من وحي شهر رمضان الفضيل

الرئيسية » بصائر تربوية » من وحي شهر رمضان الفضيل
o-RAMADAN-facebook

الحمد لله الذي أنعم علينا ببلوغ شهر رمضان، هذا الشهر العظيم، الذي يجدد فيه المؤمن عهده مع الله تعالى، بالصيام والقيام والعبادة، والتوبة والإنابة، فيتخرج منه المؤمن الحق فائزاً وقد علت مرتبته عند ربه، وغفر له ذنبه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من صام رمضان إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه" (متفق عليه)، وقال عليه الصلاة والسلام: "هذا شهر رمضان جاءكم تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب النار وتسلسل فيه الشياطين" (رواه النسائي)، فالمسلم لا يدع هذا الشهر الفضيل يمر دون استغلال لفضله وثوابه، كيف لا، وفيه ليلة هي خير من ألف شهر، وفيه يعتق الناس من النار، ويفوزون برضوان الله تعالى.

يمر علينا هذا الشهر، والعالم أجمع يعاني من تفشي وباء فايروس كورونا، الذي أظهر ضعف البشرية، أمام جسيم لا يرى بالعين المجردة، بعد أن طغت المادّة على حساب الدين، وغُلّبت المصالح الاقتصادية على حساب المبادئ، ليؤكد على أن أي أمر دنيوي يركن إليه الإنسان هو وهم قد يزول في أية لحظة!

ولهذا يأتي رمضان ليجدد ارتباط الإنسان بربه، وأن يوقن أن لا ملجأ له إلا بالتوكل على الله، والإيمان به .

إن الدروس التي يحويها هذا الشهر أكبر من أن تحصر في بضعة سطور، أو مجلدات من الكتب، لكن نريد تسليط الضوء على بعض منها:

1- أهمية التربية الإيمانية، فما قيمة الداعية إذا لم يزدد إيمانه ويزكّي نفسه في هذا الشهر ! إننا بحاجة إلى تجديد الإيمان في النفوس، وتغذية أرواحنا بالإكثار من قراءة القرآن وتدبّره فهذا الشهر هو الذي نزل فيه القرآن لقوله تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان} [البقرة:185]، بالإضافة إلى الالتزام بالأذكار والاستغفار وتجديد التوبة والإنابة إليه سبحانه، وعلى المربين أن يركّزوا في حديثهم على تزكية النفوس وإصلاحها، فالإيمان الصادق أساس نجاح الدعوات، والتقرّب إليه سبحانه أساس لنيل التأييد والنصر منه عز وجل.

على المربين أن يركّزوا في حديثهم على تزكية النفوس وإصلاحها، فالإيمان الصادق أساس نجاح الدعوات، والتقرّب إليه سبحانه أساس لنيل التأييد والنصر منه عز وجل

2- على الداعية أن يستغل هذا الشهر بالارتقاء بأسرته إيمانياً وتربوياً، فرمضان يأتي والكثير من الناس مجبورون على البقاء في بيوتهم للوقاية من انتشار الوباء، وهذا يفرض عليهم واجبات أخرى نظراً للوقت الذي حصلوا عليه، قال صلى الله عليه وسلم: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ" (رواه البخاري). والأصل أن لا يضيع الداعية وقته في مشاهدة البرامج المختلفة، ومتابعة وسائل التواصل الاجتماعي، فهو من صور تضييع الوقت الذي يحاسب عليه، بل عليه أن يقوم ببعض المشاريع التي تسهم في تقوية الإيمان، ورفع المستوى الفكري والتربوي لأفراد أسرته، كالحرص على أداء الفرائض والتراويح جماعة، والأذكار والدعاء، وتلاوة القرآن، وقراءة ما هو مفيد من الكتب، أو مشاهدة المرئيات التي تسهم في تحقيق ذلك، وعلى الداعية أن يدرك أهمية هذا الأمر، إذ إنه لو لم يتمكن من إحداث التغيير في أسرته في هذا الوقت، فكيف سيقوم بتحقيق التغيير على مستوى المجتمع! كما أن على العاملين في الحقل التربوي مساعدة الأفراد لتحقيق هذا الأمر، إما باقتراح بعض المشاريع الإيمانية التي على الفرد أن يقوم بها مع أفراد أسرته، أو وضع جدول مقترح لأنشطة يتم القيام بها داخل كل أسرة، واقتراح بعض المسابقات التي تجعل الداعية وعائلته دائمي الارتباط بالدعوة.

إذا لم يتمكن الداعية من إحداث التغيير في أسرته في هذا الوقت، فكيف سيقوم بتحقيق التغيير على مستوى المجتمع

3- إن رمضان يؤكد أن المسلم قادر على التغيير إن عزم على ذلك، ففيه يمتنع المسلم عما اعتاد عليه في أيامه العادية من طعام وشراب وغير ذلك، ويظل مستمراً على ذلك لثلاثين يوماً، والمسلم الذي ينجح في ذلك قادر على تغيير أي سلوك أو أمر سلبي، وهذه رسالة مهمة لكل عامل في الحقل التربوي، أن لا وجود لما هو مستعصٍ على الحل، إذا توفرت الإرادة عند الأفراد، وهمّوا بتغيير ذلك. فمن ينجح بمقاومة شهوتي البطن والفرج، يقدر على مقاومة باقي الشهوات .

4- إن صيام المسلمين وإفطارهم مع بعضهم، يؤكد على أهمية العمل الجماعي، وحرص الإسلام على ترسيخه في المجتمع، بل إن الفرد يلزم بصيام الجماعة وإفطارهم حتى لو كان مخالفاً لهم في الرؤية عند بعض المذاهب، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون) (رواه الترمذي). وبناء على ذلك، فإن تقويض العمل الجماعي وزعزعته باجتهادات فردية، وبث روح الاختلاف بين الناس -في غير الطرق المشروعة- هو مخالف لفلسفة الإسلام القائمة على توحيد الجهود وتجميعها، وتحقيق التماسك وتقوية الأواصر بين الأفراد.

إن تقويض العمل الجماعي وزعزعته باجتهادات فردية، وبث روح الاختلاف بين الناس -في غير الطرق المشروعة- هو مخالف لفلسفة الإسلام القائمة على توحيد الجهود وتجميعها، وتحقيق التماسك وتقوية الأواصر بين الأفراد

5- الإيمان والإعداد يصنعان المعجزات ويغيّران التاريخ، بغض النظر عن حجم المصاعب والمعيقات، فرمضان يحوي العديد من المناسبات التي انتصر فيها الحق على الباطل كبدر وعين جالوت وغيرها، وما كان ذلك إلا بالتوكل على الله، والأخذ بالأسباب، وهذا فيه تحفيز لكل صاحب حق، أن لا ييأس من روح الله، ولا يتخلى عن سبيله، وعلى المرء منّا أن يوقن أن عليه التقرّب إلى الله، وحسن الإعداد، أما النصر فآتٍ من عند الله لا محالة .

6- رمضان يعلم النّاس التكافل والتراحم، والترفّع عن المشاحنات وإزالة البغضاء، وهذه تكاد تكون أكثر ضرورة في ظل ما تعرّض له العالم من وباء كورونا، وما يتخلله من خسائر اقتصادية فادحة على مستوى الدول والأفراد، قال صلى الله عليه وسلم: "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" (رواه مسلم)، وهذا يتطلب من المربي أن يتلمّس حاجات أفراده، ويكون لهم سنداً، فإذا كان قضاء الحاجات فيه أجر كبير، فكيف إذا كان إخوانه بحاجة وفاقة، وفي شهر رمضان الفضيل!

7- إن رمضان كما يشكل فرصة لأن يحاسب الإنسان نفسه عما قدّم خلال عام كامل، فيصحح مسيرته، ويتوب عما قصّر ويستغل ما فاته، فهو أيضاً يؤكد على أهمية المراجعة الدائمة لأعمالنا داخل الحركة، وتقويمها، فمراجعة الفرد لنفسه كفيلة بتصحيح مساره، في حين مراجعة الحركة الدائمة لأعمالها وقراراتها وتقويمها كفيلة بجلب الخير لشعبنا وأمتنا عموماً ولأفراد الحركة خصوصاً، فالخير فيها عام ينفع الجميع.

اللهم اجعلنا ممن تتقبل صيامهم وقيامهم، واجعلنا في هذا الشهر من الفائزين، وهيئ لأمتنا أسباب النصر والتمكين، إنك سميع مجيب.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

ماذا تعني التربية المستقبلية لأبنائنا؟

نقف كُلَّ يومٍ في عصرنا الحالي على تطورات كثيرة متلاحقة، تشمل مختلف مجالات العمل الإنساني؛ …