ما للمؤمنين لا يرجون لله وقارًا!

الرئيسية » خواطر تربوية » ما للمؤمنين لا يرجون لله وقارًا!
muslims63

مما تقتضيه معرفة الله خالقاً، إدراك ومراعاة فارق رُتبة الخالق تعالى عن المخلوق، ويترتب عليها التزامات على رأسها مراعاة حرمة جناب الله تعالى وجلاله مطلقاً، و "الْحُرْمَةُ" في لسان العرب: "مَا لَا يَحِلُّ انْتِهَاكُهُ أو استحلاله، والجمع (حُرُمَات)، و(مَحَارِمُ) الرجل: مَن لَا يَحِلُّ له اسْتِحْلَالُهُن بالنكاح من القريبات، و(الْحَرِيمُ): مَا حُرِّمَ فَلَمْ يُمَسَّ ولا يُدنَى مِنه".

والمقصود بحرمة جناب الله أن لقدر الخالق تعالى جلالاً وعظمة مطلقين، يستوجبان من المخلوقين جميعاً تعظيمه وتوقيره وإجلاله، والأدب مع جَنابه حتماً في الفكر والشعور والسلوك من قول وفعل، وتُوجِب عليهم جميعاً الإثم والعقوبة حال مخالفة ذلك، وانتهاك تلك الحرمة يقع -مع الأسف- لا من الكافر فحسب بكفره، بل من المؤمن كذلك حين لا يلتزم ما يقتضيه إيمانه بالله من أدب وتوقير لجناب الله تعالى، والأدب مع جناب الله في الاعتقاد والقول والعمل، ركن لازم للإيمان به، بل إنّ حقيقة الديانة أدب في القلب قبل حركات الجوارح ، وورد في تفسير قوله تعالى: {مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً} [نوح: 13] "ما لكم لا تبالون وتخافون عظمة ربكم أو لا تعظّمون الله حق عظمته".

لقدر الخالق تعالى جلالاً وعظمة مطلقين، يستوجبان من المخلوقين جميعاً تعظيمه وتوقيره وإجلاله، والأدب مع جَنابه حتماً في الفكر والشعور والسلوك من قول وفعل

ومن صور سوء الأدب التي انتشرت بين المسلمين -مثلاً- ذكر اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم دون لقب قبل اسمه الشريف أو الصلاة بعده ، وكذلك الحال مع مختلف الأنبياء والرسل، والأصحاب والآل، مع أنّ الله تعالى أمر أن يُوقّر نبيُّه -صلى الله عليه وسلم- وأن يُبَجَّل وأن يعظَّم وأن يُسَوَّد، ولم يكن أحد من الناس ينادي المصطفى -عليه الصلاة والسلام- في زمانه باسمه مجرَّداً، إلا الكفار والمشركين، فتأمّل! وانظر فيما كتب الرافعي في رسائله لكاتب في زمانه اسمه "أبو ريَّة"، كانت عنده تلك العادة: "أنبّهك إلى أنك كررت في كتابك ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- دون أن تُتبِع اسمه الشريف بصيغة الصلاة عليه! وهذا سوء أدب، لا أقبَلُه أنا من أحد ولا أقِرُّ أحداً عليه، وأنت حين تقول في كتابك "إن الألفاظ ألفاظ محمّد"، لا تكاد تمتاز عن رجل مظلم القلب! نعوذ بالله من هذه الظلمة، فانتبه إلى ذلك، واستغفر الله لنفسك" (رسائل الرافعي لأبي ريَّة).

وليست هذه الفعلة إلا صورة من بين صور عديدة لغفلة المؤمنين عن مقتضيات الإيمان بالله -جل وعلا- من الأدب والتوقير والتعظيم والإجلال، بما يعكس مدى ضعف استشعار قدر الخالق تعالى وحجم المخلوق، بالإضافة لخمود في الحَمِيَّة وهمود في الغَيْرة على جناب المولى تعالى من المؤمن به خاصة، وإن الذي يُنتَهك عِرضه أو يُشتَم أحد والديه في حضرته فلا تأخذه حَميَّة ولا أَنَفة، يُعَدّ ساقط المروءة، فكيف إذن غدت كثير من مظاهر سوء الأدب وانتهاك حُرمة جناب المولى عندنا -معشر المؤمنين بالله- عادية، لا تثير فينا أي حَميّة أو توقظ فينا لله وقاراً؟!

لا عبرة في ميزان الله الأُخرَويّ بأي عمل ظاهره الخير أو الصلاح مهما يكن مدى نَفعِه، إلا أن يكون مِن مؤمن به تعالى بداية

لذلك يجب اعتبار تربية توقير الله وتعظيمه في نفوس المؤمنين ووجدانهم أَوْلَى أولويات الإصلاح والدعوة ، فإن الكِبر وسوء الأدب مع جناب الله تعالى، وتعاظم المخلوق في نفسه عند معاملته لخالقه، من أشنع الآفات القلبية التي تطمس الفكر والوجدان وتصدّهما عن كل خير، وإن إدراك فارق الرتبتين، وإحياء حرمة جناب الله في قلب المؤمن، كفيل بإفهامه المنطقِ وراء أحكام الشرع في ترتيب موازين الأعمال في الآخرة، ومفاضلات المعاملات بين الناس في الدنيا، على أساس الإيمان أو الكفر، من ذلك، أنه لا عبرة في ميزان الله الأُخرَويّ بأي عمل ظاهره الخير أو الصلاح مهما يكن مدى نَفعِه، إلا أن يكون مِن مؤمن به تعالى بداية، ثم يكون النظر في مدى إخلاص المؤمن أو درجة صلاحه، وأما مَن يعمل مِن الصالحات وهو غير مؤمن بالله (وضمناً لا يرجو مثوبة عمله عند الله) فيوفّيه الله ما شاء من جزاء ذلك في الدنيا، ولا يكون له في الآخرة من ثوابها نصيباً (إلا أن يشاء الله شيئاً)، كما قال الله تعالى: {من كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً} [ الإسراء:19] وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً} [ النساء:116 ].

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

شاهد أيضاً

كيف تمت الفتوحات الإسلامية بشكل سريع؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه واتبع …