موقف المؤمن من الابتلاءات

الرئيسية » بصائر تربوية » موقف المؤمن من الابتلاءات
muslim- doaa

تتسارع وتيرة الأحداث على الساحة العالمية بشكل بث الهلع في قلوب الكثيرين منا، وكأننا كنا نغط في سباتٍ عميقٍ أيقظنا منه طرقٌ عنيفٌ لا هوادة فيه، طرقٌ يذكرنا بأن النهاية أقرب مما نتخيل، والمرء إذ يركن لأعوام الرخاء والدعة يجعله في مأمن من أن تخطفه المصائب والشدائد بل والموت نفسه على حين غفلة، وما أشد غفلة الإنسان إذ ينسى أن دوام الحال من المحال وأنّ اعتياده لسير أعوام من عمره على نظام رتيب دون مكدرات -وهذا ما ندر- لا يعني ذلك انتهاء الابتلاءات وتوقفها، فإلْف الصحة والغنى والطمأنينة في النفس والأهل والوطن لا يعني خلو الحياة من الابتلاءات ، بل إنّ الابتلاء يكون بالخير كما هو في الشر، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى: إنّ خلو ساحتنا لحين من الابتلاء بالمصائب والشدائد لا يعني توقفها وانتهاءها بل هي كما الكأس تدور ليتجرعها كل منا في وقته وحينه.

والابتلاء والمحن من سنن الله في هذه الحياة الدنيا بكافة أشكاله وأنواعه؛ فهذه الحياة دار عمل لا دار جزاء ودار عبور لا دار قرار، ولو سلم أحد من الابتلاء لسلم منه صفوة الله في خلقه وأكرمهم عليه وأحبهم إليه -جل شأنه- وهم الأنبياء والرسل، عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم.

والابتلاء قد يكون فردياً في نفس الإنسان وشخصه، وإما ابتلاءً عاماً يعم الجميع كالزلازل والحرائق والحروب العالمية وانتشار الأوبئة، والابتلاء بغض النظر عن نوعه وشكله ومدته إنما هو ظاهرة صحية وسنة ربانية من خلالها يُمحص الناس وتُمتحن قلوبهم فيه ، فقد قال تعالى: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء:35]، أي: "نختبركم أيها الناس بالشر وهو الشدة نبتليكم بها، وبالخير وهو الرخاء والسعة فنفتنكم به" (تفسير الطبري).

ويتميز المسلم عن غيره في الابتلاء من خلال ردة فعله وسلوكه، وهذا التميز نتيجة لما رسخ في فكر واعتقاد كل منا؛ ففي حين ينظر غير المؤمن للابتلاء بعين السخط والكدر واليأس والحيرة والتيهان إنما كان ذلك نتيجة لطبيعة نظرته للحياة على أنها فرصته الوحيدة التي إن انقضت صار مصيره مجهولاً، وفقد كل بارقة للأمل من ثمة مؤشر جديدٍ لحياة أخرى تكون حصادَه مما زرع في حياته الأولى، والمؤمن يتلقى أمر اللّه برضا واستسلام؛ لأنه ابتداء ما ركن للحياة الدنيا ولا أخلد فيها؛ لأنه يعلم أنها جسر العبور ومزرعة لحياة أخرى، ولهذا فإن المسلم ينظر للابتلاء نظرة يستقي منها ويُربي نفسه على أبعاد وقيم الابتلاء التربوية ومن هذه الأبعاد والقيم:

أولاً/ تحقيق العبودية لله:
فالإنسان في كل حالاته ومقاماته لا يتعدى كونه عبداً لله؛ لقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] فلا يزال يتنقل في عبوديته بين الشكر في السراء والصبر في الضراء لا تفتنه الحياة بمباهجها ولا تجزعه بمصائبها ولا يخرج بذلك عن مقام العبودية لله.

ثانياً/ التوبة والأوبة لله:
يقول جل شأنه: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} [الحديد:16]، فالابتلاءات تضبط بوصلة الإنسان وتصحح مساره ، فيعود لله ذليلاً خاضعاً راجياً التوبة والقبول، والإنسان أقرب ما يكون لمولاه إنما في شدته ومصابه، وكأن الشدائد لها قرع يحيي موات القلوب ويستلها من غفلتها، فتعود عن ضلالها وغيها لرحاب الله كعودة العبد الآبق بين يدي سيده نادماً خاضعاً يرجو العفو والمغفرة والقبول.

ثالثاً/ الإخلاص وتزكية النفس:
وهذا مدار سعي الإنسان في حياته: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا* قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس:7-10] فبالابتلاء يقوم الإنسان على تعهد نفسه وتزكيتها وإصلاح ما انفرط من عهودها مع الله فيرجع لمولاه فيتبرأ من حوله وقوته ليلوذ بحول الله وقوته.

عند الابتلاء يقوم الإنسان على تعهد نفسه وتزكيتها وإصلاح ما انفرط من عهودها مع الله فيرجع لمولاه فيتبرأ من حوله وقوته ليلوذ بحول الله وقوته

رابعاً/ التضرع والدعاء لله:
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} [الأنعام:42]، وقد قيل في تفسير هذه الآية: "البأساء: الفقر والمصائب في الأموال، والضراء المرض والمصائب في الأبدان لعلهم يدعون الله بضراعة وهي التذلل" (زبدة التفسير).

خامساً/ تكفير الذنوب والخطايا:
لقوله صلى الله عليه وسلم: "ما من مصيبة يصاب بها المسلم إلا كفر بها عنه، حتى الشوكة يشاكها" (رواه مسلم).

سادساً/ الثواب العظيم الذي يرجوه المؤمن من ربه فيما أصابه من مصائب وشدائد:
لقوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ* الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ* أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة:155-157].

سابعاً/ التمييز بين المؤمن وغيره:
وهل غير الشدائد من يمتحن ويختبر معدن الإنسان؛ ليميز المؤمن عن غير المؤمن؛ لقوله تعالى: {مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران:179].

فالمؤمن يتلقى الشدائد بنفس راضية من ربها، خاضعة لحكمه وقضائه خضوع المحب الواثق بحكم حبيبه واختياره، ويصف الرسول -صلى الله عليه وسلم- حال المؤمن بقوله: "عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له" (رواه مسلم) مذكراً نفسه بأثر الابتلاء وعوائده على نفسه إن هو فهم مراد الله في سنن الابتلاء؛ فالابتلاء مدرسة ينبغي أن يخرج منه المؤمن بحال أفضل من حاله قبلها ، فلا ينبغي أن يعبث كما العابثين الذي حُجبت أفهامهم وبصيرتهم عن مراد الله في سنن الابتلاء، فلا يسخط مع الساخطين ولا يروج الإشاعات والأباطيل، ولا يضيع وقته فيما لا فائدة به يستحث الزمن ويشغل نفسه باللهو والذهول عن مراد الله.

وما سنن الابتلاء إلا ليستيقظ قلب النائم من سباته والغافل من غفلته والذاهل من ذهوله، فيعودوا إلى رحاب الله متجردين من النزعة القارونية والفرعونية التي أنشأهم عليها رخاء السنين ومسراتها، ومن شأن المؤمن الذي يرجو ما عند الله ويبتغي وجهه أن يشغل نفسه في كل أمور دنياه بسرائها وضرائها بأمر الله بالله، وهذا أوجب ما يكون في الشدائد والملمات، لا أن ينشغل بذلك عن الله ومراده.

اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة حاصلة على الدكتوراة في العقيدة والفلسفة الإسلامية من جامعة العلوم الإسلامية العالمية في الأردن. و محاضرة في جامعة القدس المفتوحة في فلسطين. كتبت عدة مقالات في مجلة دواوين الإلكترونية، وفلسطين نت، وشاركت في المؤتمر الدولي السادس في جامعة النجاح الوطنية حول تعاطي المخدرات. مهتمة بالقضايا التربوية والفكرية، وتكتب في مجال الروحانيات والخواطر والقصة القصيرة.

شاهد أيضاً

الغفلة.. المرض الفتاك

في خضم الأحداث والتغيرات التي تمر على الأفراد والحركات وخاصة تلك التغيرات المفاجئة والمتسارعة التي …