إعمال العقل في لُزوم ما يَلـزَم

الرئيسية » خواطر تربوية » إعمال العقل في لُزوم ما يَلـزَم
How-to-be-a-Mindful-Muslim

تخيّل مشهد فلاح يَجرُّ بقرة من قَرنيها بإصرار مُستميت من جانبه، وهي تعاكسه بعناد أحمق من جانبها، لأنها تريد التوجه جهة جُرفٍ في أسفله أعشاب ناضرة!

تفكّر لو أنّ الفلاح ترك البقرة على هواها، ولم يحاول أن يَعقِلها، فإنّ مصيرها لهلاك محقق، أمّا من منظور البقرة، فمُنْعُها من النزول للأعشاب الناضرة التي تهفو إليها هو الظُّلم بعينه!

وقد يبدو لك أنّ مثل هذا الشدّ والجذبّ سيدوم طويلاً جداً حتى تخضع البقرة، إلا أنّ المحاولة لن تستغرق أكثر من بضع دقائق فعلياً إذا ثَبتَ الفلاح على موقفه بحزم وإصرار، لترضخ بعدها البقرة وإنْ على كُره منها، وتنقاد لصاحبها الآخِذِ بزمامها بحسم.

ما أشبه هذا المشهد الواقعي بحالنا مع نفوسنا! وإذا كانت نفوسُنا بخلاف البقرة قابلة لتعقيلها بالحوار والتفكر في العواقب، فذلك لا ينفي أنّ الهوى يُعميها أحياناً، فتكون كالبقرة أو أضلّ! ووقتها لا بدّ أن تَعْقِلها بالإكراه إن لم تستطع تعقيلها بالحسنى.

فإن قلتَ: أيُعقَل أن يعيش الإنسان حياته على تلك الشاكلة، بمجرد إملاءات المسؤولية العقلية دون وجدانها؟ كان الجواب بأنّ المسألة مسألة وقت ورياضة حتى تتشرب النفس مذاق المسؤولية التربوي، كما نشأت في طعم تلبية الهوى، وهذا يتحقق -بعون الله- بالانقياد العقلي لدوافع المسؤولية ورهبة عواقب التفريط فيها، مع الإذكــاء الوجداني لدوافع المحبة والرغبة في الخير، حتى تستقيم نفس المؤمن على شاكلته كمــا ينبغي بإيمانه، فيُحبَّب إليه الانضباط والمعـــالي أصـلاً، وإن وقع في الزلل والحيود عَرَضاً، بخلاف من حاله العكس.

فالمسألة في التصور الشرعي ليست كبتاً للوجدان أو معاداة للنفس بذاتها، بل رياضة وتهذيباً لمختلف أطوار النفس وجوانبها لتطويعها على أمر خالقها، الذي خلقها قابلة لهذا التطويع، وإن بعد حين من المكـابدة والمصابرة، وفاقاً لجوهر الامتحان وغاية رحلة العمر في هذه الدار، وإنّ المسؤولية والواجب هما سرّ الحياة ودافعها الوجودي!

المسألة في التصور الشرعي ليست كبتاً للوجدان أو معاداة للنفس بذاتها، بل رياضة وتهذيباً لمختلف أطوار النفس

فإنك إذا تأملتَ في أيّ مُنجز من منجزات ابن آدم، ووقفتَ على دقائق إتمام ذلك المنجز وكافة مراحله، ستجد لا ريب معاني: التعب، والحيرة، والتخبط، والخوف، والتعب، والحزن... وكافة المفردات التي نسمّيها ظلماً بـ "أسرة المشاعر السلبية"، فليس الشأن ألا تمرّ بهذه المشاعر لتكون شخصاً ناجحاً، بل إنه لا يُتوقع نجاح من أي نوع وبأي درجة بغير الذوق من كلّ أولئك، والتعلم والتربية بكلّ أولئك، والمُضِيّ قُدُماً مع كلّ أولئك؛ لأنّ ثمة دوافع وجودية ومحرّكات بشريّة أخرى غير المزاج والهوى والمحبة، وهي الانضباط الذاتي ومسؤولية الالتزام ، هذا هو الفارق بين مَن صَبَر على عَقَبة حتى ذَلَّت، وعلى ما لا يطيب حتى تَبَدَّل أو طاب، ومن فرَّ عند أول مرارة، ونَكَص على عَقِبَيه بعد أول خطوة.

وطبيعة الوجدان الإنساني أنه قائم على التقلب والفوران، بينما طبيعة العقل الرسوّ والإحكام، لذلك كان تكليف الله لنا مشروطاً بالعقل في الأساس، لا بحضور المزاج وانشراح الوجدان، إذ العقل أَثبَتُ أداءً، وإن كان الوجدان أعمق حضوراً، ومن ثَم فأن تبلغ درجة "استشعار" المسؤولية الوجودية بوجدانك، وتستحيلَ شُعلة وقّادة من الهِمَّة والحيوية، هو مطمح كل نفس مؤمنة، بل ومن مطالب الإيمان القائم على محبة الله تعالى - كما ذكرنا في السؤال الأول - لكن لأنّ المسؤولية خاصية وجودية، فاستدعاؤها ليس حِكراً على طاقة الوجدان وَحدَه، بل يكفي لذلك أن "تعقل" ما علمتَ من حقيقة أنك مسؤول محاسب أمام ربك، أي تستحضرها ذهنا وتقررها فكراً، فتتصرف وفقاً لذلك سلوكاً، وإن كان وجدانك غير حاضر تماماً.

النفس على ما عوَّدتها، فمن جعل عادته أن ينتظر انقياد نفسه طواعية وحضور مزاجه ابتداء، سيطول انتظاره، بل لعلّه لا يصل أبداً

لكنّ مثل هذه المناورات والمصطلحات غير مطروقة في الثقافة التربوية اليوم، القائمة على تقديس الشغف وتدليل المزاج، بل هي مذمومة ومُحارَبة، ولا ينتبه أصحاب ثقافة الهوى والاستهلاك إلى القاعدة البدهية: "النفس على ما عوَّدتها" فمن جعل عادته أن ينتظر انقياد نفسه طواعية وحضور مزاجه ابتداء، سيطول انتظاره، بل لعلّه لا يصل، بخلاف من يأخذ بزمام نفسه لمصلحتها، فستنقاد له ولو بعد حين، وكَمْ مِن عمل تبدأه مستثقلاً، ثم إذا خُضتَ فيه نَشَطَت نفسُك واستجاب مزاجك.

وظيفة العقل أنه لجام كابح وقائد حازم، فضع في حُسبانك أن طعم إعماله ليس بنكهة الفراولة ! وتوقّع قَدْراً من المنازعة وفترة من الشدّ والجذب مع اعتياد طعم الهوى، وصابر حتى تتوازن الكِفَّة وينتفي الخلل، وستجد وقتها أنّ الموازنة استقـــامت في غالبهــا على طريقة سَوِيَّة بتوفيق الله.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

شاهد أيضاً

كورونا… ضاقت ولما استحكمت حلقاتها فُرجت!

الابتلاء في الدنيا من سنن الحياة فيها... قال ابن الجوزي في صيد الخاطر: "من يريد …