أنا شاب ملتزم .. لكني أفشل في الاستيقاظ لصلاة الفجر!!

الرئيسية » استشارات تربوية » أنا شاب ملتزم .. لكني أفشل في الاستيقاظ لصلاة الفجر!!
muslim-praying-night20

أنا شاب أبلغ من العمر 29 عاماً، ملتزم بأداء الصلوات على وقتها وغالباً أصلي الفروض جماعة، لكني أفشل كثيراً في الاستيقاظ لأداء صلاة الفجر في وقتها وحاولت كثيراً أن أضبط المنبه وأطلب من أهلي إيقاظي لكني لا أتمكن من الاستيقاظ، فساعات عملي طويلة وبمجرد أن أنام لا أتمكن من الاستيقاظ. فأستيقظ بعد الصلاة بساعة وأحيانا أتمكن من أدائها قبل طلوع الشمس وغالبا ما تضيع علي وهذا يتسبب لي بمزاج سيء ويحزنني كثيراً؟

كيف أدرب نفسي على الاستجابة والاستيقاظ والتخلص من هذه المشكلة؟

________________________________

الإجابة: د. محمد أبو جزر.

بدايةً نقول أيها الأخ المبارك: أنت شاب ملتزم، نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يزيدك هدىً وصلاحاً، فما دمت تحرص على الصلاة بقدر الاستطاعة، وتجاهد نفسك على الالتزام بها، فهذا -إن شاء الله تعالى- علامة على خير كثير فيك، وهذا هو الجزء الأكبر من الالتزام، ويبقى فقط أن لا تسمح للشيطان أن لا يثبط عزيمتك ويحاول إيهامك بأنك من غير الملتزمين.

فالالتزام معناه أن تؤدي ما فرض الله -عز وجل- عليك وتجتنب ما حرم الله -سبحانه وتعالى- عليك، فسارع إلى تكميل نفسك وجاهد نفسك من أجل الله تعالى، وكن على ثقة بأن الله -سبحانه وتعالى- سيتولى عونك وسييسر لك الأمور من حيث لا تحتسب، فقد قال سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت:69].

وكن على ثقة بأن أفضل ما تفعله التقرب إلى الله -سبحانه وتعالى- بالفرائض، أي أن تؤديَ الفرائض التي كُلفت بفلعها وتجتنب المحرمات التي حرمها الله -عز وجل- عليك؛ فإذا فعلت هذا فأنت تتقرب إلى الله بأحب ما يحبه -سبحانه وتعالى- من الأعمال، كما قال في الحديث القدسي: "وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه" فنحن نشد على يديك أولاً ونتمنى أن تأخذ الأمور بجد وحزم وتعتبر نفسك ليس ملتزماً فحسب بل في مقدمة الملتزمين.
وقد أثنى النبي -صلى الله عليه وسلم- على الشاب الذي ينشأ في طاعة الله؛ فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- عَنِ النَّبِي -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ..."، وذكر منهم: "شَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ" (رواه البخاري ومسلم).

ومن أهم الأسباب التي تساعد على نشأة الشاب في عبادة ربه، أن يعوّده أبواه -أو من يتولى تربيته- على ذلك من الصغر، ويشجعاه ويأخذان بيده باستمرار.

ولا بد أن تعلم أن القلوب لها إقبال وإدبار، وهذا الإقبال والإدبار متوقف على العوامل التي تساعد على إيجاد الإقبال أو الإدبار، فكلما وُجد الإنسان في بيئة طيبة وتوافرت العوامل المساعدة للالتزام والاستقامة، فلا شك فيه أن الصحبة الصالحة والبيئة الطيبة وأن أعمال الإيمان كل ذلك تؤدي إلى ثبات العبد على التوبة وعلى طاعته لله تعالى، بل والثبات على الإيمان.

أما إذا وجد الإنسان بعيداً عن مثل هذه الأمور فكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية"، ولذلك حثنا النبيّ -صلوات ربي وسلامه عليه- على الطاعة والعبادة، وكي تظل على علاقة حسنة بالله إليك بعض العوامل التي نسأل الله أن تنفعك.

العامل الأول في الثبات على الصلاح: الصلاة، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: "والصلاة نور"، والله -تبارك وتعالى- قال: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ} [العنكبوت:45]، فالمواظبة على الصلاة من عوامل الوقاية، ومن عوامل البعد عن المعاصي؛ لأن الله كما أخبرنا نبينا -صلى الله عليه وسلم- بقوله: "احفظ الله يحفظك" فأنت ما دمت تحافظ على الصلاة فإن الله سيحفظك ببركة المحافظة على الصلاة، وكذلك المحافظة على الصلاة في جماعة؛ لأن صلاة الجماعة -كما تعلم- تزيد على صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة، وصلاة الجماعة معناها أنك ستكون ضيفاً على الله في بيته، ومما لا يخفى عليك أنه "حق على المزور أن يكرم زائره"، فإذا زرت الله تعالى في بيته فإن الله سيكرمك وسيمنُّ عليك بالثبات والاستقامة والطاعة وزيادة في الإيمان وغير ذلك من الأعمال.

ثانياً/ المحافظة على أذكار الصباح والمساء؛ لأنك تعلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبرنا بقوله: "من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، في اليوم مائة مرة..." فحدد النبي -عليه الصلاة والسلام- مجموعة من المكافآت: "كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا أحد عمل عملاً أكثر من ذلك"
والمقصود: "وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي" فمعنى ذلك أنك إذا حافظت على هذه الأذكار صباحاً ومساءً سيحفظك الله تعالى بحوله وقوته من الشيطان الرجيم، الذي هو عدوك الأول الذي يستغل بعدك عن الأذكار ووجودك في بيئة الغفلة، فيزين لك المعاصي والعياذ بالله رب العالمين.

ثالثاً/ المحافظة على ورد من القرآن الكريم يومياً؛ لأن القرآن نور، والله تبارك وتعالى عندما أخبرنا عن القرآن فقال: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء:9].

فبقراءة القرآن تستقيم بإذن الله على منهج الله، ويشرح الله صدرك ويطهر قلبك من المعصية، ويجعلك تحافظ على الطاعات؛ ولذلك حاول أن يكون لك ورد يومي من القرآن حسب استطاعتك، يعني إذا استطعت أن تقرأ جزءاً من القرآن فاقرأه وإن كان نصف جزء فلا مانع، المهم أن تكون بينك وبين القرآن صلة يومياً صباحاً ومساء.

رابعاً/ الدعاء، أن تدعو الله أن يهديك صراطه المستقيم، وأنت تعلم أنه لا يهلك مع الدعاء أحد، فإن الله جعله آية من آياته الواضحة، فأنت تقرأ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة:6].

وهذه أعظم دعوة، قال العلماء: "هذه الدعوة هي أشمل دعوة، فإذن أنت مطالب أن تدعو الله لنفسك وأن تجتهد في ذلك، خاصة في أوقات الإجابة وفي الأوقات الفاضلة والأزمان الفاضلة، يعني في السجود وبعد التحيات وقبل السلام، كذلك وقت السحر والثلث الأخير من الليل وفي جوف الليل، وغيرها من الأوقات الطيبة التي ورد فيها كلام من النبي -عليه الصلاة والسلام- كيوم الجمعة وساعة مخصوصة في يوم الجمعة من دعا فيها الله تعالى استجاب له".

خامساً/ الصحبة الصالحة، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي"، فاجتهد في الصحبة الصالحة والارتباط بهم؛ فإذا منَّ الله عليك بصحبة صالحة فإنك بإذن الله ستجد عوناً كبيراً.

فحاول أن تبحث لنفسك عن الرفقة الصالحة، وتتعرف على الشباب الطيبين جماعة المسجد، وأن تحضر حلقات القرآن الكريم وحلقات الذكر والعلم، وستجد من أمثالك الكثيرين ممن تتقوى بهم ويبتعد بهم عنك الشيطان، وتزول عنك الوساوس والأوهام، فإن الإنسان يتأثر ولا بد بمن يجالسهم، ولذلك قال الحكماء (الصاحب ساحب) وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- من قبل "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل".

سادساً/ أن تربط نفسك بعمل من أعمال الدين، أي تمارس الدعوة بنفسك؛ لأن الله تعالى لا يضيع أهله، والأخ الذي يعمل في خدمة الدين، فإن الله تبارك وتعالى يجعل له من لدنه وليّاً ونصيراً؛ ولذلك بعث الله إلى الناس الأنبياء والرسل، والإنسان منا الذي يعمل في مجال الدعوة يقول لنفسه: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44]، فالعمل في الدعوة، بمعنى أن تشارك في الأنشطة الدعوية التي توجد في المنطقة حسب الظروف.

أيضاً أن تسأل الوالدين الدعاء لك، فإن دعاء الوالدين كما تعلم لا يُرد؛ فقد أخبر النبي -عليه الصلاة والسلام- بقوله: "ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهنَّ"، فأنت تحتاج أن تستعين بعد الله تعالى بدعاء الوالدين؛ لأن دعاء الوالدين على درجة عظيمة من الأهمية بالنسبة لك.

ومع هذا كله ننصحك أيضاً بالأخذ بالأسباب المادية التي تعينك على الاستيقاظ، كالنوم المبكر بقدر الاستطاعة، والنوم خلال النهار إذا استطعت، وأخذ بأسباب التنبيه، كأن تضبط ساعة المنبه أو الموبايل، أو تطلب من بعض من يصلي الفجر أن يتصل عليك أو يوقظك للصلاة، ونحو ذلك، وباستمرار على هذا الدأب إن شاء الله ستصل، فإن من جد وجد ومن زرع حصد، ومن ذلك أيضاً أن تنام على الذكر وعلى طهارة.

فهذه وصيتنا لك أيها الحبيب نتمنى أن تأخذها بجد وأن تعمل بها، وسنسمع منك إن شاء الله تعالى في مستقبل الزمان الأخبار الطيبة والبشارات الكثيرة عن تحسن أحوالك، وما دمت على هذه الحال أيها الحبيب تتوب إلى الله عز وجل فتندم على ذنبك وتعزم على أن لا ترجع إليه وتتركه، فإن الله عز وجل يقبل منك هذه التوبة برحمته وعفوه.

فأحسن ظنك بالله، وأعتقد أنه -سبحانه وتعالى- غافر الذنب وقابل التوب، وأنه لا يعظمه -سبحانه وتعالى- شيء، فرحمته وسعت كل شيء، وقد قال في كتابه الكريم: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزُّمر:53].

نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يزيدك صلاحاً وهدىً وأن ييسر لك الخير ويفتح أمامك أبوابه.

د. محمد أبو جزر

إمام وخطيب مسجد خليل عطية في عمان،حاصل على الدكتوراه في الحديث الشريف. عرف عنه بخطبه المؤثرة ومحاضراته الدعوية في المساجد والمراكز القرآنية ومواقع الإنترنت.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

ابني يسأل .. لماذا نصوم؟

 رمضان مبارك عليكم، سألني ابني الذي يبلغ من العمر 11 عاماً، لماذا نصوم، فما هي …