حينما يبتعد الفن عن قضايا الأمة ليغدو أداة للمارقين

الرئيسية » بصائر الفكر » حينما يبتعد الفن عن قضايا الأمة ليغدو أداة للمارقين
111

طالعتنا قناة mbc كعادتها السنوية في شهر رمضان المبارك وصفاقتها الفنية المسمى زورا "دراما" وجعلت تبث سمومها الأخلاقية والمعرفية في عقول متابعيها، مستغلة فكرة "الترفيه لأجل الترفيه" والتي غزت عقول الكثيرين، فضحّوا بأوقاتهم وأعمارهم وهم يلهثون وراء السراب الذي وصفه الله بأنه {سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه، والله سريع الحساب} [النور:39].

إلا أن هذا العام -والذي تزامن فيه رمضان مع أجواء الحظر الصحي الذي فرضته العديد من الدول ضد جائحة كورونا- زادت جرعتها من الإسفاف وانعدام الأخلاق، واتجهت أكثر باتجاه التطبيع الاجتماعي مع الكيان الصهيوني، وعرضت ذلك -وبشكل مباشر- على أنه حوار مطروح داخل العائلة الخليجية المعاصرة، بل واستخدمت عبارات ساقطة باتجاه أصحاب الحق الفلسطيني وكأنهم يتساوون مع شذاذ الآفاق من الصهاينة.

وكالعادة، سيدعي البعض أن المشاهد التي تم تداولها -حتى اللحظة- من هذه المسلسلات لا تظهر إلا جدلاً دائراً بين مؤيد للتطبيع يحاول المتاجرة فيه ويدعي الواقعية، وبين معارض يحاول البقاء على بعض الاحترام للحق الفلسطيني، ولكن الخطير في الموضوع -بوجهة نظري- هو طرح المسألة أصلا على الإعلام بهذه الطريقة الدرامية الصفيقة، وكأنها محاولة لذر الرماد في العيون، وإدعاء وجود تحولات (سوسيولوجية) عميقة في المجتمعات الخليجية باتجاه القضية الفلسطينية ، بل وتظهر أيضا أن هذا الجدل تحوّل من أروقة السياسة وأرباب المال المتنفعين -في الخفاء- إلى حوار لعموم الشعوب الخليجية، وهذا لم -ولن- يحدث البتة مع أهلنا الأطهار في الخليج، فهم كما هم، ساندوا القضية منذ لحظة بدايتها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، بل إن عمقهم الشرعي والقومي يدفعهم -مثلنا تماما- لتحرير أولى القبلتين وإعادة الحقوق إلى أصحابها.

لقد ساند أهلنا الأطهار في الخليج القضية الفلسطينية منذ لحظة بدايتها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، بل إن عمقهم الشرعي والقومي يدفعهم -مثلنا تماما- لتحرير أولى القبلتين وإعادة الحقوق إلى أصحابها

بل إن النظرة بهذه الطريقة المجتزئة -والتعامل مع هذه المسلسلات والدراما عموما- بعيدا عن كل المساعي الكبيرة في جر المنطقة بالمجمل نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني ونسيان فلسطين هو بحد ذاته نظرة قاصرة، وما حصل -ويحصل- هذه الأيام عبر الفضاء الإعلامي إنما هو طفح لا غير لأعراض المؤامرة المخفية.

أما القول بأن هناك الكثير من الخليجيين ينظرون للفلسطينين على أنهم المشكلة، فإن هؤلاء -إن وجدوا- فهم (شرذمة قليلون)، ولا عبرة لصراخهم وقيحهم الإلكتروني، ودليل ذلك: ما تحظى به القضية الفلسطينية من اهتمام شعبي "عربي ومسلم" واسع -من الأميين قبل المتعلمين- ناهيك عن قادة الرأي وصناع القرار في بلداننا جميعا -وخاصة في الخليج- ، وما كانت خطط تقليص نشاط الحركات الاجتماعية المناوئة للوجود الصهيوني (وفي مقدمتها الإسلامية والإصلاحية) وزجّ العلماء العاملين والمثقفين الأحرار في السجون في مختلف دول المنطقة إلا بسبب قدرتها على تحشيد الناس وتفعيلهم نحو هذه القضية، وما أن تسمح لهم هذه الأنظمة -ولن تسمح بإرادتها ودون حراك شعبي صادق- بالحركة حتى تجد أن البوصلة ما زالت نحو القدس.

فبالتالي... لا عبرة لبعض مئات من نشطاء السوشيال ميديا (أو قد يكونوا مجندين أصلا كمثل ظاهرة الذباب الإلكتروني التي كشفتها العديد من التقارير الإخبارية) أمام هذا المد الجارف من الشعوب الحية، والتي قدمت وتقدم الغالي والنفيس لأجل قضية الأمة.

لا عبرة لبعض مئات من نشطاء السوشيال ميديا أمام هذا المد الجارف من الشعوب الحية، والتي قدمت وتقدم الغالي والنفيس لأجل قضية الأمة

و بوجهة نظري أن الخطورة تكمن في إحداث هذا اللغط والجدل بحد ذاته بين الناس، لأن الجدل في الثوابت يزعزع من قيمتها المعنوية والمادية، وهذه هي إحدى أهم الاستراتيجيات الإعلامية المعاصرة.   وما سعى هؤلاء الممثلين -ولا أقول فنانين لانتفاء القيم العليا عن جلّ أعمالهم- إلا كسعي أولئك حين قص علينا القرآن مقولتهم {لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون} [فصلت:26]، فاستراتيجيتهم هي: التشويش على الحق لكي لا تضح صورته عند الناس فيتوهون عنه، مما يسمح للمارقين من العبث في الثوابت.

وما زال الحق حقا، وما زالت شعوبنا العربية والإسلامية -والخليجية على وجه التحديد- عصيّة على التطبيع والتخاذل وحساب الدرهم والدينار.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
مدير علاقات عامة في إحدى المؤسسات التعليمية في الأردن، ناشط اجتماعي، وإعلامي، مهتم بالشؤون التربوية.

شاهد أيضاً

“لأنَّهما عَرَبيَّتان مُحَجَّبتَان”.. حصاد سياسات العنصرية والكراهية في فرنسا!

يوم العشرين من أكتوبر، شهدت المنطقة المحيطة ببرج "إيفل"، أشهر معالم العاصمة الفرنسية، باريس، ورمز …