سلسلة: خواطر إيمانية للبيت المسلم في رمضان (8-10)

الرئيسية » بأقلامكم » سلسلة: خواطر إيمانية للبيت المسلم في رمضان (8-10)
ramadan

يهل علينا شهر رمضان المبارك هذا العام ونحن في ظروف استثنائية، نسأل الله تعالى أن يُعجِّل بزوالها، هذه الظروف تحتم علينا المكوث في البيت أطول وقت ممكن.

إن المكوث في البيت لفترة طويلة يعتبرها البعض محنة ثقيلة على النفس تصيبه بالرتابة والملل لكونهم لم يتعودوا على ذلك، ولكننا لو أحسنا التخطيط لاستغلال هذا الوقت في تهذيب أنفسنا وأسرنا لاحتجنا فوق الوقت أوقاتاً.

من هنا، جاءت فكرة إعداد بعض الخواطر الإيمانية الخفيفة التي تهدف إلى غرس القيم وتقويم السلوكيات، سائلاً الله عز وجل أن تكون سبباً في تقويم ما غاب عنا من قيمنا، وما اعوج من سلوكنا.

خاطرة 22: التمسوا القدر في ليلة القدر

قال تعالى: "إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ {1} وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ {2} لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ {3} تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ {4} سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ{5} " (سورة القدر).

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "ليلةُ القدرِ ليلةُ سابعةٍ أو تاسعةٍ وعشرين، إنَّ الملائكةَ تلك الليلةِ في الأرضِ أكثرَ من عددِ الحصى" (السلسلة الصحيحة).

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "ليلةُ القدْرِ ليلةٌ سمِحَةٌ، طَلِقَةٌ، لا حارَّةٌ ولا بارِدَةٌ، تُصبِحُ الشمسُ صبيحتَها ضَعيفةً حمْراءَ" (صحيح الجامع).

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "مَن قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمَانًا واحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ، ومَن صَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا واحْتِسَابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ" (صحيح البخاري).

عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: "تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ في الوِتْرِ، مِنَ العَشْرِ الأوَاخِرِ مِن رَمَضَانَ" (صحيح البخاري).

إننا نعيش في هذه الأيام المباركات نفحة وبداخلها نفحات كثيرة فالنفحة الكُبرى والمِنة العُظمى هي شهر رمضان وبداخله الرحمات والنفحات التي يجب على كل مسلم لبيب أن يتعرض لها عسى أن يُرزق القبول والعتق من النيران.
من بين هذه النفحات هي هذه الليلة المباركة التي هي خير من ألف شهر، ألا وهي ليلة القدر.

تأتينا ليلة القدر وجسد الأمة قد أنهك ومُزِّق، تأتينا وحالنا كحال الأغنام في الليلة الممطرة، وكحال الأيتام على موائد اللئام، تأتينا وقد تداعت علينا الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها، ندعو الله عز وجل أن تكون ليلتنا هذه علاجاً لهذه النكبات، وتضميداً لهذه الجروح، وتطييباً لهذه النفوس.

سبب تسمية الليلة بـ "ليلة القدر"

لقد سميت هذه الليلة المباركة بليلة القدر وذلك لأمور عدة نذكر منها:-

1ـ لأنه نزل فيها كتاب ذو قدر بواسطة ملك ذي قدر، على رسول ذي قدر، لأمَّةٍ ذات قدر.

2ـ وقيل: لأنه مَن أتى فيها بفعل الطاعات، صار ذا قدر وشرف عند الله تبارك وتعالى.

3- وقيل: سُميت بهذا الاسم لأنه في هذه الليلة يُفصَل من اللوح المحفوظ إلى الكتبة أمر السَّنة، وما يكون فيها من الآجال والأرزاق، وما يكون فيها إلى آخرها.

وليس هناك ما يمنع أن يكون معنى ليلة القدر مُتضمناً لكل هذه المعاني، فهي الليلة ذات الشرف والقدر لِما حدث فيها من تنزُّل القرآن الكريم، ولِما يتنزَّل فيها ملائكة الله الأكرمين، ولِما يُظهر الله فيها لملائكته ما قدَّره في شأن العباد أجمعين لعامهم الجديد … والله أعلى وأعلم .

سبب عدم تحديد ليلة القدر بليلة مُعينة

إن سبب عدم تحديد ليلة القدر بليلة معينة فإنها إذا كانت مُبهمة اجتهد طلابها في ابتغائها في جميع محال رجائها، فكان أكثر للعبادة بخلاف ما إذا علموا عينها، فإنها كانت الهمم تقتصر على قيامها فقط، وإنما اقتضت الحكمة إبهامها لتعم العبادة جميع الشهر في ابتغائها، ويكون الاجتهاد في العشر الأواخر أكثر، ولهذا كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه اللّه عزَّ وجلَّ.

- عن عبد الله بن أنيس رضي الله عنه أنه قال: " يا رسولَ اللهِ أخبِرْني في أيِّ ليلةٍ تُبتغَى فيها ليلةُ القدرِ فقال: لولا أن يترُكَ النَّاسُ الصَّلاةَ إلَّا تلك اللَّيلةَ لأخبرتُك" (أخرجه العراقي بإسناد حسن).

قال الشافعي: استحب أن يكون اجتهاده في نهارها، كاجتهاده في ليلها.

وقال سفيان الثوري: "الدعاء في الليلة أحب إليَّ من الصلاة".

وقال النووي: "ويُستحب أن يُكثر فيها من الدعوات بمهمات المسلمين، فهذا شعار الصالحين، وعباد الله العارفين".

أسأل الله عز وجل في عليائه أن يجعلنا وإياكم من أهل ليلة القدر ومن شهودها وأن يتقبل فيها دعائنا وأن يبدِّل فيها أحوالنا وأحوال أمتنا لما يحبه ربنا ويرضى.

********************************************************************

خاطرة 23: كيف نجعل من ذنوبنا قنطرة للجنة!!

قال تعالى: "إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً {17}" ( النساء: 17).

إن العبد قد يُقدِّر الله تعالى عليه فعل الذنب لما يريده له من الخير من التوبة والخوف والإخبات والانكسار وترك العُجب، ثم الإقبال على الله تعالى.

قال بعض السلف: إن العبد ليعمل الخطيئة فيدخل بها الجنة، ويعمل الحسنة فيدخل بها النار، قالوا: كيف؟ قال: يعمل الخطيئة فلا تزال نصب عينيه، إذا ذكرها ندم واستقال وتضرع إلى الله وبادر إلى محوها وانكسر وذل لربه وزال عنه عُجبه وكِبره، ويعمل الحسنة فلا تزال نصب عينيه يراها ويمنّ بها ويعتد بها ويتكبر بها حتى يدخل النار".

ومما قاله ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه "طريق الهجرتين" عن حكمة ترك الله تعالى العبد يقترف الذنوب، قال: "أن ينسيه رؤية طاعته ويشغله برؤية ذنبه فلا يزال نصب عينيه، فإن الله إذا أراد بعبد خيراً سلبه رؤية أعماله الحسنة من قلبه والإخبار بها من لسانه، وشغله برؤية ذنبه، فلا يزال نصب عينيه حتى يدخل الجنة، فإن ما تقبل من الأعمال رفع من القلب رؤيته ومن اللسان ذكره" أهـ.

إن العبد إذا مات على هذه الحالة من الخوف من الذنب والوجل من مُلاقاة الله تعالى فإن الله تعالى لا يدخله الجنة بذنبه الذي ارتكبه، وإنما يدخله الجنة برحمته، جزاء ما كان عليه من خوف وانكسار ورهبة بسبب ارتكابه الذنب وندمه عليه.

إن هذه ليست مدعاة لارتكاب الذنوب، فما يدريك كيف سيكون حالنا بعد الذنب، فهناك من يستمرئ الذنب ولا يستطيع الإقلاع عنه، وهناك من إذا وقع في الذنب ضاق صدره واضطرب حاله وكادت أن تزهق روحه خوفاً من سوء المصير.
قال بن مسعود رضي الله عنه: " إنَّ المؤمنَ يرَى ذنوبَه كأنه في أصلِ جبلٍ يخافُ أنْ يقعَ عليه وإنَّ الفاجرَ يرَى ذنوبَه كذبابٍ وقع على أنفِه قال به هكذا، فطار" (رواه الترمذي).

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "مررتُ ليلةَ أُسرِي بي بالملأِ الأعلَى وجبريلُ كالحلسِ البالِي من خشيةِ اللهِ" (مجمع الزوائد).

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "بادِروا بالأعمالِ سبعًا هل تنتظِرونَ إلا إلى فَقرٍ مُنسٍ أو غِنًى مُطغٍ أو مرضٍ مُفسدٍ أو هَرَمٍ مُفَنِّدٍ أو موتٍ مُجهِزٍ أو الدجّالِ فشَرُّ غائبٍ يُنتَظَرُ أو الساعةِ فالساعةُ أَدهى وأمَرُّ" (سنن الترمذي).
نصيحة

إن كل ما سبق يُوجب علينا المبادرة بالعودة والإنابة إلى الله تعالى.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "من خافَ أدلَجَ، ومن أدلَجَ بلغَ المنزلَ، ألا إنَّ سلعةَ اللَّهِ غاليةٌ، ألا إنَّ سلعةَ اللَّهِ الجنَّةُ" (صحيح الترمذي).

وكما قال الصديق رضي الله عنه:

"كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ في أهْلِهِ... والمَوْتُ أدْنَى مِن شِرَاكِ نَعْلِهِ"

*************************************************************

خاطرة 24: التكافل في الإسلام

قال تعالى: "وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً {8} إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً {9}" ( الإنسان: 8-9).

قال تعالى: "قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ {39}‏" (سبأ: 39).

من يلاحظ قوله تعالى " وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ" يجد أن الله تعالى لم يحدد نوع النفقة ولا مقدارها ليكون المجال مفتوحاً للجميع ولا يكون قاصراً على فئة دون أخرى.

إن العبرة من التكافل هي:-

* الإخلاص وصدق التوجه. * مخالفة الهوى والتغلب على شح النفس.

قال تعالى: "... وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {9}‏" (الحشر من الآية: 9).

عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: " تَرَى المُؤْمِنِينَ في تَراحُمِهِمْ وتَوادِّهِمْ وتَعاطُفِهِمْ، كَمَثَلِ الجَسَدِ، إذا اشْتَكَى عُضْوًا تَداعَى له سائِرُ جَسَدِهِ بالسَّهَرِ والحُمَّى" ( رواه البخاري).

إن التَّكافل مِن أهم سمات المجتمع المسلم؛ فالتَّكافل في المجتمع المسلم مثل المِلاط (مؤنة البناء)، الذي يتوغل بين اللبنات فيقوِّيها ويشد بعضها بعضًا، والتَّكافل يقوي لُحمة المجتمع المسلم، ويدعم أواصر الألفة والمحبة بين أفراده.
والتَّكافل ليس له شكل مُعين، بل له أشكال عديدة، تبدأ بالتَّكافل المادي، مرورًا بالتَّكافل بالعاريَّة ومتطلبات المعيشة، منتهيًا بالتَّكافل المعنوي، والتعاون على البر والتقوى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكَر.

والتَّكافل منه التَّكافل الزماني، مثل التَّكافل بين الأجيال المتعاقبة؛ حيث إنه لا ينبغي أن يستأثرَ جيل بعينه بخيراتِ البلاد، تاركًا الجيل الذي يليه فقيرًا مُعدمًا، ومنه التَّكافل المكاني بين أقطار الأمة الواحدة حالَ النوازل والكوارث والنكبات وغيرها... الخ.

ولتحقيق هذا التَّكافل بمفهومه الشامل والمتكامل جعَل الله تعالى له روافدَ عديدة؛ مثل: الزكاة، والصدقات، والميراث، والوقف، والهِبة، والنذر، والكفَّارات، والهدايا، والأضاحي، والغنائم، والفيء... إلخ.

ولتطهير المجتمع والحفاظ على هذه الروافد، حرَّم اللهُ تعالى اكتنازَ المال، واحتكار السلع، كما حرَّم الربا، والغش، وأكل مال اليتيم، وهضم حق المرأة، سواءٌ في صداقٍ أو ميراث.

عن أبي ذرٍّ الغفاري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "لا تحقِرَنَّ مِن المعروفِ شيئًا ولو أنْ تلقى أخاك بوجهٍ طَلْقٍ فإذا صنَعْتَ مَرَقةً فأكثِرْ ماءَها واغرِفْ لجيرانِك منها" (صحيح ابن حبان).

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "كُلُّ سُلامَى مِنَ النَّاسِ عليه صَدَقَةٌ، كُلَّ يَومٍ تَطْلُعُ فيه الشَّمْسُ، قالَ: تَعْدِلُ بيْنَ الاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وتُعِينُ الرَّجُلَ في دابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عليها، أوْ تَرْفَعُ له عليها مَتاعَهُ صَدَقَةٌ، قالَ: والْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وكُلُّ خُطْوَةٍ تَمْشِيها إلى الصَّلاةِ صَدَقَةٌ، وتُمِيطُ الأذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ" (صحيح مسلم).

- يقول ابن القيم رحمه الله: " فإن الكريم المُحسن أشرح الناس صدراً، وأطيبهم نفساً، وأنعمهم قلباً، والبخيل الذي ليس فيه إحسان أضيق الناس صدراً، وأنكدهم عيشاً، وأعظمهم هماً وغماً".

يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله: "إن نظام التَّكافل الاجتماعي في الإسلام لا يعني مجرد المساعدات المالية، أيًّا كانت صورتها؛ فالمساعدات المالية نوع واحد من المساعدات في الإسلام، المال مال الله، وهو وديعةٌ في يد البشر".
إن التكافل جزءٌ مِن عقيدة المسلم، ومِن خُلق الإسلام ومبادئه، فالتكافل يقضي على التفاوت الطبقي المذموم فتسُود المحبة والأُلفة والأخوَّة وكل الصفات النبيلة.

نصيحة

مما سبق يتضح لنا أن التكافل ليس حكراً على أحد، فباب التكافل مفتوح للجميع فالفقير المُعدم لو ابتسم في وجه الناس أو مسح على رأس يتيم، أو سعى في قضاء حاجة أرملة أو مريض، كل هذه أبواب قد تتاح له ولا تتاح لمن يملك المال. وليس كما يشاع أن فاقد الشيء لا يعطيه بل فاقد الشيء يعطيه ببذخ .. لأنه أدرى الناس بمرارة الحرمان.

**********************************************************
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

شاهد أيضاً

في ظلال آية: أسس الدعوة الست

إن الناظر في كتاب الله عز وجل يعلم علم اليقين أن فيه الإرشاد والهداية، والمتمعن …