ماذا تعني معرفة الله؟ وكيف تكون؟

الرئيسية » خواطر تربوية » ماذا تعني معرفة الله؟ وكيف تكون؟
large_loving-muslims-begins-with-honesty-9x8ifhrf

لعل غالب المسلمين يعلمون أسماء الله تعالى علماً تقريرياً، أي أنهم يَسرُدونها مُقرّين أن هذه الصفات هي لله تعالى وحده، فالله تعالى هو وحده بالتأكيد: الخالق، الحق، العدل، المالك، الرزاق، الباقي... لكن مكمن الغفلة الحقيقية والمعرفة الحقّة معاً في: مدى إدراك المسلم لدلالة أسماء الله تعالى ومقتضيات صفاته، وأثرها بالتالي في تكوين هذا الوجود وسننه ومخلوقاته، ثم ما ينبني على إيمانه بها في حركته هو في الحياة، فكريًّا ووجدانيًّا وسلوكيًّا، هذا هو الفيصل الحقيقي بين المؤمن بالله وغير المؤمن، وإلا فما معنى الإيمان وما جدواه إذا لم يكن يفرق بين حياة الاثنين في غاياتها ونهجها وحركتها؟

إن تصوّرك عن ربك الذي خلقك واستيضاح طبيعة صلتك به تعالى، هما مفتاح صوغ علاقاتك بنفسك وبالناس وبالكون من حولك، صياغة صحيحة متّسقة مع طبيعة خِلقتها، لذلك كان التعرف إلى خالقك هو مبدأ انضباط بوصلتك في الحياة، ومعرفة ربك تعالى أساس العلم بأيّ شيء تتعلمه بعد ذلك، فأي معلوم من المعلومات سوى الله تعالى، وأيّ علم غير العلم بالله تعالى، سيكون علماً متعلقاً بملكوته أو بمخلوقاته أو بشرعه، ومن هنا تتضح أهميّة استقامة فهمك للمنبع الرئيس، الذي تستقي منه بعد ذلك مختلف تصوراتك، وتصوغ من خلاله رؤاك لما ولمن حولك، والجهل بالله تعالى ومقتضيات أسمائه وصفاته، هو المدخل الأول لسوء التعامل مع كافّة مفردات هذا الوجود وموجوداته.

إن تصوّرك عن ربك الذي خلقك واستيضاح طبيعة صلتك به تعالى، هما مفتاح صوغ علاقاتك بنفسك وبالناس وبالكون من حولك، صياغة صحيحة متّسقة مع طبيعة خِلقتها

ثم العلم بالله تعالى هو باب الإيمان ومكمن الاستقامة، فمعاملتك مع ربّك تعالى هي جوهر قضية الإيمان، إنك حين تدخل في معاملة جادّة مع شخص يهمّك إنشاء صلة معه، تهتم بمعرفة صفاته وتفضيلاته واهتماماته... إلخ؛ لتنشئ تصوّراً مبدئياً عنه فتُعامِله وفقاً له، وهكذا تتوطد علاقتك به ويتعمق فهمك له، أوليس ربك الله الذي خلقك وإليه مردّك وعليه حسابك، أحقّ وأَوْلى من تهتم بمعرفة أسمائه وفهم صفاته واستشعار قَدْره، وتفهم ما يترتب على الإقرار بذلك حين تعلن الإيمان به تعالى، لتستقيم معاملتك معه من بعد؟

والعلم بالله تعالى وصفاته، هو سراجك على الطريق، وشَاهدك أثناء سيرك في الحياة، ألا ترى كيف أنك حين تسير في طريق مجهول لك وخالٍ من العلامات الإرشادية، تكون متوتراً مترقباً كثير التلفّت، أملاً في ظهور لوحة توجيهية، أو بزوغ "شاهد" ما يهديك الطريق؟ والشاهد في اللغة هو النجم الذي يُستدّل به في الطريق، لأنه "يَشْهَدُ" بالليل، أي: يحضر ويظهر، كذلك حين "تشهد" ألا إله إلا الله، فذلك يعني أنك أدركت واستبنت حقيقة أنه "لا معبود بحق سوى الله تعالى"، فشَهِدت بتلك الحقيقة، أي أظهرتها وبيّنتها، في وجدانك وكلامك وفعلك، والذي يشعر أنه مفتقر في حياته لما يسمّى "وضوح الرؤية"، إنما هو في الحقيقة مفتقر لذلك الشاهد، الذي ينير له السبيل الحق، ويبيّن له الوجهة الكبرى، وقد وَرد في الأثر: "لا سَيْر لِمَنَ لا شَاهِدَ لـَه".

تأمل في هذه التساؤلات، التي ينبغي أن تكون ركناً أثناء تعلم المؤمن بالله عن الله:

• ما الذي يترتب على إيماني بأن الله هو "الخالق"؟ ثم أنه "خالقي" أنا شخصياً؟

• ما معنى إيماني بأنّ الله تعالى وحده هو "الحق"؟ وما أثر ذلك في تصوري لأركان الوجود ومعاملات الحياة؟

• ما مدلول أن الله هو "المالك" في الأنفس والآفاق؟

• وما الذي يترتب على إيماني بأنه تعالى "مالكي" أنا شخصيًّا؟ وما أثر ذلك في تعاملي مع نفسي وأهلي؟

• إلى أيّ مدى أوقن حقّاً أن الله وحده "الرزاق"، فلا أحد سواه يملك أسباب منح الرزق أو منعه؟

• وماذا يجب أن يترتب على ذلك اليقين إذا صدق، في فكري ووجداني وسعيي؟

لذلك فمدى حرص المؤمن بالله على العلم بربّه تعالى، من مِحَكَّات صدق إيمانه ، و(المِحَكُّ) اسم آلة من (حَكّ)، وحَكّ الشيء أي: فَرَكه ليختبره، كما تُحَكُّ المعادن بالأحجار، لاختبار مدى جودتها وأصالتها، فكذلك صدق إيمانك بالله يتجلى في حرصك على العلم به سبحانه طَواعية وقت رخائك، ومن رصيدِ ذلك الحرص تكون عُدَّتك في الشدة؛ لأن اختبارات الدنيا وشدائدها تَحكّك وتَفرُكك لتكشف لك عن معدنك وحقيقة إيمانك، فيرسَخ يقينك في الله إذا كنت ممتلئاً على بصيرة، أو تُورَث الحيرةَ والتشتت في صلتك بالله إذا كنت صِفراً على عمى!

كثير من مداخل الخلل الفكري والثغرات الوجدانية عند المسلمين سببها الاجتزاء أو التبعيض، في معرفة بعض أسماء الله وصفاته دون بعض

ومن اللازم لسلامة إسلام المؤمن وتجديد إيمانه، أن يعتني بالتعرف لمختلف أسماء ربه تبارك وتعالى وصفاته والتعبّد بمقتضياتها، وكثير من مداخل الخلل الفكري والثغرات الوجدانية سببها هذا الاجتزاء أو التبعيض، كمن يعرف الله الرحيم الغفور دون الجبار المنتقم، فيُشكِل عليه استيعاب الحدود الشرعية ويتوهّمها قسوة، أو كمن يَحجُبه التعبد لله الوهاب الباسط المعطي عن الله المانع القابض: أو من يستغرق في دلالات أسماء الجبروت والعظمة عن أسماء البر والإحسان، وهكذا، وهذه الشمولية في المعرفة والتطبيق هي مقصود قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180]، بل إنك تلحظ في القرآن الكريم تنويع ذكر أسمائه سـبحانه في الموضع الواحد، لتتعدد موارد التعلق، فيتربّى القلب بالتقلب في مختلف مدارج العبودية بحسب أحواله.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

شاهد أيضاً

بُشرى المُسافرين وسلوى المُغتربين

إن مفارقة الأهل والأحباب من أصعب الأمور على النفس؛ ذلك للارتباط الفطري للإنسان بمسقط رأسه …