البشارة النبوية في زمن المحنة

الرئيسية » بصائر تربوية » البشارة النبوية في زمن المحنة
rsz_muslim-man-prays-
4.44 / 5 (9 votes)

لا تكاد تخلو أمة من الأمم أو زمن من الأزمان من الابتلاء، تتباين به الأمور وتمحص به قلوب المؤمنين؛ تحقيقاً لمشيئة الله وإرادته، لقوله تعالى: {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} [آل عمران:141]، بل إن #الابتلاء لينزل بأقوام هم خير منا، وأزمان أفضل من أزماننا، كيف لا وقد كانت سنة الابتلاء تجري على أقوام بين ظهرانيهم صفوة الله من خلقه الأنبياء والرسول -أفضل الصلاة وأتم التسليم عليهم جميعاً- وهذا نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- يُبتلى بنفسه وماله وأهله وصحابته مما ليدرك المسلم الموقن بربه أن الابتلاء لا يقتصر على العصاة والمجرمين الذي غضب الله عليهم وإن كان عذاباً لقوم فهو رحمة لآخرين، وإن كان عقوبة للظالمين فهو رفعة وعزة وصفوة للمقسطين والمحسنين .

وفي ما يجتاح الأمة اليوم بل العالم بأسره من جائحة لا تخلو منها بقعة أرض خرج على الناس من يهددهم ويحذرهم من عواقب أفعالهم بأن غضب الله عمّ الجميع لدرجة أنه أوصد باب بيوته في وجوههم وطردهم خزايا مدحورين بأفعالهم عن أبوابه، فازداد البلاء والمحنة على الناس أضعافا مضاعفة، وهل هناك أعظم من أن يُطرد العبد عن باب الله، وقد نسي كثير منا تحت سياط الألم التي نجلد بها أنفسنا وذواتنا أن ابتلاء ما أشبهه بابتلائنا قد أصاب خير القرون والأزمان وهو عصر النبي المبعوث رحمة للعالمين وقد وقع الطاعون وهو ما يعرف بطاعون عمواس أصيب وقضى به ثلة من خير الناس وهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد ورد أن أمنا عائشة -رضي الله عنها- قالت: سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الطاعون -وكأني بقلوب المؤمنين تنتظر مشرئبة ظمأى لجوابه -صلى الله عليه وسلم- ليعلموا حالهم وأحوالهم، أبرحمة يتقلبون أم بلظى الغضب والطرد يصطلون، فيجيب الذي لا ينطق عن الهوى قائلاً: "إنه عذاب يبعثه الله على من يشاء، وأن الله جعله رحمة للمؤمنين ليس من أحد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابراً محتسباً يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد" (صحيح البخاري).

والحديث به بشرى ونسمة نبوية تمر على قلب المؤمن في ظروفنا هذه وفي كل وقت يتعرض به المؤمنون للابتلاء، فتقلب هذه البشرى محنة المؤمن إلى منحة؛ إذ يشتمل هذا الحديث على خبرين لا بد من التأمل بهما:

الخبر الأول/ أنه عذاب للكافرين، والعذاب له عدة أشكال وأنواع، فتارة يكون بالطوفان وتارة بالزلازل والبراكين والأوبئة يرسلها الله ليطهر الأرض من رجس الكافرين وظلمهم وجورهم، وهذه آثارهم في الأرض شاهدة عليهم عبرة لغيرهم وتذكر بمصيرهم لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد أفلا من معتبر! فهذا الخبر إذاً يحدثنا عن أمر وقع ولا رادع لوقوعه للكافرين الذين ملأوا الأرض جوراً وقهراً.

الخبر الثاني/ رحمة للمؤمنين، إذ يتحول هذا الابتلاء بعد أن كان عذاباً للكافرين إلى رحمة ورفع درجات للمؤمنين والرحمة تتجلى بصور وأشكال شتى، فمنها:

1. أمر المؤمن كله خير استناداً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له" (صحيح مسلم).

2. رحمة لمن قضى في هذه الابتلاءات إذ له أجر الشهيد كما أخبرنا رسول الله في حديث أمنا عائشة.

3. أن هذه الأمة باقية لن تستأصل شأفتها لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "سألت ربي ثلاثاً فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسَّنَةِ فأعطانيها وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها" (صحيح مسلم).

4. تظهر معادن الناس وتراحمهم وتكاتفهم في المصاب وقضاء حوائج المحتاجين منهم، وانظر لقوله تعالى: {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} [البلد:14]، والمسغبة يوم المجاعة الذي يعز فيه الطعام.

5. اغتنام الأوقات للتقرب إلى الله -سيما والناس يمكثون في بيوتهم لتعطيل مناحي الحياة- وإعادة النظر في حياتهم التي كانت، وترتيب أولوياتهم، وإعادة النظر في طريقة التعامل مع من يسكنون من عائلاتهم والاعتناء بهم وجعلهم أولوية بالتعهد والقيام على شؤونهم، حتى بعد انتهاء فترة الوباء.

6. تذكير الإنسان بقدر نفسه وضعفه برغم ما حققه من التطور والتقدم والاختراعات، حتى ظن أنه بالعلم أصبح سيداً لهذا الكون وأنه لا يقهر بكل ما معه من وسائل وإمكانات، فجاء هذا الفيروس الذي لا يُرى بالعين المجردة وما هو إلا من جند الله؛ ليعيد الإنسان لحجمه الحقيقي ويذكره بضعفه.

7. الرحمة ما بعد الابتلاء تتجلى لمن ينجو إذ مده الله بمزيد عمر، لعله يستدرك ويستثمر ما بقي من عمره ويضاعفه في الصالحات ويشهد انتهاء الظالمين، لا سيما وهذا الوباء نراه يطيح بدول بلغت قوتها الاقتصادية والعلمية والعسكرية ما لم يغن عنها كل هذا شيئاً من أمر الله، إذ يقول تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس:24].

وأخيراً، هناك جانب إرشادي ينص عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس من أحد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابراً محتسباً يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد" (صحيح البخاري)، وهو ما يسمى اليوم بالحجر الصحي الذي سبق وأمر به النبي -صلى الله عليه وسلم- من قبل أن يتوصل له العلم الحديث وفي هذا أجر لمن يصبر ويحتسب.

أيها المؤمن الذي انفطر قلبه لغياب الصلاة الجامعة عن المسجد، ما أغلقت المساجد إلى لنطير إلى الله بأرواحنا وقلوبنا، فينطوي صدر كل واحد فينا على محرابه يتبتل إلى الله ويلوذ بركنه  وقد أغلقت في أيام خير من أيامنا وفي حياة من هم خير منا لأسباب كما الريح والمطر فقد روي: "أن رسول الله كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة أو ذات مطر يقول ألا صلوا في الرحال" (سنن أبي داوود)، فما جزع المؤمنون ولا حملوه على أنه مقت وغضب من الله، لا تجلد ذاتك فوق القدر المحمود فما زال قلبك مطمئناً بلا إله إلا الله، وأنت -بإذنه تعالى- مشمول بالرحمة التي أخبرنا عنها نبينا ورسولنا ، وإن حدثتك نفسك بغير ذلك فاعلم أنه تلبيس من إبليس ليشتت طاقتك وجهودك، ويقعد بهمتك وسعيك عن المسير إلى الله، فتؤول عاقبة أمرك للخسران، وإياك أن تخرج من هذا الابتلاء كما كنت عليه من قبل، وليكن هذا الابتلاء ميلاداً جديداً لنا، ونقطة تحول في حياتنا نحو الأفضل، وتصحيح مسار تكون به أولى خطواتنا أوبة إلى الله وتعلقاً بحبله المتين.الم

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة حاصلة على الدكتوراة في العقيدة والفلسفة الإسلامية من جامعة العلوم الإسلامية العالمية في الأردن. و محاضرة في جامعة القدس المفتوحة في فلسطين. كتبت عدة مقالات في مجلة دواوين الإلكترونية، وفلسطين نت، وشاركت في المؤتمر الدولي السادس في جامعة النجاح الوطنية حول تعاطي المخدرات. مهتمة بالقضايا التربوية والفكرية، وتكتب في مجال الروحانيات والخواطر والقصة القصيرة.

شاهد أيضاً

استمرار العمل التربوي في ظل الجائحة

مما لا شك فيه، أن جائحة كورونا قد أثرت على معظم جوانب الحياة، ويتفق الجميع …