سلسلة: خواطر إيمانية للبيت المسلم في رمضان (2-10)

الرئيسية » بأقلامكم » سلسلة: خواطر إيمانية للبيت المسلم في رمضان (2-10)
رمضان لفتات رمضانية Ramadan background

يهل علينا شهر رمضان المبارك هذا العام ونحن في ظروف استثنائية، نسأل الله تعالى أن يُعجِّل بزوالها، هذه الظروف تحتم علينا المكوث في البيت أطول وقت ممكن.

إن المكوث في البيت لفترة طويلة يعتبرها البعض محنة ثقيلة على النفس تصيبه بالرتابة والملل لكونهم لم يتعودوا على ذلك، ولكننا لو أحسنا التخطيط لاستغلال هذا الوقت في تهذيب أنفسنا وأسرنا لاحتجنا فوق الوقت أوقاتاً.

من هنا، جاءت فكرة إعداد بعض الخواطر الإيمانية الخفيفة التي تهدف إلى غرس القيم وتقويم السلوكيات، سائلاً الله عز وجل أن تكون سبباً في تقويم ما غاب عنا من قيمنا، وما اعوج من سلوكنا.

خاطرة 4: الحياء

قال تعالى: "فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ {25}" (القصص : 15).

عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "إنَّ لِكُلِّ دينٍ خُلُقًا، وخُلُقُ الإسلامِ الحياءُ" (أخرجه ابن ماجة).

أنواع الحياء:

1- الحياء من الله. 2- الحياء من الملائكة. 3- الحياء من الناس.4 - الحياء من النفس.

عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "الحياءُ و الإيمانُ قُرِنا جميعًا، فإذا رُفِعَ أحدُهما رُفِعَ الآخَرُ" (صحيح المسند).

قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "من قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه".

وقال الفضيل بن عياض رحمه الله: "خمس من علامات الشقاوة: القسوة في القلب، وجمود العين، وقلة الحياء، والرغبة في الدنيا، وطول الأمل".

وقال وهب بن منبه : "الإيمان عريان، ولباسه التقوى، وزينته الحياء".

وقال الإمام أبو حاتم رحمه الله في روضة العقلاء: "إن المرء إذا اشتد حياؤه صان عرضه، ودفن مَساويه، ونشر محاسنه. ومن ذهب حياؤه ذهب سروره، ومن ذهب سروره هان على الناس ومُقِت، ومن مُقِت أوذي، ومن أوذي حزن، ومن حزن فقد عقله، ومن أصيب في عقله كان أكثر قوله عليه لا له، ولا دواء لمن لا حياء له".

ويقول الشاعر:
إذا لم تخـش عـاقبة الليـالي ولم تستحِ فاصنع ما تشاءُ
يعيش المرء ما استحيا بخير ويبقى العود ما بقي اللحاءُ

ومن عظيم شأن الحياء أنه جاء في صحيح البخاري قول النبي ﷺ: " كُلُّ أُمَّتي مُعافًى إلَّا المُجاهِرِينَ".

توصية:

إن الحياء بالنسية للإنسان مثله مثل اللحاء بالنسبة للشجرة، فكما أن اللحاء يحمي الشجرة من كل ما يؤذيها وإذا نزع اللحاء عن الشجرة جفت وماتت، فكذلك الحياء بالنسبة للإنسان، فكم من إنسان نراه بيننا قد مات قلبه وتبلدت مشاعره ونزعت الغيرة والحمية منه على نفسه وعرضه بسبب تخليه عن الحياء.

إن الحياء لا يُنتزع مرة واحدة ولكنه دركات تنحدر بصاحبها كلما هبط دركة راودته التي تليها حتى يجد نفسه في الدرك الأسفل من الفواحش والرذائل والموبقات بل والكبائر، والعياذ بالله.

إن الحياء يمكن اكتسابه من خلال التعرض للمواقف التي ترقق القلب، فالقلب إذا رق كان أكثر قرباً من الله، وأكثر توقيراً لله، وأكثر حياء من الله.

ويمكن اكتساب الحياء باجتناب كل ما يخدش الحياء قولاً أو فعلاً، سراً أو علانية.
****************************************

خاطرة 5: الرحمة

قال تعالى: " قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ {53}" (الزمر: 53).

معنى الرحمن: ذو الرحمة الواسعة التي وسعت جميع أقطار السموات والأرض من الإنس والجن، مؤمنهم وكافرهم، وبهائمهم. وذكر الاسم في القرآن الكريم (65) مرة.

معنى الرحيم: هو ذو الرحمة للمؤمنين يوم القيامة، وهي خاصة بهم. وذكر الاسم في القرآن الكريم (115) مرة.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيِّ ﷺ قال: "لا تُنزَعُ الرَّحمةُ إلَّا من شقيٍّ" (صحيح الترمذي).

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن النبيِّ ﷺ قال: "الراحمون يرحمُهم الرحمنُ. ارحموا من في الأرضِ يرحمْكم من في السماءِ، الرحمُ شِجنةٌ من الرحمنِ فمن وصلها وصله اللهُ ومن قطعها قطعه اللهُ" (سنن الترمذي). * شِجنةٌ: شعبة.

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قَدِمَ علَى النبيِّ ﷺ سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ قدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي، إذَا وجَدَتْ صَبِيًّا في السَّبْيِ أخَذَتْهُ، فألْصَقَتْهُ ببَطْنِهَا وأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أتُرَوْنَ هذِه طَارِحَةً ولَدَهَا في النَّارِ قُلْنَا: لَا، وهي تَقْدِرُ علَى أنْ لا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ: لَلَّهُ أرْحَمُ بعِبَادِهِ مِن هذِه بوَلَدِهَا" (صحيح البخاري).

قَالَ ابنِ الجَوْزِي رَحِمَه الله: "الرحمة صفة تقتضي إيصال المنافع والمصالح إِلَى الْعَبْد وإن كرهتها نَفْسهُ وشقت عَلَيْهَا فهذه هِيَ الرحمة الحقيقية. فأرحم النَّاس بك من شق عَلَيْكَ فِي إيصال مصالحك ودفع المضار عَنْكَ".

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبيِّ ﷺ قال: "لَنْ تُؤْمِنُوا حتى تراحمُوا قالوا: يا رسولَ اللهِ! كلُّنا رَحِيمٌ. قال: إنَّهُ ليس بِرَحْمَةِ أَحَدِكُمْ صاحبَهُ، ولَكِنَّها رَحْمَةُ العَامَّةِ" (صحيح الترغيب).

إن الإسلام دين الرحمة، نزل في شهر الرحمة، على نبي الرحمة، لأمة وصفها الله تعالى بقوله: "رُحَمَاء بَيْنَهُمْ".

توصية

إن ما يساعد على اكتساب صفة الرحمة هو رحمة الضعيف والفقير والمسكين والأرملة واليتيم والمريض، وكل من يستحق الرحمة من عموم المسلمين، بشرط ألا تكون الرحمة سبباً في تمادي أحدهم في معصية، ولا سبباً في تعطيل حد، فالمؤمن كيس فطن يضع الأمور في نصابها دون إفراط ولا تفريط.

اللهم اغفر لنا وارحمنا وعافنا واهدنا وارزقنا
****************************************

خاطرة 6: النهي عن الغيبة

قال تعالى: ".... وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ {12}" (الحجرات 12).

الغيبة هي ذكر الشخص بما يكره أو يتعلق به وإن كان فيه، سواء كان ذلك بلفظ، أو كتابة، أو رمز، أو حتى إشارة.

عن أبى برزة الأسلمي رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: " يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورات المسلمين يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه وهو في بيته " (أخرجه الإمام أبو داود).

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئاً، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر" (أخرجه أبو داود).

قال الحسن البصري رحمه الله: "الغيبة ثلاثة أوجه كلها في كتاب الله: الغيبة، والإفك والبُهتان، فأما الغيبة: فهي أن تقول في أخيك ما هو فيه، وأما الإفك: فأن تقول ما بلغك عنه، وأما البُهتان: فأن تقول فيه ما ليس فيه. قال تعالى: " وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً {58}" (الأحزاب: 56).

وأخيراً نذكر أن المُغتاب قد سخره الله تعالى ليملأ صحيفة من يغتابه بالحسنات.

روي عن الحسن أن رجلًا قال له: إن فلانًا قد اغتابك فبعث إليه رطبًا على طبق، وقال: قد بلغني أنك أهديت إليَّ من حسناتك فأردت أن أكافئك عليها فاعذرني فإني لا أقدر أكافئك على التمام.

ونذكر أن الغيبة هي سلاح الجبان، وأن الواجب على المسلم أن ينصح ويستر، وأضعف الإيمان أن يسكت.

توصية

إن معرفة إثم المغتاب وعقابه قد يكون رادعاً للإنسان لكي يفكر ألف مرة قبل أن يُقدم على هذا الذنب، ويكفينا هذا الحديث زاجراً لنا، عن أبي برزة الأسلمي نضلة بن عبيد رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "يا معشرَ من آمنَ بلسانِه ولم يدخلْ الإيمانُ قلبَه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتَّبعوا عوراتِهم، فإنه من اتَّبعَ عوراتِهم يتَّبعُ اللهُ عورتَه، ومن يتَّبعِ اللهُ عورتَه يفضحُه في بيتِه" (صحيح أبي داود).

إنه يجب على كل مغتاب أن يسأل نفسه هذا السؤال

أترضاه لنفسك؟ أترضاه لأهلك؟ أترضاه لزوجتك؟ أترضاه لابنتك؟ ... ولا النَّاسُ يرضونه لأنفسهم، ولا لأهليهم، ولا لزوجاتهم، ولا لبناتهم.
******************************
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

شاهد أيضاً

ذكرى استشهاد شيخ المجاهدين عمر المختار

ما من دولة إلا وبها رموز تعيش شامخة أبية لا تفرط في كرامة، ولا تتنازل …