المنهج الإسلامي في التعامل مع الأوبئة المدخل التربوي (1-2)

الرئيسية » بأقلامكم » المنهج الإسلامي في التعامل مع الأوبئة المدخل التربوي (1-2)
F200315AHA12-Islam-corona

تعتبر قضية العلاقة بين المنهج الإسلامي وانتشار الأوبئة من المسائل المركبة، لا باعتبار الجمع بينهما على صعيد واحد، ولكن بالاعتبار الذي حُملت فيه قضية المنهج الإسلامي وانتشار الأوبئة بما لا تحتمل.

وأدى ذلك إلى تصور حقيقية هذه العلاقة ضمن رؤى تفترض تناقضا في العلاقة بين المنهج الإسلامي والوقاية من انتشار الأوبئة، على الرغم من أن قضية المنهج الإسلامي تنتمي إلى دائرة المرجعية والقواعد المتعلقة بالنظام العام للمسلمين، بينما قضية انتشار الأوبئة ترتبط بأسس الواقع الذي أفسده الناس مما أدى إلى ضياع قاعدة المساواة العامة في الحقوق والواجبات بين الدول والشعوب والأفراد.

ويعد ذلك المدخل التربوي ، والذي لا يمكن فهم القضية إلا ضمن سياقاته ، ذلك أن الشريعة الإسلامية؛ تربية ، وتزكية، قبل أن تكون فقه ، وأصول ، واجتهادات.

في هذا السياق التربوي يتم تناول قضية المنهج الإسلامي وانتشار الأوبئة من المداخل الآتية:

• مدخل الإيمان بالله تعالى والتسليم لقضائه وقدره.

• مدخل الأخذ بالأسباب.

• مدخل العودة للذات ومحاسبتها.

وفق هذه الرؤية فإنه من الواجب أن نحدد منهج النظر التربوي للعلاقة بين المنهج الإسلامي وانتشار الأوبئة، ضمن دوائر عدة تتراوح بين التراحم الإلهي والعبد المؤمن، والتزاحم الإنساني في الأخذ بالأسباب المتاحة، والتصادم الذاتي بالنفس البشرية وتقصيرها، للعودة بعلاقة أتقى مع الله، وأنقى بين والأسرة والأقارب، وأرقى بين المجتمعات والحُكام.

هذه الرؤية هي التي تكشف حقائق التأصيل التربوي ومداخل التزييف السطحي، والذي يتخذ مسارات عدة، منها أن الأوبئة حصراً لمعاقبة الكفار دون المؤمنين، وتوجهات تحمل في طياتها أحكام وتعميمات تحتاج في حقيقتها إلى مراجعة وتأمل.

أسأل الله أن يجعل هذه الورقات في ميزان الحسنات، وأن يكفر بها السيئات، ويرفع بها الدرجات...

المدخل الأول : الإيمان بالله -تعالى- والتسليم لقضائه وقدره.

ممّا لا شك فيه أن الرضا بقضاء الله –تعالى- الكوني القدري، الموافق لمحبة العبد من الصحة والغني والعافية واللذة، أمر لازم بطبيعة الفطرة، ومقتضى الطبيعة؛ لأنه ملائم للعبد، محبوب له، فليس في الرضا به عبودية.

بينما الرضا بقضاء الله –تعالى- الكوني القدري، الجاري على خلاف مراد العبد ومحبته- مما لا يلائمه ولا يدخل تحت اختياره- كالمرض والأوبئة والفقر والأذى من الخلق، لا يصنعه غير الإيمان بالله والتسليم لقدره، فهو من مقامات أهل الإيمان الذين خالطت قلوبهم بشاشة الإيمان، واكتحلت بصيرتهم بحقيقة اليقين، وحَيَت أرواحهم بالوحي، فأصبحت نفوسهم راضية مطمئنة، تتلقى أقدار الله- تعالى – بصدر واسع منشرح مُسَلِّم.

فالإيمان بالله-تعالى- يجعل المؤمن وقت الأوبئة يتحرك بمنهجية واضحة، تتمثل فيما يلي:

1) الدعاء والاستعاذة بالله من الأوبئة.

مهما كانت العزلة قاسية، وقيداً مراً، فالإيمان يجعل المؤمن لا يفقد الدعاء والأمل أبداً، ولا يترك الاستعاذة بالله مطلقاً، فالأمل في الله ليس عبثاً، والدعاء لا يذهب سدى، وما بكت عين إلا ولها رب يخبئ لها الأجمل، والاستسلام ليس من شيم المؤمنين، رغم استعاذتهم بالله الدائمة، ألا يصيبهم مكروه في إيمانهم، أو وباء في أبدانهم.

والنَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ:" اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ البَرَصِ، وَالْجُنُونِ، وَالْجُذَامِ، وَمِنْ سَيِّئِ الْأَسْقَامِ".

وعلّمنا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أنه "مَنْ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ، فِي الْأَرْضِ، وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلَاءٍ، حَتَّى يُصْبِحَ، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُمْسِيَ" .

ولقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة، قال:" أَمَا لَوْ قُلْتَ، حِينَ أَمْسَيْتَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ تَضُرَّكَ".

وغيرها من الأحاديث والأدعية التي تربط المؤمن بربه -سبحانه- وقت الصحة والمرض، والقوة والضعف، غير أنها تَبرزُ بصورة أوضح وقت الشدة والبلاء والأوبئة.

2) الصبر والصلاة.

في وقت الشدة والبلاء والأوبئة، تَجِدُ النفوس التي طُمست فيها معالم الفطرة، يكثر فيها الضجر، ويزداد فيها الانتحار ومفارقة الحياة، والإعراض عن رب الأرض والسماء.

بينما النفوس التي اشرأبت من أنهار الإيمان، في وقت الفتن والشدة والأوبئة تتمسك بالصبر، وتُكثر من الصلاة، مصداقاً لقول الحق -سبحانه -:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ")سورة البقرة آية 153)، ففي الصلاة تلاوة كتاب الله الدّاعية آياته إلى رفض الدّنيا، والصبر على ابتلاءات العبد فيها، وهجر نعيمها المسلّية النّفوس عن زينتها وغرورها، والصلاة مذكّرة للآخرة وما أعدّ الله فيها لأهلها، كما روي عن نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم أنّه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصّلاة.

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائم الاستعانة بالصّبر والصّلاة في كآفة أموره كما أمر ربه بذلك بقوله:" فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ، وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى" (سورة طه آية130)، فأمره جلّ ثناؤه في نوائبه بالفزع إلى الصّبر والصّلاة.

وقد كانت ديمومة الصحابة رضي الله عنهم كذلك، فابن عبّاس رضي الله عنه نُعي إليه أخوه وهو في سفر، فاسترجع ثمّ تَنحّى عن الطّريق، فأناخ فصلّى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثمّ قام يمشي إلى راحلته وهو يقول:" وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ"(سورة البقرة اية 25).

3) وِسَام الشهادة.

إنّ وِسَام الشهادة في سبيل الله، من أعظم ثمرات الإيمان بالله -تعالى-، الذي يستحق صاحبه الحياة الدائمة، ويستوجب نِعَم الله وفضله، من مغفرةٍ للذنوب، وتكفيرٍ للسيئات، ونجاة من النار، ودخولٍ للجنّة، وحصول على الفردوس الأعلى، والعصمة من الفتنة في القبور، والشفاعة في أهل بيته، وغيرها من الثمرات العالية، والمنازل السامية عند الله -تعالى-.

ومن سنن الله-تعالى-وقواعده التي لا تتغير، أن العبد الذي يعتصم بالإيمان بالله –عز وجل- ويتمسك باليقين بقضاء الله وقدره وقت الشدة والأوبئة، يلبسه الله- جل شأنه- وِسام الشهداء.

ومن أوثق الأدلة على ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ، فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ، إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ".

يُعلق ابن حجر- رحمه الله- على هذا الحديث بقوله" اقْتَضَى مَنْطُوقُ الحديث أَنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ يَحْصُلُ لَهُ أَجْرُ الشَّهِيدِ وَإِنْ لَمْ يَمُتْ بِالطَّاعُونِ وَيَدْخُلُ تَحْتَهُ ثَلَاثُ صُوَرٍ أَنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ فَوَقَعَ بِهِ الطَّاعُونُ فَمَاتَ بِهِ أَوْ وَقَعَ بِهِ وَلَمْ يَمُتْ بِهِ أَوْ لَمْ يَقَعْ بِهِ أَصْلًا وَمَاتَ بِغَيْرِهِ عَاجِلًا أَوِ آجلًا".

4) التذكير بالموت والآخرة.

حين يقع البلاء بالخلق، وتنتشر الأوبئة فيهم، يتعلق أكثر الناس بالدنيا من أي وقت آخر، فتكثر السرقات، ويهرول الناس هناك وهناك، يسارعون في حيازة الأطعمة والأشربة أكثر من اللازم، غافلين عن حقيقة الموت التي لابد منها للجميع، متناسين الحياة الحقيقية في الآخرة، والزاد الباقي الذي به تكون النجاة.

في خضم أوقات الشدائد، وصعوبة الفتن والأوبئة على النفوس، تَجد المؤمن يُكثر من ذكر الموت، ولا يأخذ من متاع الدنيا الرخيص إلا ما يبلغه مقصده وغايته في الآخرة.

فالإيمان بالله- تعالى- واليقين بقضائه وقدره، يجعل المؤمن يرحب بالموت في أي وقت، ويحسن استقباله على جميع حالاته.

فما أحوجنا لاسيما في وقت الشدائد والأوبئة للزاد الحقيقي، فالخسارة الكبرى لمن يقطع سفراً طويلاً بلا زاد ، ويسكن قبراً موحشاً بلا مؤنس، ويقوم بين يدي حَكَمٍ عدلٍ بلا حُجة.

وها هو ابن الجوزي-رحمه الله- يصرخ في كل واحدٍ منّا قائلاً:" يَا رَهِينَ الآفَاتِ وَالْمَصَائِبِ، يَا أَسِيرَ الطَّارِقَاتِ النَّوَائِبِ، إِيَّاكَ وَإِيَّا الآمَالَ الْكَوَاذِبَ، فَالدُّنْيَا دَارٌ وَلَكِنْ لَيْسَتْ بِصَاحِبٍ، أَمَا أَرَتْكَ فِي فِعْلِهَا الْعَجَائِبَ فِيمَنْ مَشَى فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ، ثُمَّ أَرَتْكَ فِيكَ شَيْبَ الذَّوَائِبِ، إِنَّ سِهَامَ الْمَوْتِ لَصَوَائِبُ، لا يَرُدُّهَا مُحَارِبٌ وَلا يَفُوتُهَا هَارِبٌ، تَدُبُّ إِلَيْنَا دَبِيبَ الْعَقَارِبِ، بَيْنَا نَسْمَعُ صَوْتَ مِزْهَرٍ صَارَ صَوْتَ نَادِبٍ، يَا أَسِيرَ حُبِّ الدُّنْيَا إِنْ قَتَلَتْكَ مَنْ تُطَالِبُ، كَأَنَّكَ بِكَ قَدْ بِتَّ فَرِحًا مَسْرُورًا فَأَصْبَحْتَ تَرِحًا مَثْبُورًا، وَتُرِكَ مَالُكَ لِغَيْرِكَ مَوْفُورًا، وَخَرَجَ مِنْ يَدِكَ فَصَارَ لِلْكُلِّ شُورَى، وَعَايَنْتَ مَا فَعَلْتَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا، وَعَلِمْتَ أَنَّكَ كُنْتَ فِي الْهَوَى مَغْرُورًا، وَاسْتَحَالَتْ صَبَا الصِّبَا فَعَادَتْ دَبُورًا، وَأُسْكِنْتَ لَحْدًا تَصِيرُ فِيهِ مَأْسُورًا، وَنَزَلْتَ جَدَثًا خَرِبًا إِذْ تَرَكْتَ قَصْرًا مَعْمُورًا، وَدَخَلْتَ فِي خَبَرِ كان " وَكَانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا "(سورة الأحزاب آية 38).

5) استشعار النعم وقت الأوبئة والنقم.

الإيمان بالله- جلَّ وعلا-واليقين بقضائه وقدره، في كآفة أوقات العبد لاسيما وقت الشدائد والأوبئة، يغرِّسُ في وِجدان المؤمن استشعار نِعم الخالق- سبحانه- الظاهرة والباطنة على خلقه وعبيده.

يقول صلى الله عليه وسلم:" تفكروا في آلاء الله، ولا تفكروا في الله".

فكم من الأمور التي تتكرر مع المسلم في يومه وليله عدة مرات، وكم هي المواقف، وكم هي المشاهد التي يراها ويسمع بها في يومه وليله، تستوجب عليه أن يتفكر ويتأمل هذه النّعم التي هو فيها ؟!!.

والعبد الموفق حقاً هو الذي لا يغيب عن قلبه وشعوره وإحساسه، نعمة الله عليه في كل موقف وكل مشهد، فيظل دائماً في حمد الله وشكره، والثناء عليه مما هو فيه من نعمه، الدين والصحة، والرخاء، والسلامة من الشرور.

وما أجمل قول ابن قيم الجوزية- رحمه الله -"والله يحب من عبده: أن يشهد نعمه، ويعترف له بها، ويثني عليه بها، ويحبه عليها، لا أن يفنى عنها، ويغيب عن شهودها".

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

اسرق كأنك فنان!

سرقت عنوان مقالي" اسرق كأنك فنان" من عنوان كتاب أوستن كليون -مواليد1983 - أحد الكتب …