الطوفان وسفينة النجاة

الرئيسية » خواطر تربوية » الطوفان وسفينة النجاة
quran251

{يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ} [هود:42] نداء الحق الذي انطلق من نوح -عليه السلام- فكان امتداداً لصوت الحق منذ آدم، وما زال صداه مجلجلاً لوقتنا هذا وحتى يرث الله الأرض ومن عليها، نداء يسري في دماء من استجابوا له فيثري حياتهم نوراً وضياء على صداه يسيرون على خطى أسلافهم غير آبهين بما سيبذلونه من دماء وأوقات، ما داموا مشاعل وسواري للحق الذي ارتضاه الله، في الوقت الذي يدفع الكثير من البشر ليضعوا أصابعهم في آذانهم، كي لا ينتهي لأسماعهم صوت الحق فيهدم فيهم كل صنم وتمثال للباطل أي كان شكله واسمه.

{يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا} نداء يصيغ أساس الصراع على الأرض ويصور لنا النتيجة الحتمية لهذا الصراع وإن طال أو تعامى عنه الكثيرون، وغرت البقية منهم شهوات حفت بها دروبهم، فآثروا اللذة الزائلة على النعيم المقيم، وتقزموا عن حمل مسؤولية اتباع الحق إيثاراً لحياة لا يكدر فيها نزواتهم أو يغالب فيها أهواءهم شيئاً.

إنّ قصة الطوفان ودعوة النبي المرسل -نوح عليه السلام- ومواقف القوم المتباينة منها قد تكررت من بعده ولكن بصور أخرى وما تزال تمر عبر هذه الأجيال وإن كانت بشكل أو مسمى آخر، إلا أن الأطراف أنفسهم وإن تعددت أسماؤهم وأشكالهم ومحور القضية وجوهرها واحد، فإن كان الطوفان عقوبة في زمن مضى على جحود الله والاستكبار عن إجابة الحق، فإن الله -عز وجل- لا يعجزه أن يرسل طوفاناً بهيئات متعددة تناسب ما بلغته البشرية من تقدم وحضارة فيرسل عليهم من جنس ما برعوا به، الطوفان قد يكون وباءً وقد يكون أي شيء يرتضيه الله فيسلطه على قواهم العسكرية والاقتصادية -وما إلى ذلك- ليكون الصفعة التي توجه للمستكبرين تمثلها قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ} [يونس:25] وبشرى للمستضعفين بأن الله لا يضيع عباده المخلصين ولكن لكل شيء قدر وأجل.

إن كان الطوفان عقوبة في زمن مضى على جحود الله والاستكبار عن إجابة الحق، فإن الله -عز وجل- لا يعجزه أن يرسل طوفاناً بهيئات متعددة تناسب ما بلغته البشرية من تقدم وحضارة فيرسل عليهم من جنس ما برعوا به

وواقعنا اليوم فيه من الإرهاصات ما تجعل بصير القوم ينظر من حوله فأحداث التاريخ تعيد نفسها، حتى إذا بلغ عتو الظالمين مبلغه واستعبدوا العباد وتعدوا على الحرمات وصادروا الحريات ففي كل موطن يعبد فيه الله حق العبودية يُعاث فيه الفساد، ويستهزأ بقيمهم وتعاليمهم وأمور شريعتهم فيسومونهم سوء العذاب، تأتي بشائر الله لتقول لنا لن تغني عن البشرية جمعاء قوتها وأن جبالها من اقتصاد وسياسة، وكل مجالات التقدم التي تعتصم بها وتلوذ إليها لن تعصمهما من الطوفان الذي سيجتاحها ولن تدفع عنها شيئاً، أوليس وقوف القوم حيارى أمام آية من آيات الله لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة المعروفة ب"فيروس كورونا" وعجزهم عن مواجهته والنجاة منه دليل على عجز جبالهم الواهية في كل مجالاتها العلمية والفكرية وغير ذلك دليلاً قاطعاً أن لا عاصم لهم من الله تماماً كما لم يكن لأولئك المتكبرين المستهزئين في زمن نوح وكل من تبعه أو سبقه.

إنّ سنة الله ماضية في خلقه وقدره نافذ لا محالة، ولا نجاة من أمر الله إلا باتباع أمر الله، وإن كنا نعلم يقيناً أنه لا وجود لنبي بين أظهرنا لصناعة سفينة تنجو بنا لكننا نؤمن يقيناً أن بين أظهرنا وحي من السماء إن استمسكنا به كان نجاتنا من كل طوفان أيّاً كان شكله ونوعه؛ فسفينة نجاتنا اتباع أمر الله ووحيه حيث دار درنا وحيث أمر كنا ، فكل عبد فينا يملك سفينة نجاته هو قائدها وهو راكبها وهذا من رحمة الله فينا سفينة نجاتنا بحوزتنا لا تفارقنا إلا إذا فارقناها نحن اختيارا وطواعية، فقد تكون سفينة نجاتك جثوك بين يدي العظيم صاغراً ذليلاً موقناً أنك به تكون وبه تحيا وبه تموت، وقد تكون سفينة نجاتك كلمة حق في وجه ظالم عتيد، أو استغفار من قلب مخبت أواب تحت جنح الظلام البهيم.

سفينة النجاة في كل وقت وحين شهادة التوحيد ترسخ في قلبك رسوخ الجبال وبقدر التزامك لأمر الله واتباعه تكون عوامل ثباتها ونجاتها أمام الأمواج المتلاطمة، فكل قوة منفصمة عن الله الواحد فهي ضعف وكل غنى بغيره فقر وكل حاجة من دونه ذل ، استعصم بالله فهو ركنك وإن خانتك كل الأركان وملاذك وإن أوصدت دونك ملاجئ الكون.

ومن قصة الطوفان والسفينة نستخلص عبراً ودروساً لا بد للنفس أن تتأملها وتتدارسها فذلك أدعى لإنشاء الصبر في النفس على المضي في درب الحق والثبات في تقلب الظروف والأحوال:

1. الثقة واليقين بمعية الله لعباده المؤمنين لقوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً} [النور:55].

2. الأخذ بالأسباب في كل المجالات وعلى جميع المستويات: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} [الأنفال:60].

3. لا ملاذ ولا منجأ ولا عاصم لنا إلا الله: {قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ} [هود:43].

4. يعمل الإنسان ضمن وسعه في تبليغ دعوة الله وأمره فمسؤوليته التبليغ لا الهداية {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ۖ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ} [الشورى:48]، وإلزام نفسه وتعهدها بالحق فهو محاسب عنها ولا يجزع لقلة المستجيبين ولا يلتفت ولا يتقهقر لأجلهم: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً ۖ فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۖ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [فاطر:8]، {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ} [هود:37].

اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة حاصلة على الدكتوراة في العقيدة والفلسفة الإسلامية من جامعة العلوم الإسلامية العالمية في الأردن. و محاضرة في جامعة القدس المفتوحة في فلسطين. كتبت عدة مقالات في مجلة دواوين الإلكترونية، وفلسطين نت، وشاركت في المؤتمر الدولي السادس في جامعة النجاح الوطنية حول تعاطي المخدرات. مهتمة بالقضايا التربوية والفكرية، وتكتب في مجال الروحانيات والخواطر والقصة القصيرة.

شاهد أيضاً

7 تعليقات على هامش الانتخابات الأمريكية

(1) الحرية غالية، ولذلك لا بد أن يُدفع فيها ثمن غال، وقد دفع الأمريكيون ثمنا …