاً للناس، لا سيما إن كانت وسيلة من وسائل توصيل الدعوة والفكرة مثل: وسائل التواصل الاجتماعي والفضائيات ووسائل الإعلام الأخرى".
واسترسل: "أمّا في الأحكام العامة وقضايا الناس، فالاجتهادات فيها باب واسع، ويمكن أن يقول الداعية رأيه، ويقول: "هذا ما أراه والله أعلم"، أمّا أن يستبد ويفرض رأيه كأنه الرأي الوحيد الواجب اتباعه، فهذا يمكن أن نسميه "الاستبداد الدعوي".

صفات الداعية الحق

وأكد على ضرورة أن يكون الداعية حكيماً وعنده مرونة وسِعة أفق واستيعاب للآخرين ، وهذا من صفات الداعية الحق، فالله تعالى يقول: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل:125] وهذا توجيه للرسول -صلى الله عليه وسلم- وللدعاة من بعده بأن يدعوا الناس بالحكمة والتي تشمل اختيار الموضوعات التي تؤثر في الناس وتلامس قلوبهم وواقعهم، والموعظة الحسنة أي الكلمة الطيبة وتخوّل الناس في الأوقات المناسبة.

واستدل بقوله تعالى: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل:125] موضحاً أنّه يجب مجادلة المشركين بالكلمة الحسنة، فكيف بالمسلمين!

وذكر أنّه يجب أن يستفيد الداعية من كل الوسائل والآراء المطروحة، وكل ما من شأنه أن يجعله مقبولاً ومحبوباً عند الناس، فلا يكون ديكتاتوراً أو مستبداً في التعامل معهم؛ لأنّ ذلك قد يتسبب في خسران الكثير من الناس المقبلين على الدعوة والمساجد.

السلف الصالح بين فن الإصغاء وأدب الخلاف

وقال: "لقد كان من سمت سلفنا الصالح الاستماع للآخر بإنصافٍ وحكمة، واختيار الألفاظ المناسبة وعدم الحديث فيما يستفز الآخرين -ولو كان خصماً لهم- أو التعدي على عقيدة غيرهم ".

وتابع" لنتأمل موقف النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما جاءه أحد كفار قريش وهو "عتبة بن ربيعة" وبدأ يساومه على الدين والدعوة، ويعرض عليه شيئاً من حطام الدنيا مقابل التنازل عن الدين، فمع أنّ عتبة رجل مشرك، محارب لله ولرسوله، يأتي ويتكلم بألفاظٍ ساقطة، إلاّ أنّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- يستمع بكل أدب، مع أن كلام الرجل لا يعجبه، ويعلم أنه باطل، ومع ذلك يقف يستمع، وينتظر حتى يكمل الرجل كل ما عنده، ثم يسأله بعد ذلك: "أوقد فرغت يا أبا الوليد"، فقال: "نعم"، عندها قال له: "إذاّ فاسمع مني"، أدب عظيم، وخلق كريم، نفقده في واقعنا، وهو أسلوب يعلمنا إياه رسولنا كيف نتعامل مع الآخرين".

كيفية التعامل مع الداعية المستبد

وحول كيفية التعامل مع الداعية المستبد، قال ياسين: "إنّ بعض الدعاة طباعهم حادة، وهذا يحتاج منا إلى أن نكسب قلبه أولاً، ثم تهدئته وبيان أننا نتناقش كي نصل إلى الحق معاً ، كما ينبغي التدرج معه بذكر الأدلة من الكتاب والسنة ومواقف السلف الصالح والعلماء، وأن نتوسع في الفكرة التي يطرحها حتى نصل إلى نتيجةٍ مُرضية، كما يجب تنبيهه إلى مخاطر استبداده على نفسه وعلى المجتمع".

وأردف: "كما يجب زيادة تفعيل دور الرقابة على أشكال العمل الدعوي والتربوي قادةً وأفراداً، ومحاولة عدم استئثار بعض الدعاة لأماكن أو أعمال دعوية لفترة طويلة بل يجب التجديد والتنويع كل فترة؛ كي لا نفسح المجال لبعض الدعاة بأن يتسرب إلى نفوسهم الاستبداد".

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
صحفية فلسطينية مقيمة في قطاع غزة، حاصلة على درجة البكالوريوس في الصحافة والاعلام من الجامعة الاسلامية بغزة عام 2011م، وكاتبة في موقع "بصائر" الإلكتروني، وصحيفة "الشباب" الصادرة شهرياً عن الكتلة الاسلامية في قطاع غزة. وعملت في العديد من الصحف والمواقع الإلكترونية أبرزها صحيفة فلسطين، وصحيفة نور الاقتصادية، وصحيفة العربي الجديد.

شاهد أيضاً

الإدمان على الأجهزة الذكية… خطر يجتاح بيوتنا

تجتاح وتغزو أجهزة التكنولوجيا الحديثة معظم بيوتنا، حتى إنها أصبحت من أساسيات الحياة وفي متناول …