التدين العاطفي

الرئيسية » بصائر تربوية » التدين العاطفي
muslim-dhikr

الظروف التي نمر بها اليوم هي بمثابة المحك الذي يكشف عن معادن الكثير منا، فالأزمات والشدائد والمحن هي التي تغربل سلوكياتنا وتمايز بين أعمالنا بل وغالبا ما تظهر جوهرنا الذي طالما جهدنا لتزيينه وتجميله، فجائحة مثل فيروس #كورونا كانت بمثابة المرآة التي عكست طبيعة تصرفاتنا لنراها حقيقة على أي مشرب نبتت، والكيّس من استفاد من هذه الأزمة ليرى على أي وجهة هو موليها ومن أي معين يستقي فكره وعلى أي شرعة يستقيم أمره، على شرعة الله ومراده أم على شرعة نفسه وهواها؟!

واستوقفتني ردود أفعال الناس عند الأمر بتوقيف الصلوات الجامعة ولا سيما صلاة الجمعة لتجد وسائل التواصل الاجتماعي قامت ولم تقعد بل إن الأمر تعدى ذلك لتجد من يحتشد في ساحات المسجد ليصلي ضارباً بكل الأصوات المنادية بوقفها عرض الحائط وفئة أخرى جعلوا من بيوتهم حاضنة للصلاة الجامعة متجاهلين أن الأمر بتوقيف الصلاة إنما نادى به من نثق بدينه ورأيه من العلماء، وقد جهل هؤلاء المخالفون أن المساجد وسيلة نتقرب بها إلى الله التزاما بأمر الله لا غاية مقصودة بذاتها ومن جعلها كذلك إنما جعلها آلهة تُعبد من دون الله .

والحقيقة التي ينبغي أن نلتفت إليها، وبناء عليها نعيد تربية نفوسنا ومحاكمة أعمالنا وسلوكياتنا بناء على أمر الله لا اتباعا لعاطفة تفور بنا فتجعلنا أسارى بين مدها وجزرها وهذا مما وقع به الكثير من الملتزمين لا سيما من الشباب والشابات فتجد حديث العهد بالالتزام يُقبل بفوران عاطفة فقد تحت وقعها بوصلته الشرعية التي يجب أن تضبط سلوكياته بناء على أمر الله لا على مزاج نفسه وهواها بناء على قوله تعالى:{وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [الشورى:15]، وقوله صلى الله عليه وسلم: "قل آمنت بالله فاستقم" (رواه مسلم).

وعلى ضوء ما سبق من نصوص الوحي ندرك يقينا أن استقامتنا لا تتحقق إلا بامتثال أمر الله كيفما كان وقعه على نفوسنا سواء خالف هوانا أم وافقه، فالعاطفة كما العقل احتكامهما لشرع الله وأمره ضروري لمن أراد الاستقامة والهدى في الحياة الدنيا والفلاح والنجاة في الآخرة، فكما يعاب على من يجعل العقل حاكماً على نصوص الشرع فتجد عقله مثلاً متوقفاً عند مسألة التيمم إذ كيف يكون وسيلة للتطهر عند فقد الماء أو مسح ظاهر القدم بدلاً من باطنها مع أن العقل يستدعي مسح الباطن لتعرضه للأوساخ والنجاسات أكثر من ظاهرها، كذلك يعاب على من يجعل عاطفته السائقة له بأمور الشرع والحاكمة عليها، مع ضرورة التركيز على أهمية العقل والعاطفة ووجودهما لكن بكونهما محكومان لأمر الشرع لا حاكمات عليه.

ويحضرني على فورة العاطفة ووقوف النبي صلى الله عليه وسلم مهذباً لها تارة وراداً لها للاحتكام لأمر الله نماذج وأمثلة من واقع السيرة النبوية:

النموذج الأول: ما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه: "جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" (رواه البخاري).

النموذج الثاني: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب فقيل له بعد ذلك إن بعض الناس قد صام فقال أولئك العصاة أولئك العصاة" (رواه مسلم) فمن لم يأتمر ويقتدي بفعل النبي صلى الله عليه وسلم كان عاصياً.

وكذلك في كثير من أمور حياتنا إن تبعنا عاطفتنا هلكنا في نهاية مطافنا، فالشرع الذي فرض صيام رمضان هو الشرع نفسه الذي أوجب ترك صيامه على الحائض، وترك صيامه على المريض الذي يعرض نفسه بالصيام إلى التهلكة وغيرهما من أصحاب الأعذار المعتبرة، ومن لا ينفطر قلبه على ترك شعيرة مثل هذه لكنه حتى في تركه هو مثاب لامتثاله أمر الله.

وتكون العاطفة في أوج فورانها عند اشتداد الأزمات فتجد الناس يفرون بمخاوفهم وآمالهم ويستمسكون بالله عن طريق التدين والتزام مظاهر الدين وهذا شيء مرغوب لا نكران فيه، لكن الخوف من مثل هذه الفرار إلى الله والالتزام بشرعه أنه سرعان ما يذوب أو تخبو جذوة العاطفة عند أول انبلاج لهذه الأزمة أو مع أول بوادر انقشاع للشدة فتلك الموعظة التي كادت تخلع قلبك من صدرك سرعان ما يتلاشى صداها في أذنيك وأن الخطر الذي أنجاك منه مولاك فهرعت للالتزام بالصلوات والحجاب وإطلاق اللحية إن لم يكن كل ذلك على بصيرة يثبت أركانه في نفسك وقلبك منهج علمي وروحي متكامل تستمد منه ثباتك كلما مادت بك الظروف والفتن، وإلا فحذار أن ينطبق عليك قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [يونس:12].

إن التدين الناشئ من ردة فعل إنما يرتكز في بدايته على عاطفة جارفة حتى إذا خبت جذوة هذه العاطفة في المرحلة التي تليها كان هذا التدين هشاً ضعيفاً وكان صاحبه كما الريشة في مهب الريح، فلا بد من جانب معرفي سلوكي ليدعم أركان هذا التدين العاطفي فيخرج صاحبه بعون الله من بين التأرجح والتقلب في التزامه إلى الرسوخ المستمد من معرفة أحكام الله وأوامره فيؤتي ثماره سلوكاً عملياً على أرض الواقع بغض النظر عن تقلبات الأحوال واختلاف الزمان والمكان.

إن التدين الناشئ من ردة فعل إنما يرتكز في بدايته على عاطفة جارفة حتى إذا خبت جذوة هذه العاطفة في المرحلة التي تليها كان هذا التدين هشاً ضعيفاً وكان صاحبه كما الريشة في مهب الريح

وهذا التدين الذي تدفق بناء على غليان العواطف الملتهبة لا يقل خطره وآثاره السلبية عن التدين السلوكي الذي تنحصر مظاهره في أداء العبادات بعيداً عن المعرفة الكافية بأحكامها وحكمتها وبدون عاطفة دينية تضفي عليها المعنى الروحي، فكما الطير لا بد له من جناحين يحلق ويطير بهما فكذلك التدين والالتزام بشرع الله لا بد له من منهج علمي وروحي يكمل بعضهما بعضاً  ومن دونهما كان المسلم أعرجاً في التزامه يشوبه نقص بل ربما كان الثغرة التي تؤتى أمته ودينه من قبلها.

لذلك كانت: {وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} هي معيار كل مسلم وميزان يوزن أموره كلها على هذه القاعدة النورانية، وكم استقامة اعوجت وانحرفت لأن صاحبها لم يأتمر ويتبع إلا ما تملي عليه نفسه ويميل إليه هواه ولن يستقيم هوى النفس ومزاجها إلا إذا كان تابعا لأمر الله لا أمر نفسه كما قال صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئتُ به" (رواه الطبراني في الكبير وفيه ضعف) لذا كان من شروط قبول العمل أن يكون موافقاً لشرع الله وإلا فهو رد على صاحبه.

وأخيرا لا تكن في تدينك كجذوة نار سرعان ما تخبو مع أول نسمة ريح ، ولا تكن ممن ورثه عن ذويه كمن ورث الدرهم والدينار بل والعقار، بل كن راسخاً متيناً وهذا لا يتأتى لك إلا إذا جعلت قوله تعالى: {وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} المورد الذي تستقي منه واسأل الله أن يفهمك ويعلمك ويصطفيك ويثبتك، فإنما رأس الأمر أن تسير إليه بطينك ووحلك ضعفك وعجزك وتقف ببابه وقوف الذليل وأنى لكريم أن يرد سائلاً ببابه، فكيف بربي وربك الذي هو أكرم الأكرمين جل شأنه.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة حاصلة على الدكتوراة في العقيدة والفلسفة الإسلامية من جامعة العلوم الإسلامية العالمية في الأردن. و محاضرة في جامعة القدس المفتوحة في فلسطين. كتبت عدة مقالات في مجلة دواوين الإلكترونية، وفلسطين نت، وشاركت في المؤتمر الدولي السادس في جامعة النجاح الوطنية حول تعاطي المخدرات. مهتمة بالقضايا التربوية والفكرية، وتكتب في مجال الروحانيات والخواطر والقصة القصيرة.

شاهد أيضاً

العفاف في العالم الافتراضي الموازي (1-2)

إن #التكنولوجيا في عصرنا الحديث ما تركت مكاناً ولا مجالاً إلا اقتحمت خصوصياته، فلم يعد …