المرأة ونقل المعرفة الدينية في الإسلام

الرئيسية » كتاب ومؤلف » المرأة ونقل المعرفة الدينية في الإسلام
36872913._SX318_

الكتاب الذي نعرض له اليوم من تأليف الدكتورة أسماء سيد -باحثة من أصول هندية وتعمل أستاذاً مساعداً للدراسات الإسلامية بجامعة كاليفورنيا- وترجمه إلى العربية الدكتور أحمد العدوي، الأستاذ المساعد بكلية الإلهيات في جامعة جناق قلعة في تركيا.
يستكشفُ هذا الكتاب تاريخ المُحَدِّثات من النساء خلال عشرة قرون، منذ ظهور الإسلام حتى مُستهلِّ العصر العُثماني (أي من القرن الأول إلى العاشر الهجري)، ويستمد الكتاب أهميته من نُدرة ما كُتِب عن المُحَدِّثات المسلمات في التاريخ، بالإضافة إلى كونه أول دراسة تحليلية للمُحَدِّثات من النساء في التاريخ الإسلامي.

مع الكتاب

يستعرض الكتاب التسلسل الزمني لمراحل تطور مشاركة النساء في رواية الحديث، ويحلل العوامل التاريخية التي شجَّعت أو ثبَّطت مشاركة المرأة في حقل رواية الحديث، وبين هذا وذاك، نقَضَت المؤلفة ببراعة العديد من المُسلَّمات الأجنبية عن وضع المرأة المسلمة ومشاركتها العلمية، على رأسها تهميش المرأة المسلمة تاريخيّاً في مجال العلوم الدينية، ويُعَدُّ هذا العمل إسهاماً قيّماً في التاريخ الثقافي والاجتماعي للإسلام.

تبدأ النسخة العربية بمقدمة المترجم، التي يوضح فيها أهم مميزات الكتاب ونظرياته الأساسية، ومما أثنى عليه د. العدوي أن الباحثة وُفقت في رفضها محاولة تنزيل الخطاب النسوي المعاصر على تراث المرأة المسلمة، فلم تعان المرأة المسلمة من هذه الإشكاليات الحديثة أصلاً ولم تعرفها، وكان تطور دورها في رواية الحديث مرتبطاً أكثر بتطور استخدامات المعرفة الدينية في المجتمع المسلم، وما أدت إليه هذه الاستخدامات من تراجع دور المرأة أحياناً ومن ازدهاره أحياناً أخرى، فهي ظروف عرضية غير متعلقة بها لم تقصد قهرها أو استبعادها أبداً، وكذلك يلفت النظر لما وقف عليه من مزالق وما أخذ على المؤلّفة في منهجها من مآخذ، أبرزها: "محاولاتها المتكررة تطبيق قواعد الجرح والتعديل على الصحابيات أنفسهن، مع أن الصحابة كلهم عُدول عند علماء الحديث باتفاق، وما يسري على الرواة من بعدهم جرحاً وتعديلاً لا ينسحب عليهم، لا فرق في هذا بين صاحبي وصحابية".

وينوّه إلى أن الباحثة لم تتطرق إلى مسألة صحة الأحاديث من عدمها على أساس أن محلّ الدراسة النساء الراويات لا تدقيق المرويات.

ثم يقع الكتاب في مقدمة، وأربعة فصول على أساس الفواصل الزمنية بين كل صعود وهبوط لمستوى مشاركة المرأة حسبما توصّلت الباحثة، وخاتمة:

1) في الفصل الأول من الكتاب "الصحابيات واستحداث الرواية"، تستعرض المؤلفة جهود الصحابيات في رواية الحديث أو كونهن موضوع الحديث أحياناً، وتركز في غالبه على أمهات المؤمنين -رضوان الله عليهن- سيما السيدة عائشة والسيدة أم سلمة؛ إذ هما أكثر من روى عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من بقية زوجاته: السيدة عائشة حوالي 2400 حديث، السيدة أم سلمة من 175-375 حديث، والسيدة ميمونة بنت الحارث 37، والسيدة حفصة 25، ولم تتعد روايات بعض زوجات النبي وبناته والصحابيات 10 أو 5 أحاديث، ثم انتقلت للكلام على الصحابيات السابقات في الإسلام، كأسماء بنت أبي بكر ولبابة بنت الحارث وأم أيمن -رضي الله عنهن- والصحابيات اللاتي شاركن في الغزوات ومثَّلت لهن بنسيبة بنت كعب عليها الرضوان، والصحابيات اللاتي كن موضوعا للفتوى أيام النبي -صلى الله عليه وسلم- ومنهن بُرَيرة وفاطمة بنت قيس عليهن الرضوان، وتختم المؤلفة الفصل بتقرير أن أصحاب التراجم ورواة الأحاديث في تلك المرحلة تلقين ما روي عن النساء كما الرجال، دون تقليل اعتبارهن علميّاً لكونهن نساء.

2) في الفصل الثاني "التابعيات"، ترى المؤلفة أن دورهن بعد منتصف القرن الثاني الهجري وحتى القرن الرابع الهجري تراجع واختلف عن دور الصحابيات، فقد اقتصرت الرواية غالباً إما على التابعيات اللاتي ارتبطن بآصرة مع الصحابيات مثل زينب المخزومية وعَمرة بنت عبد الرحمن وعائشة بنت طلحة، أو على الزاهدات مثل أم الدرداء الصغرى وحفصة بنت سيرين، وتُرجع المؤلفة أسباب تراجع رواية المرأة للحديث لعدد من الأسباب، أهمها تطور معايير مؤهلات رواة الحديث وتطلب شروط في أحوالهم لا تتيسر للنساء عامة كالسفر والترحال لتوثيق الأحاديث.
3) الفصل الثالث بعنوان "إحياء دور المرأة في رواية الحديث في الحقبة الكلاسيكية "، وتعني بها الفترة من القرن الرابع وحتى القرن العاشر الهجري، وشهدت ظهور المجالس التي كان تشارك فيها المرأة سواء كطالبة أو شيخة يؤخذ عنها العلم، ترى المؤلفة أن الإحياء كانت نتيجة عوامل منها قبول الرواية المكتوبة، وممن اشتهرن في المجال وحظين بثقة أصحاب التراجم: كريمة المروزية، وفاطمة بنت الحسن الدقاق زوجة الإمام القشيري.

4) الفصل الرابع بعنوان "السلفية وذُروة ازدهار النِّسوة المحدّثات"، وتقصد الكاتبة بكلمة "السلفية" عموم أهل السنة الذين اهتموا بالعلوم الدينية على اختلاف مذاهبهم الفقهية، يعرض الفصل نماذج النسوة المحدثات الثقات اللاتي أقبل عليهن طلاب العلم من أمثال: شُهدَة الكاتبة العراقية، وزينب بنت الكمال المقدسية التي وصفت بمسندة الشام، وعائشة بنت محمد الدمشقية، وترى المؤلفة أن ذلك الازدهار ارتبط بعوامل أبرزها صعود الأسر العلمية، فقد كانت معظم أولئك النسوة من أسر علمية وسعى أولياؤهن منذ طفولتهن إلى تعليمهن وحصولهن على إجازات متنوعة وإدماجهن في أقصر سلاسل ممكنة من سلسلة الرواة في الإسناد.

في الختام ترى المؤلفة أن هذه الدراسة تُمكّننا من إعادة النظر في مسَلَّمتين سادتا الدراسات الأجنبية والنسوية خاصة، التي أجريت عن المرأة المسلمة، الأولى أنّ الإسلام حدّ من قدرة المرأة على الحركة ونشاطها في المجال العام، إلا أن الكتاب برهن على أن هذا الإسلام بالذات هو الذي نجح في حشد النساء وإعادة إشراكهن في الساحة العامة، لا بنقل الحديث فحسب بل بطلب المعرفة الدينية ابتداء وكونهن مواضيع أحاديث وفتاوى عَنَت المجتمع المسلم كله.

أمّا المُسلّمة الثانية فهي أن القرن الأول الهجري منح المرأة أوسع نطاق حرية ووضع مشاركة، ثم عانى من ارتكاسة جراء الفتوحات واقتراض القيم الأبوية المناهضة للمرأة من الثقافات البيزنطية والساسانية وإدماجها في الفقه الإسلامي، حتى جاء الخطاب النسوي المعاصر وحاول تحرير المرأة المسلمة! لكن هذه الدراسة أظهرت أنه على الرغم من تراجع دور المرأة في رواية الحديث بعد القرن الأول الهجري، فإنهن عُدنَ بقوة في القرن الرابع الهجري بوصفهن راويات ثقات للحديث وعالمات جليلات، عقد بعضهن مجالس شعبية حاشدة لرواية الحديث في الساحات العامة، ومَثّلن أسانيد عالية في الرواية يسعى إليها طلاب العلم من كل مكان.

بطاقة الكتاب:

العنوان: المرأة ونقل المعرفة الدينية في الإسلام
المؤلف: أسماء سيّد
المترجم: أحمد العدوي
عدد الصفحات: 305
الناشر: مدارات للأبحاث والنشر – مصر
الطبعة: الأولى 2017

 

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

شاهد أيضاً

كيف ربَّى المسلمون أبناءهم؟

تربية الأطفال هي من أكبر التحديات التي يعيشها آباء اليوم في ظل نظام تعليم متدهور …