أحوال ما بعد الأزمات… كيف يستطيع الأفراد والمجتمعات استعادة الإيقاع؟

الرئيسية » بصائر الفكر » أحوال ما بعد الأزمات… كيف يستطيع الأفراد والمجتمعات استعادة الإيقاع؟
corona18
5 / 5 (2 votes)

وفق مقتضى الحال فإن موضوع فيروس #كورونا المُسْتَجَد، أو مرض "كوفيد19" الذي تسبب هذا الفيروس في أن يجتاح العالم، هو الشغل الشاغل للإنسانية في الوقت الراهن؛ فقد أدت جائحة الوباء إلى أزمات عديدة في مختلف الاتجاهات: اقتصادية وسياسية واجتماعية ونفسية.

وبالتالي فإن موضوع الوباء صار المحور الأساسي لأحاديث الإعلاميين والخبراء والباحثين، وصارت أخباره والتوعية به -وفقط- هي التي تتصدر واجهات القنوات الفضائية والمنصات الإلكترونية.

ولم يخلُ الأمر من جوانب استشرافية؛ فالبعض يتحدث عن إعادة رسم خرائط القوى في العالم بسبب تأثيراته في المجالات ذات الطابع الاستراتيجي، وبدأت تقديرات كثيرة عن "عالم ما بعد كورونا"، وما إلى ذلك.

إلا أننا -ومن خلال تطواف مدقِّق في المادة التي تنشر عن هذا الموضوع الذي سوف يقف أمامه التاريخ الإنساني طويلاً- لم نجد الكثير من المواد ذات التأصيل العلمي عن نقطة شديدة الأهمية، وهي كيف يمكن للأفراد والمجتمعات استعادة التوازن في مرحلة ما بعد الأزمة.

وهذه النقطة ذات مركزية مهمة؛ فهي -في الأصل- الجذر الذي سوف يستند إليه النشاط الاقتصادي على مستوى الأفراد، وحركة المجتمعات بشكل عام هي أساس حركة الاقتصاد الكُلِّي، وبالتالي فهي مركزية بالنسبة لأهم قضايا العالم في المرحلة الراهنة، وهي إعادة فتح الأنشطة الاقتصادية.

وفي الحقيقة، فإن هذه القضية ذات اتصال وثيق بعلم النفس، فيما يُعرَف بـ "المرونة النفسية".

وتقول الدكتورة سماح خالد زهران -أستاذ علم النفس الاجتماعي بجامعة عين شمس المصرية- إن المرونة النفسية أو الـ"Resilience"،هي القدرة على التكيف مع التغيير، وبخاصة في الحالات التي يمثل فيها التغيير حالة أزمة أو إشكالية تعيق الفرد أو المجتمع، أو كليهما عن الحياة والحركة بشكل طبيعي، وعن تحقيق أهدافه بالشكل المعتاد السَّويِّ.

وتعود أهمية هذا الأمر إلى أنه من دونه سوف تحدث اختلالات حقيقية في قدرة الفرد والمجتمع على التعامل الإيجابي مع الأمور في مرحلة ما بعد انتهاء الأزمة، أو قد تحدث تغييرات للأسوأ، وبالتالي، فإن المرونة هي شكل من أشكال الصحة النفسية.

وفي حالة جائحة عامة شاملة -مثل هذه التي نعيشها- فإن -بكل تأكيد- كلا الطرفَيْن بحاجة إلى الآخر، الفرد والمجتمع.

فالفرد بحاجة إلى المجتمع في المؤازرة النفسية، وفي التعاون في مجال إعادة تنشيط الحركة العامة والعمل والنشاط الاقتصادي، بينما المجتمع بحاجة إلى الفرد الصحيح نفسيّاً من أجل أن يتحرك في إطار أكثر إنتاجية بالمعنى الواسع للإنتاجية، ليس الانتاجية الاقتصادية فحسب، وإنما التعامل الإيجابي المثمر في مختلف مناحي الحياة.

الفرد بحاجة إلى المجتمع في المؤازرة النفسية، وفي التعاون في مجال إعادة تنشيط الحركة العامة والعمل والنشاط الاقتصادي، بينما المجتمع بحاجة إلى الفرد الصحيح نفسيّاً من أجل أن يتحرك في إطار أكثر إنتاجية بالمعنى الواسع للإنتاجية، ليس الانتاجية الاقتصادية فحسب، وإنما التعامل الإيجابي المثمر في مختلف مناحي الحياة

ويشمل ذلك العلاقات الاجتماعية؛ فمن دون ذلك الاستواء، ومن دون ذلك التوازن والتعاون المتبادل بين الفرد والمجتمع لن تكون هناك علاقات زواج ومصاهرة، ولن تكون هناك علاقات تبادل المنفعة التي تضمن أن تبقى المجتمعات والأمم على قيد الحياة.

وتزداد أهمية ذلك في حالة وباء "كوفيد19" بالذات؛ لأنه أزمة من نوع خاص جدّاً، تطلبت شكلاً صارماً من أشكال العزلة والتباعد الاجتماعي؛ ففي حالات الحروب لا تمنع الأزمات الشاملة اختلاط الناس ببعضهم البعض، وهو أهم عنصر من عناصر الأمان النفسي للفرد وبالتالي للمجتمع.

وبالتالي فإن أسوأ ما حمله لنا فيروس كورونا المُسْتَجَد، هو أن الإنسان فقد بسببه أهم عوامل الإسناد في الأزمات العميقة، وهو الإسناد النفسي والمجتمعي في ظل ظروف العزل الذاتي والتباعُد الاجتماعي .
في هذا الإطار، لنا أن نتصور أثر جائحة مثل هذه إذا ما كانت قد وقعت قبل ظهور الإنترنت أو وسائل التواصل الاجتماعي، لكنا سنسمع فيما بعد -وبصعوبة- عن حالات انتحار كثيرة، أو وفيات من دون أن يعلم بها أحد.

في هذا الإطار، فإن واجب الوقت الراهن هو التواصل من دون كسر حواجز وقيود منع انتشار العدوى، من خلال الهواتف الذكية وتقنيات التواصل الرقمي -التي سمحت بعقد قمم عالمية بين رؤساء دول وحكومات، واتخذت من خلالها أهم القرارات، مثل قمة مجموعة العشرين، و"أوبك +"... وغيرها، والتي تحدد فيها مصير قطاع النفط والطاقة العالمي، وكذلك حركة التجارة والنقل- وما إلى ذلك.

واجب الوقت الراهن هو التواصل من دون كسر حواجز وقيود منع انتشار العدوى، من خلال الهواتف الذكية وتقنيات التواصل الرقمي

ثم نأتي إلى واجبات الوقت التي يمكن من خلالها الإعداد لمرحلة ما بعد أن يحمل الوباء عصاه ويرحل، والذي هو للآن ما لم تستطِع الحكومات ولا منظمة الصحة العالمية تحديد موعده بدقة.

والواجبات هنا جماعية، وتشكل مختلف شرائح المجتمع، بدءاً من مستوى الوحدات الأصغر، الفرد والأسرة والحي، وصولاً إلى الحكومة والأطر التنفيذية.

وهنا لابد من الإشارة إلى الأدوار البالغة الأهمية التي تلعبها الآن منظمات المجتمع المدني، ولا سيما الجمعيات الخيرية، في مواجهة جائحة الوباء، سواء لجهة منع انتشاره أو درء آثاره، من خلال الدعم المالي والعيني للمعوزين، من أجل مساعدة الناس على البقاء في بيوتهم، وتوفير المستلزمات الطبية.

وفي مجتمعاتنا العربية والإسلامية، تزداد أهمية وقيمة هذه الأدوار -في ظل ارتفاع نسب الفقر، وتزامن حالة الغلق الاقتصادي والمجتمعي مع شهر رمضان- في مقابل تعظيم هذه المجتمعات لقيمة التكافل الاجتماعي، والتي هي من أهم أدوات إسناد الحكومات في الأزمة الحالية.

وهذه المؤسسات سوف يكون عليها عبءٌ إضافي لمرحلة ما بعد كورونا -سواء لجهة إعداد الأفراد لها، أو في صدد تحريكهم من جديد- عند الانتهاء من محاصرة الوباء، وعودة الحياة إلى طبيعتها.

ومن أبرز المهام في هذا النطاق -سواء من جانب مؤسسات المجتمع المدني أو الحكومات، أو قادة الرأي والفكر- تأسيس حالة من الوعي بالموقف، وبمتطلباته، آنيّاً وفيما بعد، وخلق الدافعية للمواطنين والمؤسسات والشركات من أجل العمل والخروج من قمقم العزلة، وحالة الخوف التي فرضها الموقف.

ثم نأتي إلى مسألة التشبيك الضروري بين مختلف هذه المؤسسات، العامة الرسمية والمدنية، في منطلق أفقي يشمل كل أطراف المجتمع والدولة، من أجل خلق حالة الوعي والدفاعية هذه، وتحقيق الترابط والتكامل اللازمين لإتمام المهمة.

وهنا تبرز أهمية الأقنية الإعلامية والثقافية المختلفة، وفي عصرنا الحالي، تشمل هذه الأقنية منصات التواصل الاجتماعي الأكثر انتشاراً وشهرة من خلال الإعلانات الممولة والفقرات المُصوَّرة والتي يجب أن تتضمن استغلالاً مفيداً لرموز الفن والثقافة والرياضة وكل الفئات القادرة على التغيير.

وهي مهام ومراحل لا يمكن بحال الاستغناء عن التربويين والدعاة والعلماء، سواء كأفراد أو كمؤسسات.

وفي حقيقة الأمر، فإنه هنا لا بد من الإشارة إلى الدور المركزي الذي قامت وتقوم به هيئات العلماء ودور الإفتاء في العالم العربي والإسلامي خلال جائحة الوباء في تحقيق مستهدفات الطب الوقائي ، والتي ربما هي بالفعل فارقة في تقليص حالات الإصابة والوفيات وعدم تحول المرض إلى الصورة الوبائية القاتلة التي رأيناها في المجتمعات الغربية والآسيوية.

إن التوجيه من الآن يتطلب أوراقاً ومواد مرئية ومسموعة تشمل نصائح في مختلف الاتجاهات: كيف تستأنف نشاطك الاجتماعي والاقتصادي في مرحلة ما بعد الوباء، ولعل أهمية البدء في ذلك الآن، هو في جانب ربما لا ينتبه إليه أحد، ولكنه على أكبر قدر من الأهمية، وهو إشاعة روح الأمل والتفاؤل في نفوس الناس، وإشعارهم بأن الأزمة إلى انتهاء مهما طال الوقت بها، وهي من أهم وأبرز مهام الإسناد النفسي والمعنوي، والتي هي بدورها من أهم ما يجب القيام به في المرحلة الراهنة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

التنظيم.. التغيير المطلوب لتحقيق المنشود

يمثل التنظيم (ماكينة) العمل في الحركة الاسلامية منذ أن تأسست في عشرينيات القرن الماضي، وتأتي …