وقفةٌ مع “كورونا” في العلم والدين

الرئيسية » تحقيقات وحوارات خاصة » وقفةٌ مع “كورونا” في العلم والدين
coronavirus-graphic-web-feature

د. العطار: الجهاز المناعي للإنسان قادر على القضاء على هذا الفيروس

زمارة: على المريض أن يسعى جاهدًا للعلاج إن كان ممكنًا، ويكون آثمًا إذا تركه، وأن يبذل كل جهده لعدم انتشار مرضه وتعديته إلى غيره، وذلك من خلال عدم الاختلاط بالناس

ينشغل العالم منذ نهاية العام المنصرم بـ"كورونا"، ذلك الفيروس الذي يتخطى إجراءات الحكومات لينتقل من بلدٍ لآخر، فيدبّ الذعر بين سكانه، بل ويخشاه حتى أبناء الدول القليلة التي لم يصلها بعد.

ولأن الفيروس يكاد يكون موضع حديث الناس دومًا، فقد كثر الكلام المتعلق به، وتعددت المعلومات المغلوطة بخصوصه، ويا لكثرة الشائعات، النقاشات بشأنه تأخذ مناحي عديدة، منها ما يتعلق به كمرض، ومنها ما يربطه بالعقوبات الربانية، عقوبات للصين بسبب ما فعلته حكومتها للمسلمين من أقلية الروهينغيا، أو عقوبات للمسلمين أنفسهم لأنهم لا يلتزمون بدينهم كما يجب، وآخرون يرون عكس ذلك، يقولوا هذا ابتلاء للمسلمين ليرفع الله درجاتهم.

"بصائر" يناقش في هذا التقرير المرض من الزاويتين العلمية، والدينية...

درهم وقاية

لنتعرف على المرض وما يتعلق به من زاوية علمية، ننقل لكم ما تقوله عنه منظمة الصحة العالمية، التي أعلنت قبل أيام أنه تحوّل لـ"وباء".

فيروسات كورونا هي فصيلة كبيرة من الفيروسات التي قد تسبب المرض للحيوان والإنسان، ويسبب فيروس كورونا المُكتشف مؤخرًا مرض "فيروس كورونا كوفيد-19"، الذي ظهر لأول مرة في مدينة يوهان الصينية في كانون الأول/ ديسمبر 2019، بحسب الصحة العالمية، ولم يكتشف علاج للمرض حتى الآن، والمضادات الحيوية لا تجدي نفعا لأنها لا تقضي على الفيروسات.

تشير الإحصائيات إلى أن نحو 80% من المرضى يتعافون دون الحاجة لعلاج خاص، وتشتد حدة المرض لدى شخص واحد تقريبًا من كل ستة مصابين

أعراض المرض الأكثر شيوعا، هي الحمى والإرهاق والسعال الجاف. وأحيانا الآلام والأوجاع، واحتقان الأنف، والرشح، وألم الحلق، والإسهال، وعادة تكون الأعراض خفيفة وتزداد تدريجيًا، ويصاب بعض الناس بالعدوى دون أن تظهر عليهم أي أعراض.

وتشير الإحصائيات إلى أن نحو 80% من المرضى يتعافون دون الحاجة لعلاج خاص، وتشتد حدة المرض لدى شخص واحد تقريبًا من كل ستة مصابين. ويرتفع احتمال الإصابة عند المسنين والمصابين بمشكلات طبية أساسية مثل ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب. وبلغت نسبة الوفيات 2% ممن أُصيبوا بالمرض.

العدوى من شخص مُصاب لآخرين، تتم من خلال القُطيرات الصغيرة التي تخرج من الأنف أو الفم عندما يسعل المُصاب أو يعطس، حيث تتناثر هذه القُطيرات على الأشياء المحيطة به، وهنا يمكن أن يُصاب الآخرون إذا لمسوا الأماكن الملوثة بالفيروس، ومن ثم لمسوا أعينهم أو أنوفهم أو أفواههم، ويحدث أيضا أن تنتقل العدوى إذ تنفس الإنسان تلك القطيرات.

لا تظهر الأعراض فور الإصابة بالفيروس، ففترة الحضانة في الجسم تمتد من يوم واحد حتى 14 يومًا، وعادة تستمر خمسة أيام، وخلال هذه الفترة ينتقل المرض للآخرين.

وللوقاية، تلك بعض النصائح التي تقدمها منظمة الصحة العالمية:

• نظف يديك جيدًا بانتظام بفركهما بمطهر كحولي لليدين أو بغسلهما بالماء والصابون.

• احتفظ بمسافة لا تقل عن متر واحد بينك وبين أي شخص يسعل أو يعطس.

• تجنب لمس عينيك وأنفك وفمك.

• تأكد من اتّباعك أنت والمحيطين بك لممارسات النظافة التنفسية الجيدة، والتي تعني تغطية فمك وأنفك بكوعك المثني أو بمنديل ورقي عند السعال أو العطس، ثم التخلص من المنديل المستعمل على الفور.

• الزم المنزل إذا شعرت بالمرض. إذا كنت مصابًا بالحمى والسعال وصعوبة التنفس، التمس الرعاية الطبية، واتصل بمقدم الرعاية قبل التوجه إليه، واتّبع توجيهات السلطات الصحية المحلية.

حذرٌ لا هلع

د. حسين العطار: لا داعي للهلع... فقط اتخذ التدابير الوقائية

ويتحدّث لـ"بصائر" استشاري الأمراض الصدرية الدكتور حسين العطار، يقول إن تركيب الفيروس يسمح له بالانتقال والتناسخ بسرعة كبيرة بين الخلايا، وهذا التناسخ السريع أدى لظهور طفرات في الفيروس، لذا يصعب إيجاد علاج له.

ويضيف: "الجهاز المناعي للإنسان قادر على القضاء على هذا الفيروس، لكن أي خلل مناعي يُفقد الجسم هذه الخاصية".

لا ينفي العطار خطورة المرض، ولكنه يؤكد أن لا داعي للهلع، المهم هو اتخاذ التدابير اللازمة للوقاية، واستقاء المعلومات من المصادر الموثوقة دون الالتفات للإشاعات والمعلومات المغلوطة.

ويؤكد أن الفرد إذا اتبع إرشادات الوقاية، فعلى الأغلب لن ينتقل الفيروس له، وعليه أن ينتبه إذا تعامل مع قادمين من دول ينتشر فيها المرض، أو مع أشخاص تبيّن لاحقًا أنهم مرضى وكانوا في فترة حضانة المرض عندما تواصل معهم، وقد يحتاج للفحص، وفي حال ظهور الأعراض، فعلى الإنسان أن يعزل نفسه فورا ويتواصل مع الجهات المختصة لتتعامل معه.

ويلفت إلى أن تشخيص المرض يتم من خلال أخذ عينة من دم المُشتبه بإصابته وتحليلها بجهازPCR.

ويشير إلى أن الكثير من المعلومات التي يتناقلها الناس عن الفيروس لا أساس لها من الصحة، ومن أبرز تلك المعلومات المغلوطة أن العلاج ممكن بالثوم وزيت السمسم ووضع الثلج على الجسم، وأن البعوض ينقل الفيروس، وأنه ينتقل في الهواء لمسافة ثمانية أمتار، بينما الحقيقة أنه يبقى في الجو لمتر واحد فقط.

ويحذّر من التعاطي مع الإعلانات التجارية لمنتجات يدّعي أصحابها أنها تشفي المصابين بالفيروس.

ويشدد العطار على أهمية دور الحكومات لحصر المرض، إذ يقع على عاتقها توعية الناس، وتخصيص خط هاتف لاستفسارات المواطنين بشأن المرض، وتوفير أجهزة الفحص، واتخاذ إجراءات سليمة في التعامل مع القادمين من الخارج خاصة الدول التي ينتشر فيها الفيروس، وعزل من يلزم عزلهم، وتوفير مكان مناسب للعزل، وإصدار قرارات من شأنها تخفيف الازدحام والتجمعات.

الحجر الصحي في الإسلام

الداعية أحمد زمارة: منحَ الإسلامُ لمن التزم بالحجر الصحي ثواب الشّهادة إن مات متمسكًا بتعاليم الإِسلام الصحية، وجعل عقوبةَ المتهرب منها كعقوبة الفارّ من الزحف

وبالانتقال للجانب الشرعي، يقول الداعية أحمد زمارة إن الإسلام جعل التداوي من الأمراض أصل ثابت من أصوله ، وحثّ عليه وطلب من أتباعه أن يطلبوه، فعندما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنتداوى؟"، قال: "تداووا فإن الله تعالى لم يضع داءً إلاّ وضع له دواء غير داء واحد الهرم".

ويضيف: "العلاج من خلال الإيمان بالله تعالى وبالقضاء والقدر، وإرجاع الأمر كله إلى الله، مع الأخذ بجميع الأسباب المتاحة لدفع المرض، والأخذ بالحيطة والوقاية قبل الوقوع والإصابة، ثم الأخذ بجميع الأسباب المتاحة للعلاج".

ويتابع: "على المريض أن يسعى جاهدًا للعلاج إن كان ممكنًا، ويكون آثمًا إذا تركه، وأن يبذل كل جهده لعدم انتشار مرضه وتعديته إلى غيره، وذلك من خلال عدم الاختلاط بالناس، وعدم الخروج من بيته إلاّ للضرورة، فإيذاؤه للآخر مُحرم، ففي الحديث النبوي: (لا ضرر ولا ضرار)".

وعن غير المريض، فيوضح زمارة: "عليه ألا يقترب من المُصاب بمرضٍ معدٍ، ولكن بلطف ولباقة دون إيذاء لمشاعره".

ويستدل على ذلك بما ورد عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، عندما خرج عمرُ بنُ الخطابِ رضي اللهُ عنه إلى الشامِ، حتى إذا قَربَ مِنَ الشامِ لقيَهُ أمراءُ الأجناد،، فأخبروهُ أنَّ الوباءَ قد وقَعَ بأرضِ الشامِ، فدعَا عمرُ الصحابةَ واستشارَهُم، فاختلفُوا، فقال بعضُهُم: قد خرجتَ لأمرٍ ولا نرى أنْ ترجعَ عنهُ، وقال بعضُهُم: معكَ بقيةُ الناسِ وأصحابُ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم ولا نَرى أنْ تُقدِمَهُم على هذا الوباءِ، فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ: "إِنِّي مُصَبِّحٌ عَلَى ظَهْرٍ فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ"، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ: "أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ؟"، فَقَالَ عُمَرُ: "لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ؟ نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إِبِلٌ هَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ، إِحْدَاهُمَا خَصِبَةٌ، وَالأُخْرَى جَدْبَةٌ، أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ، وَإِنْ رَعَيْتَ الجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ؟"، فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ -وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ، فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي فِي هَذَا عِلْمًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلاَ تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ".

ويبيّن: "نصّ الفقهاءُ على أنه لا ينبغي لمن بهِ مرضٌ مُعدٍ أنْ يُصليَ مع جماعةِ المسلمينَ وأنَّ مِنَ الأعذارِ التي تُبيحُ التخلفَ عن صلاةِ الجماعةِ كلُّ مَرضٍ يمنعُ صَاحبَهُ مِنَ التمكُّنِ مِن حضورِهَا أو يتسببُ بتنفيرِ الآخرينَ مِنَ المصلينَ منهُ، وغيرُها مِنَ الأمراضِ القابلةِ للنقلِ للآخرينَ".

ويلفت إلى أنه مما يتميز به المسلم عن غيره، أنه مأمورٌ شَرعًا بالالتزامِ بالحَجرِ الصحيّ، فالإسلامَ جعلَ المسلم مُحاسِبًا ورقيبًا على نفسِه، ومنحَ الإسلامُ لمن التزم بالحجر الصحي ثواب الشّهادة إن مات متمسكًا بتعاليم الإِسلام الصحية، وجعل عقوبةَ المتهرب منها كعقوبة الفارّ من الزحف.

علامات الابتلاء

وعن سؤال هل المرض بلاء أم ابتلاء؟، ينقل زمارة الإجابة عن الشيخ محمد صالح المنجد، الذي يقول: "فإذا كان المبتلى كافرا: فلا يمكن أن يكون بلاؤه لرفعة درجته، فالكافر ليس له عند الله وزن يوم القيامة، لكن قد يكون في ذلك عبرة وعظة لغيره، ألا يفعل مثل فعله، وقد يكون من ذلك من عاجل عقاب الله له في الدنيا، زيادة على ما ادخره له في الآخرة، وأما إذا كان المبتلى مسلما عاصيا مجاهرا، أو فاسقا ظاهر الفسق: فقد يغلب على الظن وجه المجازاة والعقوبة بهذا الابتلاء، لأن تكفير السيئات أسبق من رفع الدرجات، والعاصي أحوج إلى تكفير سيئاته من رفع درجاته، وفي المقابل إذا كان المسلم عابدا طائعا صالحا، ليس بينه وبين الله إلا العبودية الحقة، والشكر والحمد والإنابة والإخبات إليه سبحانه، فهذا يغلب على الظن في ابتلائه وجه المكرمة ورفع الدرجات".

ويوضح: "علامة الابتلاء تكفيرًا وتمحيصًا للخطيئات: الصبر الجميل بلا شكوى ولا جزع ولا ضجر ولا ثقل في أداء الأوامر والطاعات، وعلامة الابتلاء لارتفاع الدرجات: الرضا والموافقة، وطمأنينة النفس، والسكون للأقدار حتى تنكشف".
ويقول زمارة: "أولى من ذلك كله أن يحسن العبد الظن بربه دائما".

وينقل عن ابن باز رحمه الله ما قاله عن الشماتة بالكافر عند مرضه: "والمقصود أن المؤمن عندما يفرح بما يحل بالكافر أو الظالم من المصائب، ينبغي أن يكون فرحه لما في ذلك من منافع، وما يترتب عليه من مصالح عامة أو خاصة بأهل الإيمان، لا لمجرد المصيبة، ومع ذلك فلا يتعارض هذا الفرح مع الأسى الذي يجده المؤمن لرؤية الكوارث التي تصيب الإنسانية، ويتأكد هذا في حق الكفار المسالمين، فضلا عن المسلمين الذي يصابون في مثل هذه الكوارث. وأما إذا حصل ذلك لكفار يحاربون الإسلام وأهله، ويعاندون الحق ويسعون في الأرض فسادا، فالفرح هنا أتم وأكمل، بل هذا مما يُطلب من الله ويُلَح عليه في الدعاء به، وهو من جملة ما ذكره القرآن عن دعاء أنبياء الله تعالى ورسله على أقوامهم المكذبين لهم، المعاندين للحق".

ومما يكثر ظهوره في أوقات الأزمات، نشر الإشاعات، والاحتكار في السلع، وفي وقت "كوفيد 19" لا حصر للإشاعات والمعلومات المغلوطة، منها ما يدبّ الرعب في نفوس الناس كنشر أعداد غير صحيحة عن عدد الإصابات والوفيات، ومنها ما يقدّم وصفات علاجية لا أساس لها من الصحة. وفيما يتعلق بالاحتكار فهو يطال السلع الغذائية، وأدوات السلامة والوقاية مثل الكمامات والمعقّمات.

وحول هذه السلوكيات يقول زمارة إن من ينشرون الإشاعات ويهولون الحدث فيربكون المجتمع ينطبق عليهم قول الله سبحانه: {ولا تقفُ ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا}، وقوله أيضا: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد}، وكذلك قول النبي: "كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ".

ويضيف: "من يحتكر السلعة وقت حاجة الناس إليها، ويمعن في تعذيب عباد الله، آثم صاحب جرمٍ كبير"، مذكرا بحديث النبي: "من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغلبه عليهم كان حقًا على الله أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة".

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
صحفية فلسطينية من غزة، حاصلة على درجة البكالوريوس في الصحافة والإعلام من الجامعة الإسلامية، تكتب في عدد من المواقع المحلية والعربية

شاهد أيضاً

دروس وعبر من معركة “العصف المأكول” في ذكراها السادسة

ستة أعوام مرّت على معركة "العصف المأكول" التي بدأت في السابع من تموز/ يوليو من …