«كورونا» والدول الشمولية.. ماذا فعلت الصين؟

الرئيسية » حصاد الفكر » «كورونا» والدول الشمولية.. ماذا فعلت الصين؟
china_corona

في تحقيق لها بشأن العالم ما بعد «كورونا»، وأخذت من خلاله آراء مجموعة من الخبراء، خلصت مجلة «فورين بوليسي» الشهيرة إلى أن العالم سيكون بعد الجائحة: «أقل انفتاحاً، وأقل حرية، وأكثر فقراً».

هي بشارة سوء كما يبدو، لكأن «كورونا» سيكافئ الذين كانوا سبباً في انتشاره في أرجاء الكون، وفي مقدمتهم الصين التي يمكن القول إنها المسؤولة المباشرة عن ذلك؛ ليس بروحية المؤامرة التي ذهبت بعيداً في تفسيراتها، بل بروحية المنطق الذي تتعامل من خلاله الدولة الشمولية مع أوضاعها الداخلية، ومع العالم أجمع.

لا حاجة هنا لاستعادة ما تفعله الصين بمسلمي «الإيغور»، والذي بلغ حداً من البشاعة لا يمكن تصوّره، وإن ذهب بعض فاقدي الإنسانية إلى اعتبار ما يُنشر عن المأساة ضرباً من الدعاية الأميركية والغربية ضد الصين، لكأن ذلك يغطّي على بشاعة الموقف.

نفتح قوساً هنا كي نشير إلى ما يمكن القول إنهم «شبيحة الصين» في وسائل الإعلام ومواقع التواصل العربية، والذين ذهبوا يدافعون عنها بشراسة، لكأن العداء مع أميركا يستدعي الوقوف بجانب دولة بوليسية ستكشّر عن أنيابها «الإمبريالية» ما إن تتقدم أكثر في المجال الدولي، تماماً كحال روسيا (بوتن) أيضاً.

ولتبيان ما جرى بشأن «كورونا»، فلا بد من استعادة القصة من بدايتها، حين حذّر طبيب العيون «لي وين ليانغ»، من الفيروس، فكانت النتيجة هي سجنه والتحقيق معه وتعذيبه؛ وهو الذي قضى بالمرض بعد ذلك، وتم الاعتذار له ولعائلته.
وكان الطبيب (34 عاماً) قد اتُّهم بنشر معلومات كاذبة عن الفيروس، وذلك حين قام بتحذير زملائه، وحثّهم على اتخاذ احتياطات لتجنُّبه.

صحيح أن الفيروس قد تمت محاصرته في مركزه (مدينة ووهان) بعد ذلك، لكن ذلك لم يحدث إلا بعد أن انتقل إلى أماكن أخرى، ومن ثم إلى العالم أجمع.

والحال أن أحداً من العقلاء لم يكن ليثق؛ لا سابقاً ولا الآن بالمعلومات التي تنشرها الصين عن المرض (كذلك حال الدول الشمولية الأخرى، مثل إيران وسوريا ومصر وغيرها كثير)، والسبب أن الحزب الشيوعي الحاكم لا يأبه لحياة البشر، وما يعنيه هو القوة والسطوة والمصالح الاقتصادية والسياسية والهيبة الداخلية والدولية.

سيُقال إن ذلك ليس خطأً، وهذا صحيح إلى حد ما، لكن التجاوز إلى مستوى الاستهانة بحياة البشر، لا يمكن أن يكون مقبولاً. وإذا ما سرى هذا المنطق، وهو يسري الآن في روسيا (المنافس الثاني لأميركا في تصدر المشهد الدولي)، فإن القادم هو ما ذكرته بالفعل، ما بشّرت به «فورين بوليسي»، أي لجم مسار الحرية الذي دفعت البشرية أثماناً باهظة قبل نشره، ولو جزئياً في المشهد الدولي.

ليس صحيحاً بطبيعة الحال القول إن الصين قد نجحت في محاصرة المرض بسبب شموليتها؛ لأن هناك دولاً ديمقراطية نجحت في ذلك أيضاً، مثل كوريا الجنوبية، وسنغافورة، وهونج كونج، كما أن الدول الأخرى ستنجح؛ وإن بأثمان باهظة، مع العلم أن الصين قد دفعت ذلك الثمن أيضاً، وسيدفعه العالم أجمع.

إذا صحّ أن «كورونا» يبشّرنا بعالم «أقل انفتاحاً وحرية وأكثر فقراً»، كما ذهبت «فورين بوليسي»، فإن النتيجة ستكون مروّعة، لا سيما في البعد الأخير الذي يبدو حاضراً الآن، ليس في التفاوت الاقتصادي الكبير بين الدول الغنية والفقيرة، بل بالتفاوت الطبقي الرهيب داخل الدول نفسها، والذي يبشّر بثورات جياع، تعيد هيكلة العالم من جديد، بعيداً عن منطق «العولمة المتوحشة»، لكن ذلك سيكون صعباً من دون أن تتقدم قوى أكثر تمثيلاً لضمير الناس، والتي مثّلها مؤخراً أمثال «كوربين» في بريطانيا و»ساندرز» في أميركا، ويمكن أن تتقدم أكثر في مواجهة «الشعبوية» والعنصرية الصاعدة، والتي قد يمنحها «كورونا» دفعة كبيرة إلى الأمام أيضاً؛ مع الأسف الشديد.

معلومات الموضوع

مراجع ومصادر

  • العرب القطرية
اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

من المسؤول: الفلسطينيون أم العرب؟

هناك تحوّل نوعي في الموقف الرسمي العربي كشفه اجتماع الجامعة العربية الأخير، ظهر في رفض …