رمضان.. ونرقب الطريق!

الرئيسية » خواطر تربوية » رمضان.. ونرقب الطريق!
ss-tsbbb-22

ترنو الأحداقُ إلى تلك الطريق التي سيطلّ منه عن قريب ضيفٌ ولا كلّ الضيوف، يقدمُ فتقدمُ معه مسرّات النفس وأسرارها، يعلمنا الشوقُ إليه أنّ رابطة العشق ليست مقتصرةً على الناس فيما بينهم، بل تشمل المكان، فكم هفَت النفوس إلى البيت الحرام الذي قال فيه ربّ العزة: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:96].. وكم هفَت إلى المسجد الأقصى _الذي يئن تحت أسر المحتلّين _ الذي قال فيه ربّ العزّة: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:1].

وكم هفَت النفوس إلى المدينة التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيح: " اللهم بارِك لنا في مدينتِنا" (رواه مسلم).

وتشمل أيضاً الزمان، ولعلّ أعظم مفرداته هو رمضان، ولطالما أُذرفت له الدموع وثارت له الأشجان، فلا عجبَ إن انتظره الناسُ انتظار مَن يتمنّى لو يفرش له الطريق بقلبه.

يقدمُ رمضانُ هذه السنّة، والأسرار كثيرة، يودّ أصحابها أن يختلي كلّ منهم برمضان، يشكوا له أولّ ما يشكون "شراسة" جرثومة لا تُرى بالعين المجردة فرَضتْ عليهم السجن في البيوت، بل وحرمتهم من نعمة الجماعة في المساجد، وكذلك حالت بينهم وبين صلاة التراويح..!!

ينتظرون رمضان ليبثّوا إليه أحزانهم، فيخبروه:

- بأنّهم لا يطيقون الحبسَ طيلة اليوم، وأنّهم يضيّعون الوقتَ الثمين على المطعومات والمشروبات والنومِ الكثير.

- بأنّ الأنباء التي تتناقلها شاشاتُ التلفزة عن عدد الموتى والمصابين تثير في أنفسهم الفزع.

- بأنّ الجلوس الطويل في البيت على وقع ضجيج الأولاد مصيبةٌ جديدة فوق مصيبة الحبس.

- بأنّهم فقدوا ميزة التواصل مع بعضهم في الخارج، فحوصروا في طبعهم البشري.

- بأنّهم خسروا تلك الحفاوة التي كانوا يجدونها في مراكز أعمالهم _للأسف_ وأنها لم تعوض تحت سقف البيت، وأنّ القائل: "مزمار الحيّ لا يطرب" كان صادقاً للغاية.

إن في الصدور زفرات وآهات تهشُّ إلى رمضان ليطلّ عليها فترمي بأثقالها بين يديه، كمحبوبٍ طال غيابه، وطبيبٍ أشرف مريضه على الهلاك وهو في انتظاره، وسجين يلهج على الدوام باسمه..

إن في الصدور زفرات وآهات تهشُّ إلى رمضان ليطلّ عليها فترمي بأثقالها بين يديه، كمحبوبٍ طال غيابه، وطبيبٍ أشرف مريضه على الهلاك وهو في انتظاره، وسجين يلهج على الدوام باسمه

وكلّ هذا مفهوم في الواقع الذي يعيشه الناس اليوم، لكن إن للضيوف حقوقاً على المضيفين، وإنّ كلّ الشرائع_ بلغة الطبع البشري الأصيل_ تدعو لإكرام الضيف والحرص على مشاعره، وقد بلغ الكرم بالشاعر العربي أن يقول لخادمه:

أوقِد فإنّ الليلَ ليلُ قَرّ      والريحُ يا موقدُ ريحَ صِرّ
عسى يرى نارَك مَن يَمُرّ      إنْ جلبتَ ضيفاً فأنتَ حُرّ

ثم إنّ تجاهلَ الضيف، أو العبوس في وجهه، أو عدم الترحيب به، مسبّةٌ تلاحق المضيف اللئيم طيلةَ حياته.

فإنّ للضيف الذي يحلّ في دارنا عن قريب حقوقاً على مضيفيه الذين ينتظرونه، تقع منهم موقع الحفاوة المطلوبة، وإنّ من أهمّ مظاهر هذه الحفاوة الوقوف عمليّاً على الحقائق الآتية:

1- أن نوطّئ أنفسنا على تدريب الإرادة و تحمّل المَشاق للتخلّص من آصار الغرائز الدنيوية، فإن ذلك يحيي التقوى في القلوب، التي قال فيها جلّ وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ [البقرة:183]. فيكون الصيام عن مطالب الجسد طيلة النهار نوعاً من أنواع الجهاد.

2- أنّ من قواعد النفس الإنسانية: "أنّ رحمتها تنشأ من ألمِها"، وأنّ الغنيَّ الشبعان لا يشعر بالفقير الجائع إلا إذا جاع مثله، وأنه إذا جاع تألّم ونشأت بين جوانحه الرحمة، فيتصدق على الفقير قبل أن يسأله، استجابة لأمر ربّه ورغبةً في شرف نيل محبته: ﴿وَأَحْسِنُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:195].

3- إن ضاقت صدور الناس بسبب أنه حِيل بينهم وبين أداء التراويح في المساجد، وحرموا من جَلالة المكان وجماله؛ فإن لهم في الأمر متسّع في بيوتهم، يركعون فتركع معهم جماعةُ بيتهم..

4- إن كانت أعذارُ تقصير الناس في مواسم رمضان الفائتة هي أنهم ملتهون بأعمالهم ومشاغلهم التي فيها معايشهم، فها هي نعمة الفراغ التي وردت في الصحيح -"نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ" (رواه البخاري)- تغمرهم، وما عليهم إلا أنّ يشّمروا عن سواعد جِدهم للذّكر وحُسن العبادة.

5- أن لا نتعامل مع هذا الشهر تعامل من جاع فأكل وعطش فشرب، بل إنّ هناك صياماً فوق هذا الصيام؛ به يُمسكُ اللسان ويُحسن الظن وتطرد الأضغان، هو صيام القلب.

علينا أن لا نتعامل مع هذا الشهر تعامل من جاع فأكل وعطش فشرب، بل إنّ هناك صياماً فوق هذا الصيام؛ به يُمسكُ اللسان ويُحسن الظن وتطرد الأضغان، هو صيام القلب

6- أنّ سجن الإنسان ليس بزجّه وراء القضبان أو الأبواب، بل سجنه في نفسه، فكم سائح يكابدُ ألمَ السجن، وكم سجين تحلّق روحه في الفضاء.

7- أن الجميع مدعوّون إلى باب التوبة، فلا تكفي توبة الراعية من غير الراعي، ولا توبة الفقراء من غير الأغنياء، بل لابد من توبة تحقق هذا الأمر بحذافيره: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لعلكم تفلحون﴾ [النور:31].

8- إنّ التوبة من الذنوب تستدعي التوبةَ من الذنب العظيم الذي حاق بنا بسبب أننا فرّطنا بفلسطين، فسكتنا عنها قصداً أو غفلة، وهي بين يدي الصهاينة ومَن وراءهم يقضمونها شيئاً فشيئاً، وأن التوبة من هذا الذنب، هو أن نراجع حساباتنا ونقف بما تقتضي الكرامة مهما كلّف الأمر.

9- أنّ التوبة من الذنوب، تستدعي أن يناصرَ القادة أصحابُ النفوذ المظلومين في بقاع الأرض، الذين يموتون تحت القصف وفي السجون، والذين يهيمون على وجوههم مهجّرين من أوطانهم، فتنقل صورهم للعالم، فلا يحسّ بهم أحّد..

بهذه الحفاوة، وبهذه الحقائق التي ذكرتها نصافح رمضان، بصدق المضيف وحبّه له، فتتحقق لدينا بُشرياته في الرحمة والمغفرة والعتق من النار، ويُكتب لنا أجرٌ ما كنّا لنحلم بالقليل القليل منه، بوعد ربّ العزة القائل في الحديث القدسي: " كلّ عملِ ابن آدم له إِلا الصِيام، فإِنه لِي وأنا أجزِي بِهِ" (متفق عليه).

 

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب في القضايا الفكرية، محاضر ومقدّم دورات في التربية، له مؤلفات ومقالات منشورة.

شاهد أيضاً

الخلاصة في صراع التزكية والهوى

لا تخلو نَفسُ ابن آدم من هوىً ما عاش، والهوى يشمل كلَّ ما للنفس فيه …