سلسلة: خواطر إيمانية للبيت المسلم في رمضان (1-10)

الرئيسية » بأقلامكم » سلسلة: خواطر إيمانية للبيت المسلم في رمضان (1-10)
ramadan

يهل علينا شهر رمضان المبارك هذا العام ونحن في ظروف استثنائية، نسأل الله تعالى أن يُعجِّل بزوالها، هذه الظروف تحتم علينا المكوث في البيت أطول وقت ممكن.

إن المكوث في البيت لفترة طويلة يعتبرها البعض محنة ثقيلة على النفس تصيبه بالرتابة والملل لكونهم لم يتعودوا على ذلك، ولكننا لو أحسنا التخطيط لاستغلال هذا الوقت في تهذيب أنفسنا وأسرنا لاحتجنا فوق الوقت أوقاتاً.

من هنا، جاءت فكرة إعداد بعض الخواطر الإيمانية الخفيفة التي تهدف إلى غرس القيم وتقويم السلوكيات، سائلاً الله عز وجل أن تكون سبباً في تقويم ما غاب عنا من قيمنا، وما اعوج من سلوكنا.

خاطرة 1: لا خلاص بدون الإخلاص

قال تعالى: " وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ {5} " (البينة: 5).

الإخلاص: سرّ بين الله وبين العبد، لا يعلمه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيُفسده، ولا هوى فيميله.

والإخلاص أن يقصد المسلم بقوله وعمله كله وجه الله، وابتغاء مرضاته وحسن مثوبته من غير نظر إلى مغنم أو مظهر أو جاه أو لقب أو تقدم أو تأخر.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكُمْ وأَمْوالِكُمْ، ولَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكُمْ وأَعْمالِكُمْ" (رواه مسلم).

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا أيها الناسُ! اتَّقوا هذا الشِّركَ؛ فإنه أخفى من دبيبِ النَّملِ. فقال له من شاء اللهُ أن يقولَ: وكيف نتَّقِيه وهو أخفى من دبيبِ النَّملِ يا رسولَ اللهِ! قال: قولوا: اللهم إنا نعوذُ بك من أن نُشرِكَ بك شيئًا نعلَمُه، ونستغفرُك لما لا نعلمُه" (صحيح الترغيب).

قال الفضيل بن عياض في تفسير قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾: هو أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا عليّ ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إنّ العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يُقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يُقبل حتّى يكون خالصاً صواباً. الخالص أن يكون لله، والصّواب أن يكون على السّنّة.

توصية:
يجب على كل واحد منا أن يكون له مع كل عمل يعمله ثلاث وقفات يقفها مع نفسه، قبل العمل يستحضر نية الإخلاص، وأثناء العمل يجدد هذه النية حتى لا تتحول، وبعد العمل يؤكد على النية حتى لا تغتر النفس بالعمل فيتحول إلى رياء.
****************************************
خاطرة 2: استغفروا ربكم إنه كان غفاراً

الغفار اسم من أسماء الله الحسنى.

ومعنى الغفار: المتجاوز عن الذنوب، الساتر للعيوب، إلى ما لا يُحصى، مع كمال القدرة والانتقام.

قال تعالى: "وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى {82}" (طه: 82).

إن الاستغفار هو اعتراف صريح من العبد بتقصيره وحاجته إلى معونة ربه مع الندم على ما فعله مخالفاً لشرع الله عز وجل، عازماً على أداء المظالم إلى أهلها والاستقامة على ذلك ما بقي من عمره. وذلك واجب على كل مسلم.
عَنِ ابْنِ عُمر رضِي اللَّه عَنْهُما قَال: "كانَ يُعَدُّ لرسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ في المجلسِ الواحدِ مائةَ مرَّةٍ من قبلِ أن يقومَ: ربِّ اغفِر لي وتُب عليَّ، إنَّكَ أنتَ التَّوَّابُ الغَفورُ" (صحيح الترمذي).

عن عبد الله بن يسر رضي الله عنه أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: "طوبَى لِمَن وُجِدَ في صَحيفَتِه استِغفارًا كثيرًا" (صحيح ابن ماجه).

قال ابن حجر، وقال القرطبي: "الاستغفار هو الذي ثبت معناه في القلب مقارناً للسان لينحل به عُقد الإصرار ويحصل معه الندم، لا من قال أستغفر الله بلسانه وقلبه مُصِر على تلك المعصية، فهذا الذي استغفاره يحتاج إلى الاستغفار".
قال ابن القيم رحمه الله: "وقلت لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يومًا: سئل بعض أهل العلم أيما أنفع للعبد: التسبيح أو الاستغفار؟ فقال: إذا كان الثوب نقيًا فالبخور وماء الورد أنفع له(أي: التسبيح)، وإن كان دنسًا فالصابون والماء الحار أنفع له (أي: الاستغفار)".

قال أبو موسى: "كان لنا أمانان، ذهب أحدهما-وهو كون الرسول صلى الله عليه وسلم فينا- وبقي الاستغفار معنا، فإن ذهب هلكنا".

قال الفضيل بن عياض: "استغفار بلا إقلاع توبة الكذابين".

قال الحسن: "أكثروا من الاستغفار في بيوتكم، وعلى موائدكم، وفي طرقكم، وفي أسواقكم، وفي مجالسكم أينما كنتم، فإنكم ما تدرون متى تنزل المغفرة".

قال أبو المنهال: "ما جاور عبد في قبره من جار أحب من الاستغفار".

توصية:

ليجعل كل واحد منا لنفسه ورداً من الاستغفار والذكر في أوقات القبول، وفي ذهابه وإيابه، وأفضل صيغة لذلك هي صيغة "سيد الاستغفار، وأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.
****************************************

خاطرة 3: من علامات المقت إضاعة الوقت

قال تعالى: " هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5)" (يونس: 5).

لقد نبه القرآن الكريم على أهمية الوقت في سياقات متعددة وبصيغ متعددة أيضاً، فيجيء مرة بصيغة الدهر، أو الحين، الأجل، اليوم، الأمد، السرمد، الأبد، العصر، الليل، النهار، الضحى، الفجر، العشي، الإبكار ... وغير ذلك من الألفاظ.
قال تعالى " وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (12)" (الإسراء: 12).

قال تعالى: "وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا"، قال الإمام القرطبي رحمه الله عند هذه الآية "صِدق الوعد من خلق النبيين والمرسلين، وضده هو الخلف المذموم، وذلك من أخلاق الفاسقين والمنافقين".
عن عبدالله بن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "نِعْمَتانِ مَغْبُونٌ فِيهِما كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ والفَراغُ" (صحيح البخاري).

عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لنْ تَزُولَ قَدَما عبدٍ يومَ القيامةِ حتى يُسْأَلَ عن أَرْبَعِ خِصالٍ عن عُمُرِهِ فيمَ أَفْناهُ؟ وعَنْ شَبابِه فيمَ أَبْلاهُ؟ وعَنْ َمالِهِ من أين اكْتَسَبَهُ وفيمَ أنْفَقَهُ؟ وعَنْ علمِهِ ماذا عمِلَ فيهِ" (صحيح الترغيب).

عن عبدالله بن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اغْتَنِمْ خَمْسًا قبلَ خَمْسٍ: شَبابَكَ قبلَ هِرَمِكَ، وصِحَّتَكَ قبلَ سَقَمِكَ، وغِناكَ قبلَ فَقْرِكَ، وفَرَاغَكَ قبلَ شُغْلِكَ، وحَياتَكَ قبلَ مَوْتِكَ" (صحيح الترغيب).
قال ابن مسعود رضي الله عنه: "ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي".

من خصائص الوقت:

  • إن الوقت هو أغلى ما يملكه الإنسان.
  • الوقت إذا ذهب لا يمكن أن يرجع.
  • الوقت يمضي سريعاً.
  • الوقت لا يمكن تخزينه.
  • استغلال الوقت يزيد من قيمته.
  • لا شيء يمكن عمله بدون الوقت.
  • الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك.
  • من علامات المقت إضاعة الوقت.

لقد ترك الإمام النووي من المؤلَّفات ما قسَّموه بعد موته على أيام حياته، فكان نصيب كل يوم أربع كراريس، فكيف تمَّ له ذلك؟ اسمع منه يُجبْك: "وبقيت سنتَين لم أضعْ جنبي على الأرض".

قال أبو الوفا بن عقيل رحمه الله: "إنِّي لا يَحل لي أنْ أضيع ساعةً من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن المذاكرة، وتعطل بصري عن المطالعة، أعملت فكري في حال راحتي، وأنا منطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره".

توصية:

إن صاحب أي إنجاز عظيم ما وصل إلى إنجازه إلا بحسن استغلال الوقت، وبمضاعفة الجهد، وأن أي ألم في سبيل ذلك يزول مع حصاد أول ثمرة من ثمار هذا الجهد، فليتخذ كل واحد منا قدوة من أحد هؤلاء العظماء عسانا أن نكون مثله أو شبهاً له.
******************************
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

شاهد أيضاً

ذكرى استشهاد شيخ المجاهدين عمر المختار

ما من دولة إلا وبها رموز تعيش شامخة أبية لا تفرط في كرامة، ولا تتنازل …