العلامات الخمس في حب النفس

الرئيسية » خواطر تربوية » العلامات الخمس في حب النفس
myself1217

من المعلوم سلفاً أن المرء يسعى في دنياه ليسعد نفسه وكل فرد يجتهد وفق فهمه لإسعاد نفسه؛ فالبعض يوفق والكثير يرسب في الوصول للسعادة الحقيقة للنفس وفي كلا الحالتين هم يحبون أنفسهم ولا ضير في ذلك.
والنفس كما هو معلوم تنقسم لثلاثة أقسام:

- نفس مطمئنة: وهي التي ذكرها ربنا في كتابه: {يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي} [الفجر:27] فهي تسير على منهج الله ورسوله في الدنيا وتسعد بذلك في حياتها حتى تلقى ربها.

- نفس لوّامة: وهي التي تلوم صاحبها على بعده أو شرود ذهنه وقلبه عن طريق ربه فيعود سريعاً.

- ونفس أمّارة: وقد ذكرها ربنا بقوله: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [يوسف:53].

فنحن أمام أقسام ثلاث وهذا المدخل كان لا بد منه لنبين للقارئ المسار الصحيح للنفس وتزكيتها، والآن حان موعد طرح السؤال المهم: ما هي علامات حب النفس؟

وقبل الجواب أؤكد على مشروعية الأمر؛ فحب المرء لذاته ليس عيباً، لكن ما هو الحب المنجي الذي يسعد الشخص به في دنياه وآخرته بشكل يجعله عاشقاً لنفسه التي بين جنبيه؛ وهنا سنتكلم عن أبرز العلامات التي تتعلق بذلك:

1- التزكية

إن الرب العليّ -سبحانه وتعالى- خلق نفوسنا وأظهر لها الطريق الصحيح ونصحها بالسير فيها ونهاها عن المسير نحو الهلاك: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد:10]، {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} [الشمس:7]، وعليه فإن تزكية النفس بالشكل الذي يرضي ربنا من أهم علامات الحب للذات وإلا كيف يزعم الفرد حبه لنفسه وهو تاركها في ظلمات المعاصي والفتور عن طريق الله؛ فلعمري هذا كره مهما أقسم صاحبه أنه حب ونظرة قاصرة للدنيا وفهم شاذ ليس له محل من الإعراب.

2- الانقياد والاتباع

رحم الله مالك بن دينار حين قال: "رحم الله رجلاً أتى بنفسه فوبّخها وشدد عليها ثم ألزمها كتاب الله فصار لها قائداً" وهذا الأمر ركن من السمو بها والسعي لنجاتها بلا تجمل؛ فالقرآن حياة ولا قيمة لنفس لا تتبحر في كتاب ربها ولا أهمية لبنيان بينه وبين القران جفاء، ولا مكان في سجلات الذاكرين عند ربنا لشخص يهجر القرآن.

ورحم الله الفاروق عمر كان يترك القضاء والحكم بين الناس ويذهب للقرآن وهو يقول: "أخشى أن يقول القرآن يا رب إن عمر اتخذني مهجوراً" فعلى المرء المحب لذاته أن يلزمه الاتباع الصادق للقائد في الدنيا حتى يأتي القائد إليه يوم القيامة فيقوده إلى الجنات.

3- الصديق قبل الطريق

إن المرء على دين خليله وإذا أردت أن تقيّم شخصاً فمن ضمن تقييمك له معرفة من يصاحب؛ وعليه فالأمر واضح وضوح الشمس في رابعة النهار؛ فمن يجد سلواه مع أهل المسجد وروّاده فهو محب لذاته ساع في إسعادها؛ فالرفيق الصالح زاد في طريق المحن، والسير معه كله خير، فإما ينصحك أو يأمرك بطاعة أو ينهاك عن منكر وفى كلٍ خير، وأما إن كان من تخالل من رواد المقاهي والمعاصي فطريقك محكوم عليه بالضيق والفشل وأنت بكل تبجح تعلن عداءك لذاتك من حيث تظن أنك تمتعها وتلبي رغباتها، فاليوم قد تكون صامتة لكنها غداً ستشهد عليك أمام الله فبئس المسير ولقبح المسار فانتبه لذاتك قبل فوات الأوان.

4- التطوير والتأهيل

إن الشخص المحب لذاته يدرك عيوبها وجوانب القصور فيها فيقرر حينها أن يتغير ويسعى في الرقي بها فإن كان لا يقرأ فليتدرب على القراءة وإن كان لا يعي دوره وماهية الحياة فليبحث عن هذا الأمر وإن كان لا يفهم شيئاً في مجالات العلوم الإنسانية فلا يبخل بالسعي، والحمد لله اليوم هناك الكثير جداً من المقالات والكتب والمحاضرات الموجودة التي تعبر عن كل هذه الأمور التي تضيف للمرء ارتقاء وفهما في مجتمع الناس، المهم أن ينتقي كل هذه الأمور بالشكل الصحيح، فنحن في ثورة أفكار ومعلومات والكثير يلمع وله بريق لكن القليل مخلص وله أثر.

5- الاهتمام بالصحة

إن المرء يقيناً لن يكون سعيداً إذا أقعده الداء وكان قادراً على أن يأتي بالدواء ويعالج ذاته، بل إن أحد الأصدقاء أرسل إليّ يوماً يطلب الرأي، فقال: "إن ابنه يلومه كثيراً على عدم اهتمامه بصحته، حتى قال له يا أبي إنك تكرهنا أنا وأخواتي لأنك لا تذهب للطبيب فهل تحب الموت"! فقلت له الأمر خطير فلا تستهن فالابن تشبع بأنك في خطر وحبه لك أنطق لسانه وهو قد لا يعلم وضعك المادي أو مشكلاتك، لكن المسلم القويّ خير وأحب إلى الله من الضعيف، وإن كنت مهتماً بذاتك فأنت سند لمن تحب، وفي العكس فأنت عبء عليهم، فضلاً عن أنك قد تجبر أهلك على سؤال اللئام، ونحن - يا صاحبي - في دنيا صعبة ومتقلبة الأحوال.

ختاماً، هذه الأمور الخمس قد تكون مظلة جامعة لحب الذات -بالشكل الذي يتماشى مع الواقع- وبشيء من البساطة والسلاسة التي نحتاجها، وبعيداً عن الغلو أو الإفراط، المهم أن يبدأ المرء في تجديد عهده مع نفسه وقلبه وربه في حياة حقيقية تعيد لنفسه رونقها وبريقها وضياءها المستمد من المحراب وحسن الفهم للحياة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب وباحث مصري الجنسية، مؤلف عدة كتب فى التربية والتنمية "خرابيش - تربويات غائبة- تنمويات". مهتم بقضية الوعي ونهضة الأمة من خلال التربية.

شاهد أيضاً

الاستيعاب طريق النصر والتمكين

يا أبناء دعوة السماء.. لم يكن لدعوتكم أن تنجح ويصلب عودها لولا فضل الله عز …