من حِجْر الأم إلى الحَجْر الصحي (مهداة إلى غزة زمن الكورونا)

الرئيسية » بأقلامكم » من حِجْر الأم إلى الحَجْر الصحي (مهداة إلى غزة زمن الكورونا)
gaza (1)

في جوف الليل –مرَّة أخرى– أيقظني بكاءُ طفل اخترق الآفاقَ، فقطَّع حجُب الزمان والمكان؛ ولقد ظننته صوتا لرضيعِ جارتنا السفلية؛ غير أنه بدا بَعد التحقُّق صوتًا على غير العادةِ: ملائكيَّ النغمات، سماويَّ النبرات، ربانيَّ النفحات...

أصختُ أذني اليسرى وأنا نائم على جنبي الأيمن...

ثم استويتُ قاعدا فألقيت أذني اليمنى...

فإذا هو صوتٌ جاء من بعيدٍ... من آلاف الأميالِ هنالِك...

صوتٌ لطفلٍ جميل موسَّدٍ حِجْر أمّه، وهي تهدهده بصبرٍ وأناةٍ، وترافقه بنشيدٍ حزينٍ، لكنه أبيٌّ، تردد فيه قصيدتها الأبدية:

نم يا بني... فإنَّ علبة الحليب قد نفذت قبلَ أيام، وعلبة الدواء لم نرها حتى في الأحلام، وحدودَ بلادك قد غلّقت قبل أعوام، والعالـَمون (والعالـِمون) يحاصروننا هنا مثل الهوام...

نم يا بني... وأرسل شكواك إلى ربّ السماء، فإنَّ "ربَّ الأرض" أصمُّ أبكمُ، جائرٌ فاجرٌ؛ ليس من عادته أن يستمع للضعفاء، هو فقط رهنُ إشارة الأقوياء...

نم يا بني... ولقد جفانا أهلُ الدار... وخاننا القريب والبعيد، بل وحتى الجار... ولم يلقِ "بنو البشر" بالاً لصراخُك السرمديَّ: البدار، البدار...

نم يا بني...

*******
فجأة وبدون سابق إنذارٍ، تغيَّر العالـَم وتبدَّل، فصارَ من في الأعلى هنالك في الأسفل؛

وصار المحاصِر - بقدرة العليم القدير - محاصَرا؛

وصار المخوِّف بجبروت - الواحد القهار – خائفًا...

صار الكبار صغارًا، والصغار كبارًا

صار الجائع شبعان والشبعان جائعا...

فجأةً، أرسل الله ذو الجلال والإكرام عسكريًّا في رتبة "جنديٍّ" صغيرٍ صغيرٍ...

جنديٌّ لا تراه العيون، ولا تشمُّ ريحه الألسن؛ ولا تسمع خطوه الآذان، ولا يدخل البيوت بالاستئذان...

فجأةً، تحوَّلت غزَّة التي كانت لزمن طويل تحت الحصار... صارت آمَن أرض الله تحت سماء الله...

وصارت تل أبيب، وواشنطن، وباريس ولندن... بل والدوحة والرياض، وعمان والقاهرة... صارت جميعُها عُرضة لقصفٍ جوّيٍّ أرضيٍّ بحريٍّ؛ فاختفَى أهلها في ديارهم، وآوى ملُوكها ورؤساؤها إلى قصورهم، وفرِض الحَجْر الصحيُّ على الملايين من ساكنيها، فزرِع الخوف في أفئدتهم كاشفًا أبلغ معاني الجبن والهوان...

فجأةً، ولقد سمع الله صوتَ ذلك الرضيع، وهو في حِجر أمّه، ففرض على الناس حصارا بنفس الحروف، فسمي حَجْرا...

*******
"من حِجر الأم إلى الحَجر الصحي": هي قصَّة هذا الزمن الصعب، زمن الكورونا...

فهل نحن واعون، وهل نحن تائبون نادمون؟

أم أنَّ طغياننا لا يزال قائما، وكبرياءنا لا يزال قيّما؟!

وحينها لن يكسِر غرور البشرية إلاَّ مقدم عسكري أعلى رتبةً يرسله رب السماء، ويومها لا ضمان ولا أمان...

كل أملي أن نستفيق وأن نفيق...

أن نتذكر وأن نتذاكر...

أن نعتبر وأن نعبّر...

أن نراجع أنفسنا ونرجع إلى ربنا...

وحينها فقط، سيستدعي القادرُ الجبار جنديه، ويخلي منه أحياءَنا؛ فنغادر منازلنا؛ ونعود إلى التجوال والتزوار، والتجمُّع والتبضُّع، والتحلُّق والتسوُّق...

بل وإلى الصلاة جماعة في مساجدنا، والسفر بأمان بين مدننا...

والحج في اطمئنان إلى بيت ربنا...

*******

مرَّة أخرى، ينبعث أنين وبكاء، من صبيّ في حِجر أمه وهي تهدهده... ثم يقول ووالله إني لأسمعه:

"اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون،

اللهم ارحم البشرية فإنها لا تطيق ما أطيق، ولا تصبر على ما أصبر عليه...

اللهم إني قد سامحتُ البعيد والقريب، وعفوتُ عن الصديق والغريب...

فارفع عنهم الكورونا يا رب العالمين... آمين آمين آمين".

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الاستثمار الإيجابي لإجازة كورونا القسرية

في كل محنةٍ منحة، هكذا تعلمنا التجارب القادمة من الواقع، يقتنصها من يرغب ،ويعرف من …