المتكلم والفيلسوف والأصولي

الرئيسية » كتاب ومؤلف » المتكلم والفيلسوف والأصولي
كتاب المُتَكَلِّم والفيلسوف والأصولي - الغلاف الأمامي

تأتي مسألة كيفية إسقاط الحكم الشرعي على الواقع أو الحالة، ضمن مسألة أوسع، وهي التشريع في المجتمع المسلم، كأحد أهم مسارات ومثارات الجدل عبر التاريخ الإسلامي، سواء لجهة كيفية فهم النص الشرعي، أو كيفية تطبيقه واستخلاص الأحكام منه، سواء الأحكام العامة أو الأحكام التي تتعلق بتكييف وتوصيف حالة أو واقعة، أو حدث بعينه.

وطيلة التاريخ الإسلامي، تباينت اتجاهات التعامل مع هذه المسألة؛ حيث ظهرت الكثير من المدارس والتيارات التي تبنى كلٌّ منها أداة مختلفة في الاقتراب من هذه المسألة، بين الاقتراب الفلسفي، والاقتراب الفكري، بجانب – بطبيعة الحال – الاقتراب الفقهي المباشر.

والكتاب الذي بين أيدينا، "المُتَكَلِّم والفيلسوف والأصولي: مسارات في الفكر التشريعي الإسلامي"، للكاتبة والأكاديمية المصرية، الدكتورة ماجدة عمارة، يحاول أن يستكشف منطقة مهمة لم يسبق للكثيرين أن طرقوها، وهي الكيفية التي تراكم بها التشريع الإسلامي عبر القرون الماضية، وكيف وصلنا.

وحددت عمارة مساراتٍ ثلاثٍ أساسية لذلك، وهي: المدرسة الفقهية المباشِرة، والتي ندين فيها للسلف بالكثير أن وصلت إلينا بهذه الصورة، وأخذت لها الإمام الشاطبي نموذجاً، باعتباره فقيهاً أصوليّاً، والمدرسة الفلسفية، وأخذت نموذجاً لها ابن رشد، ثم مدرسة المتكلِّمين، وأخذت الإمام أبي حامد الغزالي لها نموذجاً.

الكتاب من تقديم الكاتب والباحث المصري، الدكتور عمَّار علي حسن، وهو باحث في مجال العلوم السياسية، وله اهتمام كبير بالظواهر الاجتماعية ذات الجذر السياسي، مثل الاحتجاجات الاجتماعية، كما أن له عدداً من المؤلفات ذات الصلة بالجماعات الإسلامية في مصر والعالم العربي.

مع الكتاب

وأول ملحظ في الكتاب، هو أن المؤلفة لم تمل إلى التنميط الذي يقود إلى صورة ذهنية خاطئة بوجود فصل بين مدارس التشريع والفكر الإسلامي بشكل عام عبر التاريخ؛ فهي تتناول هذه القضية، قضية التشريع وإسقاط أحكام الشريعة على الواقع، بصورة تقول بأن هناك تأثيرات متبادلة عميقة بين مختلف هذه المدارس والتيارات، وإن بدا هناك تعارُض بينها، بالشكل الذي حصل بين الغزالي الذي نقض الفلسفة كأداة تفكير، وبين ابن رشد المُصنَّف واحداً من أهم فلاسفة التاريخ الإنساني، وكان له ولمؤلفاته أبلغ الأثر في دخول أوروبا إلى عصر النهضة.

الأمر الثاني الذي أرادت المؤلفة التأكيد عليه في ثنايا فصول الكتاب الخمسة، هو ضرورة التمييز بين الشريعة ونصوصها، كإطار مقدَّس آتٍ من عند اللهِ -سبحانه وتعالى- وبين المُنْتَج البشري المتمثِّل في التشريع، أي استخلاص الأحكام والقوانين من الشريعة؛ فهي محور اختلافات كثيرة طيلة تاريخ المسلمين.

الفصل الأول/ من الكتاب تناول إشكالية جدلية مهمة في التاريخ الإسلامي، وهي تأثير السلطة والسياسة والحكم على عملية التشريع؛ فقد أشارت إلى أنه عبر تاريخ دولة الإسلام الجامعة -أيّاً كانت هويتها- كانت السلطات الحاكمة تسعى إلى استقطاب العلماء وتوجيه الفتوى والتشريع إلى الوجهات التي تريدها.

كذلك تناولت ظاهرة مهمة، وهي ظاهرة تبني الدولة أو السلطة الحاكمة لمذهب بعينه، وما تسبب فيه ذلك -في فترات تاريخية كثيرة- من مشكلات لأصحاب مذاهب أخرى كانت لهم رؤى فقهية مختلفة في الكثير من المسائل عن المذهب الحاكم لو صحَّ التعبير.

وتقصَّت المؤلفة هذه القضية بمنهج تاريخي موضوعي، ولم تقف عند القشور التي يميل البعض إلى إبرازها لتشويه التاريخ الإسلامي، ولكنها تعمَّقت بعيداً عن التوظيف السياسي لهذه الأمور، فتناولت قضايا اجتماعية مثل الأزمة التي وقعت بسبب تبني المالكية لموقف مخالف عن المذهب الحنفي الذي كان يسود الدولة العباسية في فترة من الفترات في موضوع طلاق الإكراه.

وفي هذا الإطار، تناولت المؤلفة نماذج لمعاناة الأئمة الذين رفضوا الانسياق إلى رغبات السلطة، وأبرزها محنة الإمام أحمد بن حنبل.

وأشارت في هذا الإطار إلى أن الكثير من هذه المواقف التي كانت في الجانب الاجتماعي، أدت إلى عواقب سياسية مُتَمَثِّلة في اضطرابات ضد السلطة الحاكمة عندما كانت تفرض أحكام مذهب بعينه على الناس على عكس مصلحتهم.
الفصل الثاني/ تناول المدرسة الكلامية في التشريع، ولعل أهم ما فيه -وهي كانت عقبة المُتَكَلِّمين الرئيسة في كثير من المحطات التاريخية- هو ما يظهر أنه تناقض بين منهجهم والمنهج العقلي والعلمي بشكل عام، وفي المجال الشرعي بشكل خاص.

وفي إطار مناقشتها لأفكار أبي حامد الغزالي في هذا المجال، واستندت إلى نصوص له وتحليلات لبعض الفلاسفة المحدثين، ومنهم الدكتور عاطف العراقي، ركزت على بعض الأسباب التي دفعته إلى نقض منهج الفلاسفة العقلي؛ فقد كان يرى أن إعمال العقل وفق المنهج الفلسفي، يقود إلى الطعن في مصداقية بعض أهم الجوانب في الإيمان بالعقيدة والشريعة، مثل ربانية المصدر، والمعجزات التي رافقت الأنبياء والرسل وتخرج عن نطاق العقل البشري القاصر.
وبالتالي فإنه كان يرى أن مبدأ الترافق بين الأسباب والنتائج، لا يمكن الإيمان به على طول الخط؛ لأن اللهَ تعالى بقدراته المطلقة، يمكنه فعل أشياء خارج نطاق هذا القانون.

وربما –من وجهة نظر خاصة– أن أفكار الغزالي في هذا المقام كان بها بعض الشطط والتحامل على كل الفلاسفة المسلمين؛ لأن كثيراً منهم كانوا يطبقون قانون السببية وفق رؤية تهدف إلى نقض الخرافات، ولكنهم كانوا يقفون بهذا التقييم عند مناقشتهم لوجود اللهِ تعالى وقدراته.

وابن رشد الذي خاض معه الغزالي معركة فكرية مشهورة في "تهافت الفلاسفة" و"تهافت التهافت"، كان في الأصل قاضياً شرعيّاً.

الفصل الثالث/ تناول مجموعة من المفاهيم المهمة في المدارس الثلاث التي اختصتها المؤلفة بالدراسة، مثل العلة والسبب ورؤية المُتَكَلِّمين والأصوليين والفلاسفة لها على حد سواء، في مقابل مفاهيم أصولية مثل المقاصد والمصلحة ودليل العناية، ورؤية هذه المدارس المختلفة لها.

وكما كانت الفصول السابقة في إطار مناظرة بين الكلاميين والفلاسفة، جاء الفصل الرابع في صورة مناظرة بين أفكار الفلاسفة –ابن رشد نموذجاً– وبين أفكار الأصوليين –الإمام الشاطبي نموذجاً– في بعض المفاهيم الأساسية، مثل الاستقراء والنظام الجدلي في المجال الفلسفي، وحدوده عند الأصوليين، في نظير البرهان والقياس عند هذه المدرسة، وكيف انتقدها ابن رشد لديهم.

الفصل الخامس/ يبدو فيه انحياز المؤلفة إلى المنهج الفلسفي القائم على تمجيد العقل، ولكنها طرحت وجهة نظرها من منظور إسلامي؛ فقد رأت في الاجتهاد العقلي وسيلة مهمة للتعامل مع مستجدات الواقع.

وتناولت في هذا الإطار بعض الفتاوى التي أثارت الجدل عبر التاريخ الإسلامي بين الشاطبي والغزالي في شأن مستجدات سياسية واجتماعية، مثل فتوى الغزالي ليوسف بن تاشفين بقتال ملوك الطوائف، وأن الزنا لا يوجِب حرمة المصاهرة، وفتوى الشاطبي بعدم جواز الدعاء للأئمة في الخطب المنبرية.

وفي الأخير؛ فإن المؤلفة خلُصت إلى نقد المذهب الكلامي، ورأته قاصراً، وأعلت من قيمة المذهب العقلي الاستقرائي في الفلسفة، ولكنها رأت أن الأصوليين من خلال أفكار الإمام الشاطبي، قد أفادوا منه في الكثير من الأمور.

مع المؤلفة

الدكتورة ماجدة عمارة، أستاذة في الفلسفة اليونانية والإسلامية، وناقدة أدبية، ومن بين المجالات التي تخصصت فيها البحث في ظاهرة ما يُعرَف بالإسلام السياسي، والرد على نظرية التطور لداروين، وتفنيد ما جاء بها مما يخالف ثوابت الدين.

بيانات الكتاب:

اسم المؤلف: د. ماجدة عمارة
اسم الكتاب: المُتَكَلِّم والفيلسوف والأصولي: مسارات في الفكر التشريعي الإسلامي
مكان النشر: القاهرة
الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب
تاريخ النشر: 2018 م
الطبعة: الطبعة الأولى
عدد الصفحات: 215 صفحة

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

أهمية السيرة النبوية في ثقافة الداعية

تُعد السيرة النبوية الدستور التطبيقي لتعاليم الشريعة الإسلامية، والوعاء الدقيق لعملية الدعوة، وبالتالي فهي من …