كورونا وما أرتنا إياه.. لماذا يجب أن نبني مع الخالق لا مع المخلوق؟!

الرئيسية » بصائر الفكر » كورونا وما أرتنا إياه.. لماذا يجب أن نبني مع الخالق لا مع المخلوق؟!
ap20067435365224

في حقيقة الأمر؛ فإن هذا السؤال لا يتعلق بأمور عقدية –بالرغم من أن صُلْبَه من صميم أمور العقيدة– بقدر ما يتعلق بنَوَاحٍ تربوية وعملية في حياتنا، وبالتالي؛ فهو من أهم الأمور التي ينبغي على كل مسلم إدراكه ضمن قضية الحياة وفق التصوُّر الإسلامي، وكيف تكون.

كما أنه متصل في جانب من جوانبه بالظروف الراهنة التي تمر بها الإنسانية؛ حيث قادت أحوال وباء كورونا المستجد إلى العديد من التبعات في المجال الاجتماعي كما في المجال الاقتصادي، وحتى على المستوى النفسي في ظل ما أثبتته تأثيرات الحدث من أمور من أهمها أننا على أكبر قدر من الهشاشة.

بل إنه يمكننا القول إننا رأينا لمحة من بعض الأمور التي تكلَّم عنها القرآن الكريم عن مشهد يوم الحشر والحساب، وأهمها صورة مرعبة نفسيًّا لنا جميعًا، وهي فرار الإنسان من أخلائه وأحبابه، سواء لتأمين نفسه من العدوى، أو تفضيلاً لمصالحه الذاتية على مصالحهم.

وكأننا نرى رأي العين ما قالته الآيات الكريمات: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ(37)} [سُورَة "عَبَسَ"].

والمشاهد المروِّعة التي رأيناها على شاشات الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي في مجتمعات كانت تظن نفسها على أكبر قدر من المناعة الصحية والاجتماعية؛ تقود بدورها إلى ضرورة التدبُّر والتفكير في سياقات حياتنا. تدبُّر وتفكير لابد وأن يقودنا إلى إعادة النظر في كل شيء نحيا به، وفي نظرتنا ذاتها إلى الأمور.

المشاهد المروِّعة التي رأيناها على شاشات الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي في مجتمعات كانت تظن نفسها على أكبر قدر من المناعة الصحية والاجتماعية؛ تقود بدورها إلى ضرورة التدبُّر والتفكير في سياقات حياتنا. تدبُّر وتفكير لابد وأن يقودنا إلى إعادة النظر في كل شيء نحيا به، وفي نظرتنا ذاتها إلى الأمور

فلقد رأينا مجتمعات تزعم أنها وصلت إلى أكبر مراتب الإنسانية واحترام حقوق الإنسان؛ رأينا أفراد هذه المجتمعات يتصارعون على علبة من الحليب أو الجُبن أو المطهِّر لا تزال متبقية الأرفف الخاوية للمتاجر الكبرى!

بل إن ذلك شمل حتى أشياء فيها الحياة أو الموت، مثل المعدات الطبية المهمة، كالملابس الواقية وأجهزة التنفس الاصطناعي، وبالتالي؛ فإن الصراع عليها، وسعي بعض أصحاب رؤوس الأموال إلى الاستحواذ عليها واحتكارها لأجل التربُّح، أبرز أسوأ جوانب الإنسانية وحشية، والتي هي من دون أدنى تردد أو شك، هي مخاض الرأسمالية اللعينة، التي تتضمن الكثير من الجوانب النفسية والاجتماعية التي جعلت الإنسانية أدى إلى مرتبة البهيمية!

وهذا ليس قولي، وإنما هناك فلاسفة ومفكرون لديهم يعترفون بذلك، ويُصدَمون في أنفسهم ومجتمعاتهم في كل مرَّة يحدث فيها مثل هذه الأحداث الكاشفة!

وهذه الوحشية ليست فقط على مستوى الشركات وأصحاب الصيدليات والمتاجر، وإنما حتى على المستوى الفردي للبعض؛ حيث إن هناك مَن فضَّل تأمين نفسه بعبوة كاملة من الكمامات، وترك غيره، وفيهم الأطفال والمسنون والحوامل، للموت حقيقةً بالمعنى الحرفي للكلمة من دون كمامة واحدة!

هكذا فجأة؛ عادت البشرية في سلوكها وطبائعها النفسية إلى عصور الغاب، وتبيَّن لنا أن الحضارة لم تصبِغ علينا سوى قشرة بسيطة سرعان ما تتساقط مثلما يتساقط الدِّهان الهش قليل الجودة من على جدار هشٍّ بدوره أغرقته المياه!
ومن فُحش وقساوة الموضوع، وجديته؛ وصل الأمر إلى أن حكوماتهم خرجت إلى العلن لكي تطالبهم بالهدوء وبمراعاة بعضهم البعض، ولا كأنهم في أحد بلدان العالم الثالث التي تسببوا هم في تأخرها وتخلفها، ثم اتضح أنها أكثر حضارة منهم بمراحل، فلم نسمع عن بلد عربي أو من بلدان الجنوب الفقيرة، قد حدث فيها ذلك.

رأينا الوظائف تنهار، والمشروعات تفشل، والأحلام تتبدد، وبدا وكأنَّ الناس قد صاروا أعداء لبعضهم البعض.

بطبيعة الحال؛ لم تصل الأمور إلى أسوأ صورها؛ حيث لا تزال الحكومات والروابط الاجتماعية حاكمة للكثير من صور الفوضى، ولكن ما بدا أمامنا لابد وأن يدفعنا إلى التفكير في نقطة مهمة يطرحها دائمًا حتى مدربي التنمية البشرية والعاملين في حقول التطوير الإداري، وهي مدى صحة الكيفية التي نتحرَّك بها في حياتنا، ومدى كفاءة رهاناتنا فيها!

إن جائحة كورونا المستجد ليست بدعًا مما تثبته الأحداث اليومية لنا في حياتنا، ولكننا نتغافل عنها، ولكن ميزة الوباء أنه مثَّل صيحة قوية عميقة التأثير، تمامًا مثل الفارق بين الضوء العادي الذي يمر بنا ونمر به مرور الكرام، وشعاع الليزر والأضواء المركَّزة التي تخترق عيوننا وأجسادنا اختراقًا.

جائحة كورونا المستجد ليست بدعًا مما تثبته الأحداث اليومية لنا في حياتنا، ولكننا نتغافل عنها، ولكن ميزة الوباء أنه مثَّل صيحة قوية عميقة التأثير، تمامًا مثل الفارق بين الضوء العادي الذي يمر بنا ونمر به مرور الكرام، وشعاع الليزر والأضواء المركَّزة التي تخترق عيوننا وأجسادنا اختراقًا

إن كورونا وكل "كورونات" حياتنا تقود إلى مجموعة من الحقائق التي ينبغي على الإنسان العاقل الوقوف أمامها، وأهمها هشاشتنا وهشاشة بنياننا، وأن ما نبنيه مع الناس، ومع الدنيا، إنما هو زائل، وضعيف، وغير مضمون، وأن ما نبنيه مع اللهِ تعالى فقط هو المضمون، والحقيقي، والدائم .

فحتى لو خلُصَت النوايا والعواطف فيما بيننا، وشملتنا مشاعر التضامن كما نرى في كثير من مجتمعاتنا العربية والمسلمة التي لا تزال شرائح فيها تحتفظ بفطرتها الصحيحة، وعلى قدر التديُّن المطلوب؛ تبقى نقطة هشاشة بنياننا وترتيباتنا.

وهو درس من المفروض أننا استوعبناه من زلزال ثورات ما يُعرَف بالربيع العربي، عندما رأينا بنيان الأباطرة وسادة الاستبداد والفساد والقسوة، والذين ظنوا أنهم قد ملكوا الدنيا وما فيها، ووصلت سطوتهم إلى وأطراف الأرض؛ رأينا كيف أنْ بُنيانهم قد انهار في لحظات مثل نِمْرٍ من ورق أو قصور الرمال على شاطئ البحر، ونالوا المهانة والعقاب من نفس الكأس التي كانوا يسقونها لشعوبهم، وصاروا مجرد خبرًا لـ"التريند" أو لاستكمال نشرات الأخبار، ثم ذابوا تحت التراب!
فإذا كانت هذه النوعية من البُنيان قد سقطت، وبسهولة، وكان من أهم علاماتها الخذلان؛ حيث تخلى الحلفاء عن حلفائهم، ومن قبل حتى؛ رأينا شاه إيران الذي كان يملك ملك كسرى، قد ظلَّت طائرته في الهواء غير قادرة على الرسو في أي بلدٍ كان يبدي له المودة وقتما كانت له السطوة والصولجان!

فالبشر غير مضمونين، وعوارضهم كثيرة، وقد يكونوا غير منطقيين في الأصل، وعلى أكبر قدر من الضعف كما جاء في القرآن الكريم.

بينما البناء مع اللهِ تعالى؛ إنما ضمانته أنه يتم مع الخالق القادر، ومالك المُلك، والذي لا يخلِفَ وعده، ولديه خزائن السماوات والأرض، ولا يخذلك أو يظلمك، وقيوم على شؤون عباده وخلقه، والصبور عليهم، الذي يغفر لهم زلاتهم ، ولا يحاسبهم بذنوبهم وإلا ما أبقى عليها من دابة.

وكل هذه المعاني في القرآن الكريم، ونصوصها واضحة، ونجدها مُطَبَّقة في الهدي النبوي، حديثًا وسيرةً وتربية.

كما أنه يتم في اتجاه الحياة الحقيقية، الحياة الآخرة؛ حيث الدنيا لا تساوي عند اللهِ جناح بعوضة، وهي متاع الغرور، بينما الآخرة لهي الحيوان. وكل هذا مذكور، وبوضوح كذلك في معين عقيدتنا الأساسي، وهو القرآن الكريم، وأصَّلته التربية النبوية.

ولكننا نجد من البعض عجبًا حتى في أبسط قواعد المنطق العقلي؛ حيث يبني بنيانه على شفا جرفٍ هار، ومع المخلوق الضعيف، ويضع لذلك كل الحسابات والأولويات، بينما يتجاهل مَن هو الذي بيده مصائرنا حقيقةً، والقادر حقيقةً، وهو الخالق عز وجل.

إن فزع المسلم قد يكون مبرَّرًا بطبائع الإنسان التي جَبَلَه اللهُ تعالى عليها، ولكنه لا ينبغي أن يحول بينه وبين أن تكون لديه كل هذه المُدْرَكَات، والتي –ومن المدهش أن بين ظهرانينا مَن يتجاوز هذه الحقيقة– فيها سعادته الحقة، واطمئنان نفسه، وأمانه النفسي.

لكنها –كما قلنا– مهمة تربوية، دينية ونفسية وسلوكية، وهي ما تفتقده مجتمعاتنا بشكل عام، وإن كان ينبغي الإشارة هنا إلى أنها من ضمن المناهج والأساليب التربوية التي نجدها في الكنائس المشرقية التي لم تتخلى عن فكرة أن الدين هو تصور شامل للحياة، وهو عقيدة وحياة، ودنيا وآخرة.

والمسلمون أولى بأن تكون لديهم هذه الرؤية في ظل ما تقدمه لنا الشريعة الإسلامية من شمول في مختلف الأمور والاتجاهات؛ العقيدة والعبادات والمعاملات، وفيما يخص تصور الإنسان لنفسه وللآخرين، وللكون من حوله، وصولاً إلى خالقه.

وبالتالي؛ فإنها مهمة دُعاة وتربويين بامتياز، وينبغي في هذا الصدد استعادة المنهج النبوي في التربية، والذي قاد إلى تأسيس جيل كامل تعامل مع الدنيا والآخرة ومفاهيمهما بهذا المنطق، فوجدنا مَن يترك ماله وتجارته وحياته للحاق بالرسول الكريم "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم" في هجرته، وفي عملية تأسيس دولة الإسلام الأولى، ومجتمع الإسلام الأول.

هذا حدث ببساطة لأنهم فهموا أن التجارة مع اللهِ تعالى أبقى وأكثر ضمانة، وفائدة حتى بمنطق المصلحة المادية، من التجارة مع البشر .

لكننا نجد في عصرنا الحالي مَن يقرأ كل ذلك في القرآن الكريم، ولا يفهمه وبالتالي لا يعمل به، وبالتالي –أيضًا– يقف فَزِعًا خائفًا، وضعيفًا مشلولاً، قليل الحيلة، عند كل جائحة تصيبه!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

الحركات الإسلامية وأزمة “التضاد” مع الدولة الوطنية… كيف عالجها الإسلام؟

كانت فترة الثورات الشعبية التي شهدتها عددٌ من الدول العربية -فيما عُرِفَ بـ"الربيع العربي"، والسنوات …