“كورونا” .. نقاط مضيئة وأُخرى مظلمة

الرئيسية » خواطر تربوية » “كورونا” .. نقاط مضيئة وأُخرى مظلمة
checklist

يقيناً لا حديث يعلو فوق كورونا، ولا مجال للجلوس في صرحٍ عاجي، والتظاهر بعدم أهمية الأمر، أو أنه لا اكتراث به بالشكل الكبير الذي يبدو عليه، ونحن بلا شك لسنا نهول من الأمر كي لا نُتهم بأننا نسعى في بث الفزع والرعب، وفي الوقت ذاته لا نهوّن منه كي لا نُتهم أيضاً بأننا نبُث الأمان الكاذب، والطمأنينة المزيفة؛ فالحقيقة أن الأمر جد خطير.

وعليه فإننا من تلك الزاوية سنتحدث عن كورونا، نلقي الظلال عليها من ناحيتين، ناحية مضيئة تتمثل في نقاطٍ تسبب في حدوثها الوباء، وأُخرى مظلمة أيضاً أوجدها ظهوره وتفشيه، كعدوى ووباء عالمي.

ولمّا كان دأبنا دوماً أن نجعل من التحبير والتبشير مساراً في الكتابة، فإننا سنبدأ بالنقاط المضيئة.

أولاً/ الجوانب المضيئة:

1. صفعة البشرية
وقد يتساءل البعض كيف لنقطة كهذه أن تُعد كومضةٍ مضيئة! فنجيب أن الكثير من بني البشر كانوا قد قطعوا شوطاً كبيراً في منحنيات الفجور، والإلحاد، والبغي، والبعض قد ظن بنفسه أنه فوق الموت وأغفل حقيقته وحتميته، كما حسب الكثيرون من العتاة والمجرمين أنفسهم آلهة في الأرض، حق لها من دون الله العبادة، فجاءتنا كورونا على هيئة نذيرٍ ومُنْبه، فأجبرت الكثيرين من دعاة التجَبر، والظلم، وعرَّابي النفاق أن يغلقوا عليهم أعشاشهم، ومنعتهم الخروج، والسفر، وفرضت عليهم حظراً ذاتياً رغماً عن أنفسهم، وتلك نقطة مهمة.

2. أربك أساطير مزعومة
لقد كشفت تلك الأزمة عن كذب الهالة المترسخة في العقول عن الأسطورة الغربية التي لا تقهر ، فقد رأينا أن العالم الغربي اليوم -وعلى الرأس منه أوروبا وأمريكا- يُعاني من حالة ركود، وزعزعة في الكثير من الجوانب الاقتصادية والصحية، فضلاً عن حالة الرعب والفزع على المستويين الشعبي والسيادي، إلى جانب ما كشفت عنه من عوار أخلاقي في ثنايا هذا العالم الذي يدعي احتكار التحضر، ونحن بلا شك وإن كنا لا نشمت في الشعوب، إلا أننا نتذكر قدر ما أحدثته، ولا تزال تحدثه سياسة هذه الدول من إفساد للحياة الاجتماعية، والدينية، والسياسية، وشرعنة للأنظمة الاستبدادية في مختلف دول عالمنا العربي والإسلامي، مع إغوائها المستمر للشعوب المقهورة بسطوتها وقوتها وتقدمها، حتى جلت الأزمة عن جانب ضعف في أنظمتها وأخلاقياتها، وكذلك قد أوقعت كورونا بعض هذا الفزع والزعزعة على مستوى بعض الأنظمة العربية المستبدة.

3. أعاد لها الروح
والمقصود بذلك هي الأسرة المسلمة؛ فالعزل الإجباري، وبقاء الرجل في بيته مع زوجته وأولاده، طوال الوقت -وإن كان على خلاف دوره ووظيفته في العمل خارج المنزل لجلب الرزق- فقد أضاف عبقاً للحياة، وأعاد للأسرة بعض اتزانها، وحد من تفككها، وقلل من شكوى النساء المنتشرة من عدم مكوث الرجال معهن في المنزل غالب الوقت ولا أوقات الفراغ.

ويجدر بنا في هذا الصدد أن ننوه للمرأة بنقطةٍ مهمة، وهي الانتهاء عن السخط أو الغضب إذا ما وجه لها الزوج بعض "النصائح" المتعلقة بمهامها في البيت، فتتهجد لزوال الوباء حتى يعود إلى عمله وينتهي عن أوامره، بل عليها أن تغتنم مكوثه لتعبر بسفينة بيتها لبر الأمان؛ فتوثق روابط أسرتها كي لا تتعرض لهزاتٍ أخرى لأي عارض.

4. همة التطوير
إن وقوع جائحة كورونا وما ترتب عليها من فرض البقاء في المنازل، جعلت جزءاً كبيراً من الشباب والشابات، يتجه للبحث عن سُبل لتطوير الذات سواءً عن طريق القراءة بعمل برامج لها، أو البحث عن دروس ومواقع تعليمية عبر الإنترنت، مما يرتقي بقدرات الفرد، ويطور من إمكاناته.

وهذه نقطة مضيئة جداً لها ما بعدها، والمهم في هذا الجانب هو استثمار هذه البادرة، وتزكية الاستفادة بالشكل المناسب، بطريقةٍ حرة بعيداً عن الإجبار، كما أن المرء كلما سعى شيئاً فشيئاً في هذا المسار فإنه سيألفه، وسيسعى فيما بعد لنشر العلوم حتى تصل إلي غيره.

5. عزز الرابطة الاجتماعية
لا شك أن بلاء كورونا قد أحدث نقلة اجتماعية تواصلية كبيرة بين أبناء عالمنا العربي بشكلٍ يؤكد أصالة المعدن، ويُحيي المعاني النبوية من أن "المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً"، وأن "المسلمين كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"؛ فكما رأينا من مبادراتٍ في التكافل، والتصدق، وتحمل نفقات الكثير من الغارمين، والعالقين، والعمل على تخفيف أوجاع المحتاجين مع جشع بعض التجار، كتحدي الخير الذي قام به بعض المشاهير والميسورين في العالم العربي، والمبادرات التكافلية في الخليج، وعشرات المبادرات العربية الأخرى، كما أظهر الكثير من أصحاب الحسنات الخفية، الذين لا يريدون جاهاً أو سمعه بما يفعلون من خير، أو ما يتكفلون به من محتاجين وهم كثر.

وكم من الجمال هذا المعنى يؤكد عظمة الإسلام وروعة أبنائه في تعاملهم عند النوازل.

ثانياً/ الجوانب المظلمة

1. أنين المظلومين
بالرغم من أننا في بيوتنا بين من نحب ننعم بشبكات الإنترنت، ووسائل التواصل، ومشاهدة التلفاز، وتوفر الماء الدافئ، وكل المعقمات، والأدوات الصحية، وبهجة اللعب مع الأطفال، إلا أننا قد نئن من عدم الخروج، ونشعر بالضيق من طول المكوث في المنزل، في حين أن هناك الآلاف من أبناء جلدتنا وإخواننا من أصحاب الفضل والعلماء والشباب والرجال الكبار ومن النساء في سجون الطغاة منذ سنوات في أوضاع مزرية يموتون يومياً بالبطء نتيجة الإهمال الطبي المتعمد، وذلك في الظروف العادية؛ فما بالنا في ظل تفشي هذا الداء اللعين.

وهذه النقطة المظلمة تفتح الطريق لمزيد من الأوجاع النفسية للجميع فضلاً عن أهاليهم وأولادهم وزوجاتهم، المحرومين من وتواجدهم، والذين لا يعرفون شيئاً عن مصائرهم.

وقناعتي أن العاصم من هذا الوباء هو رفع المظالم، والبداية بخروج كل مظلوم من أي سجن وتحت أية سماء؛ فلا مجال للكيد السياسي في النوازل ولا مكان للخصومة والفجور السياسي في الأوبئة؛ فالكل سيعاني ويصرخ في النهاية رغماً عنه ولن يفرق الوباء بين سجان ومسجون، ولا طاغية ومظلوم .

2. جحيم الفاقة تحت وطأة الوباء

برغم ما نبهنا عليه من حسنة التكافل، يبقى شبح الفقر يطارد بعض المهضومي الحقوق في المجتمع، ممن لم تصلهم يد العون، أو لا يبلغون بها حد الكفاية، نقول كما جاء في الأثر "لو كان الفقر رجلاً لقتلته" كلمة خالدة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهي تعبر بشدة عن مدى قسوة الفقر في كل زمانٍ ومكان؛ وهذا يدفعنا إلى الإقرار بأن الفقراء أشد الناس حاجة للدعم النفسي، والمعنوي، والمادي، خصوصاً في ظل هذا الوباء، ومع دعوات بعض الحكومات، وفرض بعضها الآخر المكوث في البيوت، وتشديد العقوبات على المخالفين، يضطر الفقراء للجلوس في المنزل ولا يجدون ما يسدون به رمقهم أو يعيلون به أسرهم!
وقد شهدنا الكثيرين من العمالة لا تزال تخرج وتسعى في طلب العفاف والكفاف، مع عدم وجود المعقمات ولا اتباع التعليمات الصحية والوقائية الخاصة لتجنب العدوى، لذلك فالأمر عليهم أخطر وقد اجتمع عليهم خطر الداء والفقر مع شح إمكانات الرعاية الصحية حال مرضهم؛ فالتخفيف عن هؤلاء من واجبات المرحلة، لكي نضمن على الأقل طبياً عدم الانتشار؛ وبذلك تكون كفالة هؤلاء الفئات من إخواننا مهمة عظيمة الأجر والمثوبة.

ختاماً

نحن لا نمتدح ذات الوباء أو نذكر محاسنه وكأنه أمر جيد في ذاته، لكن نتحدث بواقعية؛ فيقيناً إن العالم قبل كورونا ليس كما هو بعده، وكل المؤشرات تؤكد ذلك ، ونحن نسمع ونرى مآلات الأوضاع الكارثية التي أحدثها ولا يزال يحدثها بشكل يومي!

وفي المجمل نكتب لنشجع مبادرات الخير، ونحذر من التهاون بعواقب الأمر، وننصح بمزيدٍ من استغلال الوقت والفرص لمزيدٍ من التطوير، والترابط الأسري، وتطوير الذات والمجتمع، وكفى.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب وباحث مصري الجنسية، مؤلف عدة كتب فى التربية والتنمية "خرابيش - تربويات غائبة- تنمويات". مهتم بقضية الوعي ونهضة الأمة من خلال التربية.

شاهد أيضاً

كيف نحقق التوكل الصادق؟

لا شك أنَّ التوكل على الله من عوامل الراحة النفسية، بل من أهم أسباب الرزق …